7 تحقيق FEATURE Issue 17313 - العدد Thursday - 2026/4/23 اخلميس 2026 فقد «داعش» في «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال» وليس هجومه على سلطة دمشق إال اعترافا بخطر الدولة عليه ASHARQ AL-AWSAT «داعش» يغَيِّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا تُعد منطقة الجزيرة السورية، املمتدة بــن ديـــر الــــزور والـــرقـــة والـحـسـكـة، الـسـاحـة .2026 الرئيسية الختبار قدرات التنظيم في إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تـمـوضـع الـــقـــوات األمـيـركـيـة ثــم انسحابها كـلـيـا، وقـبـلـهـا انــســحــاب قــــوات «قـــســـد» إلـى مـنـاطـق أخــــرى، خـلـقـت واقــعــا أمـنـيـا جـديـدًا يحاول التنظيم توظيفه لصالحه. وأدى االنــســحــاب األمــيــركــي أو إعـــادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميالن إلى حالة من «االرتباك العملياتي» املؤقت في خطوط السيطرة. وأشــــــــــارت تــــقــــاريــــر نُــــشــــرت فــــي مـجـلـة «الـنـبـأ» األسبوعية الــصــادرة عـن التنظيم، إلــى تصعيد فـي الهجمات الـتـي استهدفت نـــقـــاطـــا وحـــــواجـــــز أمـــنـــيـــة حـــكـــومـــيـــة، حـيـث تـنـوعـت بــن الـعــبــوات الـنـاسـفـة والهجمات املسلحة املباشرة. وكـان التنظيم نفّذ نحو هجوما في مختلف مناطق سوريا خالل 22 وحـــده، مستهدفا مواقع 2026 شهر مــارس عسكرية ومدنيي. قدرة الوصول ألهداف نوعية 86 يُــعـد الـهـجـوم عـلـى عـنـاصـر الـفـرقـة التابعة لـــوزارة الـدفـاع في ديـر الــزور وعلى نــقــاط تـمـركـز وتـحـصـيـنـات لـلـفـرقـة بـالـقـرب من منطقة البانوراما عند املدخل الجنوبي لـلـمـديـنـة، مــؤشــرًا عـلـى قـــدرة التنظيم على الــــــوصــــــول إلـــــــى أهــــــــــداف عـــســـكـــريـــة نـوعـيـة فـــي عــمــق مــنــاطــق الــســيــطــرة الـحـكـومـيـة أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بـــالـــكـــامـــل إلـــــى أســــلــــوب حـــــرب الـــعـــصـــابـــات، حــيــث تــعــمــل مــجــمــوعــات صــغــيــرة متنقلة فـي املـنـاطـق الـصـحـراويـة املـمـتـدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي ال تزال توفر مالذًا آمنا نسبيا لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات األميركية على مواقع في تلك املناطق. ويـــمـــثـــل الـــخـــطـــاب اإلعـــــ مـــــي لـتـنـظـيـم «داعـــــــش» الـــــذي بــثــتــه مــؤســســة «الـــفـــرقـــان» لــــ«أبـــو حـذيـفـة األنــــصــــاري»، يـــوم الخميس ، مـحـاولـتـه إلعـــــادة تعريف 2026 فــبــرايــر 5 نفسه كـقـوة «مـقـاومـة شـرعـيـة وحــيــدة» في مــواجــهــة الــنــظــام الـسـيـاسـي الــجــديــد. ومـن خــــ ل تــصــريــحــات األنــــصــــاري ومــــا نـشـرتـه الـصـادر يوم 531 مجلة «الـنـبـأ»، فـي الـعـدد فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل 12 الخميس من سياسة «الترقب واملراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خالل توظيف الخطاب الديني. وكان املتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بـشـكـل مـبـاشـر بـنـيـة الـحـكـم فــي دمــشــق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية املـــدن واملــراكــز الـسـيـاديـة. وركــزت مـجـلـة «الـــنـــبـــأ» فـــي أعــــدادهــــا األخـــيـــرة على مهاجمة حكومة دمـشـق الـجـديـدة، واصفة إيـــاهـــا بــأنــهــا «نــســخــة مــحــدثــة مـــن الــــــردة»، مــــع تـــركـــيـــز خـــــاص عـــلـــى شـــخـــص الــرئــيــس الــســوري أحـمـد الــشــرع الـــذي ال تـــزال املجلة تـعـرّفـه باسمه الـحـركـي الـسـابـق أبــو محمد الجوالني. التشكيك في الكفاءة العسكرية يــــرى الــتــنــظــيــم فـــي تـــحـــول الـــشـــرع من قـــائـــد فــصــيــل جــــهــــادي إلـــــى رجـــــل دولــــــة فـي دمــــشــــق «الــــخــــيــــانــــة الـــعـــظـــمـــى» لـــلـــمـــشـــروع «الجهادي» العاملي. في محاولة الستقطاب العناصر التي ال تزال تلتزم منهج «السلفية الـــجـــهـــاديـــة» داخـــــل «هــيــئــة تــحــريــر الـــشـــام» والـفـصـائـل األخــــرى الـتـي تشعر بـاإلحـبـاط من سياسات االحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومــســؤولــي الـنـظـام الـسـابـق املــســؤولــن عن انتهاكات طالت السوريي خالل فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«املسوغات الـشـرعـيـة» النـضـمـام ســوريــا إلـــى التحالف الــدولــي ملكافحة اإلرهــــاب بـقـيـادة الــواليــات املتحدة. ومــــن خــــ ل تـكـثـيـف عــمــلــيــاتــه أخـــيـــرًا، ومنذ النصف األول من فبراير ثم بدرجة أقل فـي أوائـــل مـــارس، يـبـدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض األمن واالستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الــحــكــومــيــة الــحــديــثــة الــتــشــكــيــل»، مـــحـــاوال فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع فــــي الـــحـــكـــومـــة حـــاجـــة أمـــيـــركـــيـــة الســـتـــمـــرار الـحـرب على التنظيم»، زاعـمـا أنــه يمكن أن يــكــون بـــديـــ مــقــبــوال ال يـــســـاوم عـلـى القيم اإلسالمية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من الئحة التنظيمات اإلرهابية أو السعي لالعتراف الدولي مقابل تنازالت في تطبيق أحكام الشريعة اإلسالمية. الرهان على التناقضات يــــراهــــن الــتــنــظــيــم عـــلـــى «الــتــنــاقــضــات االجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمـــشـــق إلــــى مــنــاطــق كـــانـــت لـــســـنـــوات تحت إدارة ذاتـيـة أو نـفـوذ دولـــي كما كــان الحال في شمال شـرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعـــــمـــــوم الــــشــــمــــال الــــــســــــوري الــــــــذي خــضــع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» املخاوف العشائرية من السياسات املركزية، محاوال تــقــديــم نـفـسـه كـــــ«مــــ ذ» أو «حــلــيــف ســـري» ضـد الـتـجـاوزات األمـنـيـة املفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» وامليليشيات املعارضة في الساحل والـــســـويـــداء يـمـنـح الـتـنـظـيـم مــســاحــة أكـبـر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، ال يــزال «داعـــش» يمتلك القدرة عــلــى «الـــبـــقـــاء» الـــتـــي تـعـتـمـد عــلــى املـــرونـــة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلـى جانب أن التنظيم ال يزال يملك ما يكفي من القدرات املالية إلدامة زخم استمراريته. وتــــتــــمــــثــــل نـــــقـــــاط قــــــــوة الـــتـــنـــظـــيـــم فــي الـ مـركـزيـة املطلقة حيث مُنحت للواليات الـفـرعـيـة بـعـد انـكـفـاء دور الــقــيــادة املـركـزيـة املتمثلة في اللجنة املفوضة وإدارة الواليات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسي الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة النتظار أوامـــــــــر مــــركــــزيــــة قـــــد تـــتـــعـــرض لـــ عـــتـــراض االســـتـــخـــبـــاراتـــي. كـــذلـــك نــجــح الـتـنـظـيـم في إعـــادة إنـشـاء «مـضـافـات مـصـغـرة» وقـواعـد دعـــم فــي مـنـاطـق وعـــرة فــي صــحــراء حمص تــعــرض عـــدد مـنـهـا لـــغـــارات أمـيـركـيـة خـ ل هــــذا الـــعـــام؛ أبـــرزهـــا سـلـسـلـة الــــغــــارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، مـا يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهدًا عسكريا يفوق قدرات الدوريات العادية. 10 وأعــلــنــت الـــواليـــات املــتــحــدة تـنـفـيـذ فبراير، استهدفت 12 و 3 غــارات جوية بي هــدفــا فــي أنــحــاء ســـوريـــا، كـان 30 أكــثــر مــن ملحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة فـــي بـــاديـــة الـسـخـنـة ومــحــيــط حـــقـــول الــغــاز بريف حمص الشرقي، وهـو ما يعيد طرح تـــســـاؤالت ومـــخـــاوف اآلن بــعــد االنــســحــاب األميركي األخير. التجنيد في المخيمات يـركـز «داعــــش» حـالـيـا عـلـى استقطاب «الــجــيــل الـــجـــديـــد» مـــن املـــراهـــقـــن والــشــبــاب الـــذيـــن نـــشـــأوا فـــي مـخـيـمـات الـــنـــزوح أو في ظــــــروف اقـــتـــصـــاديـــة مـــنـــهـــارة. يــعــتــمــد هـــذا الـتـجـنـيـد عـلـى اســتــخــدام مـنـصـات مشفرة وتـطـبـيـقـات حـديـثـة لـلـوصـول إلـــى الـشـبـاب بعيدًا عن أعي الرقابة األمنية. إضافة إلى اســـتـــغـــ ل الـــخـــطـــاب الــطــائــفــي والــســيــاســي لـــتـــعـــزيـــز شــــعــــور املـــجـــتـــمـــعـــات «الـــســـنـــيـــة» بـالـتـهـمـيـش فـــي ظـــل الــــتــــوازنــــات الــجــديــدة بدمشق. فــي املـقـابـل، يــواجــه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير املسبوق بي الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة اإلرهـــــــــاب الــــدولــــيــــة قــــد حــــــرم الـــتـــنـــظـــيـــم مـن ميزة «اللعب على التناقضات» بي القوى الـــدولـــيـــة. كــمــا أن الــجــغــرافــيــا الــصــحــراويــة لــم تـعـد عـامـل دعـــم كـمـا فــي الـسـابـق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والـــطـــائـــرات املــســيّــرة الــتــي تتبعها الــقــوات الحكومية والتحالف. لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة فــي تحقيق االســتــقــرار االقــتــصــادي أو نيل االعــــــتــــــراف الـــشـــعـــبـــي الـــكـــامـــل فــــي املـــنـــاطـــق الـتـي كـانـت تسيطر عليها فـصـائـل أخـــرى. واجــــتــــمــــاعــــيــــا، يـــــحـــــاول «داعــــــــــــش» الـــعـــبـــث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغال حـوادث مثل اعتقال قادة محليي مرتبطي بـالـنـظـام الـسـابـق أو الــنــزاعــات عـلـى املـــوارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد. تغير ميزان «المبادرة الميدانية» مــنــذ حــمــلــة «الــتــطــهــيــر األمــــنــــي» الـتـي أعـلـنـتـهـا وزارة الــداخــلــيــة الــســوريــة أواخـــر فـبـرايـر بالتنسيق مــع وحــــدات مــن الجيش الــــســــوري، تــغــيّــر مـــيـــزان املــــبــــادرة املـيـدانـيـة بــشــكــل مـــلـــحـــوظ. شــمــلــت الــحــمــلــة عـمـلـيـات تـمـشـيـط واســـعـــة فـــي ريــــف حـــمـــاة الــشــرقــي والــبــاديــة الــوســطــى، إضــافــة إلـــى مـداهـمـات فـي محيط حلب والـسـاحـل الــســوري. خالل األســبــوع األول مـن مـــارس، أعلنت األجـهـزة األمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثالث خاليا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربـكـت قـنـوات االتصال بي مراكزه امليدانية والقيادات العليا. ومـــــع حـــلـــول مــنــتــصــف مـــــــارس، بــــدأت تــظــهــر مــــؤشــــرات «االنـــحـــســـار الـعـمـلـيـاتـي» بــــــوضــــــوح؛ إذ تــــراجــــعــــت الــــهــــجــــمــــات إلــــى .2024 مستويات لم تُسجّل منذ أواخـر عام فـي تلك املـرحـلـة، رصــدت املـصـادر امليدانية انــتــقــال بـعـض املـجـمـوعـات الـصـغـيـرة نحو املــنــاطــق الــريــفــيــة عــلــى أطـــــراف الـــرقـــة وديـــر الــزور، في محاولة إلعــادة التموضع بعيدًا عـن الضغط األمـنـي املتصاعد. فـي املقابل، تـكـشـف تــقــاريــر مـحـلـيـة عـــن لــجــوء عـــدد من عناصر التنظيم إلــى طلب «تـسـويـات» مع الـــســـلـــطـــات الــــســــوريــــة تـــحـــت ضـــغـــط نـقـص الـتـمـويـل وشـــح املــــــوارد الــغــذائــيــة والـطـبـيـة داخل الجيوب املتبقية. البحث عن «بيئة حاضنة» ويــــشــــيــــر الـــــبـــــاحـــــث زيــــــــن الــــعــــابــــديــــن الــعــكــيــدي، وهــــو مـــن أبـــنـــاء مــنــاطــق شــرق الـــــفـــــرات، إلـــــى أن «(داعـــــــــش) كـــــان يـسـتـغـل سابقا تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم املناطق التي بقيت تحت سيطرة (قـــســـد) بــعــد االتـــفـــاق األخـــيـــر هـــي مـنـاطـق كردية بالكامل تقريبا، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى. ويـــــؤكـــــد الــــعــــكــــيــــدي أن هــــنــــاك إقــــبــــاال مـــلـــحـــوظـــا عــــلــــى االنـــــضـــــمـــــام إلـــــــى صـــفـــوف التنظيم، واصـفـا ذلــك بـاألمـر الخطير، رغم امتالك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خاليا «داعش». ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الـــــذي يــضــم عـــائـــ ت الــتــنــظــيــم، إلــــى جـانـب ســيــطــرة الــحــكــومــة عــلــى شــــرق الــــفــــرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعـــش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد املتعاطفي معه». لــكــنــه يـــشـــدّد عــلــى أن وضــــع الــجــزيــرة السورية «صعب جـدًا من الناحية األمنية، مــــع صـــعـــوبـــة الـــعـــيـــش، وســـــــوء الـــخـــدمـــات، وانـتـشـار تـجـارة املــخــدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم». ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعـــش» ذكـرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مــــشــــروط بــتــوقــف هــجــمــات الـتـنـظـيـم ضد الحكومة السورية». أما العقيد في الجيش السوري محمد الـعـامـر، فـقـال لــ«الـشـرق األوســــط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صــ ت مـع التنظيم، وعملت «كوسيط بي القوات السورية وبعض العناصر إلقناعهم بــتــرك الـتـنـظـيـم بـعـد إخـضـاعـهـم ملـراجـعـات فكرية». وأوضـــح أن بعض هـــؤالء وُضــعــوا في الــســجــون، فـيـمـا يـخـضـع آخــــرون للمراقبة، وقــــال: «نـسـتـخـدم كــل الــطــرق إلنــهــاء وجــود (داعـــش) فـي سـوريـا، وال سيما عبر العمل األمــــنــــي واالســـتـــخـــبـــاراتـــي، وضــــــرب خــ يــا التنظيم وتفكيكها». قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم ويــبــدو أنـــه مهما بـذلـت الـسـلـطـات من جـــهـــود فــــإن قـــــدرة «داعـــــــش» عــلــى «إزعــــــاج» دمـشـق، ولــو بالحد األدنــــى، ستظل قائمة. وال يـطـمـح الـتـنـظـيـم حـالـيـا لـلـسـيـطـرة على األرض كــمــا فـــي الـــســـابـــق، بـــقـــدر مـــا يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسيا وأمنيا. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فــرض السيطرة على قــرى أو مــدن أو حتى الــدخــول فــي اشـتـبـاكـات واســعــة مــع الـقـوات األمنية. والــــ فــــت أن الــهــجــمــات املـــحـــدودة الـــتـــي نُـــــفّـــــذت خـــــ ل األســـــبـــــوع األخـــيـــر مـن مـــارس، جـــاءت أقـــرب إلــى األسـلـوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت بـاسـتـهـداف دوريــــات صغيرة أو نقاط مــــهــــجــــورة فـــــي أطــــــــــراف الـــــبـــــاديـــــة، مــا يعكس تـراجـع الـقـدرة التنظيمية على التخطيط املتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الـوجـود الـرمـزي أكثر مـن السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة. االختباء وإعادة البناء وحــتــى الــخــامــس مـــن أبـــريـــل (نـيـسـان) الــحــالــي، تـشـيـر املـعـطـيـات إلـــى أن التنظيم دخــــل فـــي مــرحــلــة «الـــكـــمـــون»، املـتـمـثـلـة في االنــســحــاب الـجـزئـي مــن خــطــوط املـواجـهـة، وإعـــــادة تـرتـيـب الــقــيــادة وتـقـيـيـم الـخـيـارات املستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه املرحلة تمهيدًا لسياسة يمكن تسميتها «االختباء وإعــــادة الـبـنـاء»، ويعتمدها التنظيم عــادة عـقـب خـسـائـر كــبــيــرة، كـمـا فـــي الـــعـــراق عـام ، ريـــثـــمـــا يـــجـــد ثـــــغـــــرات جـــــديـــــدة فـي 2007 املنظومة األمنية. ويــــرى مـــراقـــبـــون أن اســـتـــمـــرار تــراجــع املـسـتـوى املعيشي وارتــفــاع أسـعـار السلع االســتــهــ كــيــة والـــخـــدمـــات األســـاســـيـــة، قد يـعـزز مــن إمـكـانـيـة اسـتـغـ ل التنظيم هـذا الواقع ملزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نـــجـــاح حـــكـــومـــة دمـــشـــق فــــي بـــنـــاء «جــيــش وطـــنـــي» مـــوحـــد ودمـــــج الــفــصــائــل وحـصـر الـــســـ ح بــيــد الـــدولـــة والــســيــطــرة عـلـيـه قد يسحب الـبـسـاط مـن تحت أقـــدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فال شك «هـالـة 2026 أن تـنـظـيـم «داعــــــش» فـقـد فـــي الــتــمــكــن» لـكـنـه لـــم يـفـقـد «إرادة الــقــتــال»، ولـــيـــس هـــجـــومـــه عـــلـــى الـــرئـــيـــس الـــســـوري وحكومة دمشق إال اعترافا ضمنيا بخطر الدولة الجديدة على وجوده. اختبار مزدوج وفــــي املــحــصــلــة، يـــبـــدو أن االنــخــفــاض النسبي في نشاط التنظيم ال يمكن تفسيره بــعــامــل واحـــــد فـــقـــط، بـــل هـــو نـــتـــاج تـراكـمـي لـجـمـلـة مـــن املــتــغــيــرات األمـــنـــيـــة واملــيــدانــيــة واالقتصادية التي تقاطعت لترسم مالمح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة املكثفة التي شنتها القوى األمنية السورية أحدثت خـــلـــ أكـــيـــدًا فـــي بـنـيـة الـتـنـظـيـم الــداخــلــيــة، وأجــــبــــرتــــه عـــلـــى االنــــســــحــــاب الــــجــــزئــــي مـن بعض مناطق نــفــوذه، لكن هــذا االنسحاب ال يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضا بظهور مؤشرات على إعـادة الترتيب الـــداخـــلـــي، وتـــراجـــع االعــتــمــاد عـلـى أسـلـوب الهجمات التقليدية املباشرة. فــــي املـــقـــابـــل، تــشــيــر بـــعـــض املــــؤشــــرات امليدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماما قدرته عـلـى الـتـكـيّــف؛ إذ ال تـــزال خــ يــاه الصغيرة نشطة في أطــراف البادية ومناطق التماس بــن ديـــر الــــزور والـــرقـــة. مـثـل هـــذه املــؤشــرات قد توحي بأن املرحلة الحالية تمثل انتقاال مـــؤقـــتـــا يـــعـــيـــد مــــن خــــ لــــه تــقــيــيــم خـــيـــاراتـــه وتــــوجــــيــــه جـــــهـــــوده إلعـــــــــادة بــــنــــاء شــبــكــاتــه الداخلية بعيدًا عن املالحقة املباشرة. فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعـش» اعـــتـــاد اســتــغــ ل فـــتـــرات االنـــكـــمـــاش إلعــــادة الـتـمـوضـع واالســتــفــادة مــن أي اضـطـرابـات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف اإلقليمية املــحــيــطــة قـــد تـتـيـح لـــه إعــــــادة فــتــح خـطـوط اإلمــــداد أو الـتـواصـل مـع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجيا. ضمن هـذا اإلطـــار، تبدو املرحلة املقبلة اخـــتـــبـــارًا حــقــيــقــيــا لــــقــــدرة األجــــهــــزة األمــنــيــة السورية على الحفاظ على املكاسب امليدانية الـــتـــي حــقــقــتــهــا مـــنـــذ فـــبـــرايـــر املــــاضــــي، ومـــن جــهــة أخــــرى اخـــتـــبـــارًا لـــقـــدرة الـتـنـظـيـم نفسه على الـصـمـود أمـــام الـضـغـوط املـتـعـددة التي يتعرض لـهـا. فـإمّــا أن يـواصـل حـالـة الكمون ويتحول تدريجيا إلى كيان هامشي محدود الـتـأثـيـر، أو أن يُــعـيـد الـظـهـور بشكل متقطع عـبـر عمليات نـوعـيـة صـغـيـرة تـهـدف إلعـــادة إثـــبـــات الــحــضــور دون الـــدخـــول فـــي مـواجـهـة مفتوحة. وفي كلتا الحالتي، تشير املعطيات الــحــالــيــة إلــــى أن األشـــهـــر الـــقـــادمـــة سـتـشـكّــل مــرحــلــة مـفـصـلـيـة فـــي رســــم طـبـيـعـة الـتـهـديـد األمني في شمال ووسـط سـوريـا، بما يحدد مالمح املواجهة القادمة بي الدولة والتنظيم. * صحافي سوري تـشـكـل األشـــهـــر الــقــادمــة مـرحـلـة مفصلية فـــي رسـم طبيعة الـتـهـديـد األمــنــي فــي شـمـال ووســـط ســـوريـــا، بما يحدد مالمح املواجهة القادمة بني الدولة وأجهزتها األمنية وتنظيم «داعش». ومنذ مطلع العام الحالي انتقلت سوريا مـــن مـرحـلـة االضـــطـــرابـــات الــداخــلــيــة، ســــواء فـــي الـشـمـال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلـى مرحلة هدوء نسبي ومحاوالت فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تــجــسَّــدت مـ مـحـهـا بـشـكـل أســـاســـي فـــي املــلــف األمــنــي واالتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحوالت وضعتها أمـام سـبـاق غير معلن مـع تنظيم «داعـــش» فـي أكـثـر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امـتـداد سوريا. فـقـد بـــرز تنظيم «داعـــــش» أخــيــرًا كـعـامـل عـــدم اسـتـقـرار يسعى الستعادة موطئ قدم له عبر استغالل حالة عدم السيطرة األمنية بشكل كامل، كما أنه ال يـزال يجد بيئة آيـديـولـوجـيـة ومـيـدانـيـة يسعى السـتـغـ لـهـا عـبـر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) املاضي، وتراجعت إلى حد ما في األسبوع ًاألول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيرًا. تجنيد في المخيمات ولعب على التناقضات سياسيا وأمنيا *سلطان الكنج (أ.ف.ب) 2019 نقل عائالت تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==