issue17313

Issue 17313 - العدد Thursday - 2026/4/23 اخلميس كتب BOOKS 17 باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ أنجز باحث سعودي دراســة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثًا عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بني علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية املـعـرفـيـة، ويُــعــد هـــذا الـكـتـاب األول مــن نــوعــه باللغة العربية الــذي يتناول دراســـة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ. يقول مؤلف الكتاب العميد الـدكـتـور عــادل عبد الـرحـمـن الـعـيـد لـــ«الــشــرق األوســـــط»: «شــهــدت أنظمة السمات الحيوية تطورًا كبيرًا خالل العقود األخيرة، وأصبحت إحدى الركائز األساسية في أنظمة التحقق مـــن الـــهـــويـــة واألمــــــن الـــرقـــمـــي فـــي الـــعـــالـــم، واعــتــمــدت على خصائص فـريـدة أودعــهــا الـلـه فـي اإلنــســان مثل بـصـمـات األصـــابـــع، وبـصـمـة قـزحـيـة الـــعـــ ، ومـ مـح الـوجـه، وبصمة الـصـوت، وبصمة الحمض الـنـووي. وقــــــد أســـهـــمـــت هــــــذه األنـــظـــمـــة فــــي تـــعـــزيـــز األمـــــــن فـي املطارات واملنافذ الحدودية واألنظمة املصرفية، وفي الجامعات ومـراكـز األبـحـاث واملستشفيات واملنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء االصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد الــســمــات الــبــيــولــوجــيــة، كــشــف عـــن تــحــديــات جــديــدة تتعلق بموثوقية بعض هـذه األنظمة. وقـد دفـع ذلك العلماء إلـى البحث عـن جيل أكثر تقدمًا مـن تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكـثـر عمقًا وأصـالـة، وهــو مـا أدى إلــى ظـهـور مـجـاالت الـسـمـات العصبية، الـتـي تعتمد على الـنـشـاط العصبي لـلـدمـاغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد اإلنساني». ويذكر املؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بـصـمـة الـــدمـــاغ الـــتـــي تـعـتـمـد عــلــى تـسـجـيـل الـنـشـاط الـــكـــهـــربـــائـــي لـــلـــدمـــاغ بـــاســـتـــخـــدام تــخــطــيــط الــــدمــــاغ الــكــهــربــائــي وتــحــلــيــل مـــوجـــات االســتــجــابــة املـعـرفـيـة املـــرتـــبـــطـــة بــــالــــذاكــــرة، وعـــلـــى رأســــهــــا مـــوجـــة الــتــعــرف التي تظهر تلقائيًا عندما يتعرف الدماغ على P300 مـعـلـومـات مـخـزنـة مسبقًا فــي الـــذاكـــرة. وتـكـشـف هـذه االستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الـــدمـــاغ يـحـمـل تـوقـيـعـ مـعـرفـيـ فـــريـــدًا يـعـكـس ما يعرفه اإلنسان وما يختزنه في ذاكرته». والكتاب يقدم، كما يضيف املؤلف، عرضًا علميًا لـتـطـور أنـظـمـة الـسـمـات الـحـيـويـة عـبـر الــتــاريــخ، بــدءًا مـن االسـتـخـدامـات املـبـكـرة للبصمات فـي الـحـضـارات الــقــديــمــة، مـــــرورًا بــتــطــور عــلــم بــصــمــات األصـــابـــع في الـــقـــرن الــتــاســع عــشــر، وصـــــوال إلـــى األنــظــمــة الـرقـمـيـة الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء االصطناعي. ويبرز الكتاب الـدور السعودي املتقدم في تبني وتـــطـــويـــر تــقــنــيــات الـــســـمـــات الـــحـــيـــويـــة، حـــيـــث كــانــت الــســعــوديــة مـــن الـــــدول الــــرائــــدة فـــي املـنـطـقـة فـــي بـنـاء مـنـظـومـات تـحـقـق بـيـومـتـريـة مـتـقـدمـة ضـمـن البنية األمـنـيـة والـتـحـول الـرقـمـي. فقد شـهـدت اململكة خالل الـــعـــقـــود املـــاضـــيـــة تــــطــــورًا كـــبـــيـــرًا فــــي تــطــبــيــق أنـظـمـة الهوية والبصمة مـن خـ ل مركز املعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات الـبـيـومـتـريـة فــي أنـظـمـة األحـــــوال املـدنـيـة والـــجـــوازات واملــنــافــذ الـــحـــدوديـــة والـــخـــدمـــات الـحـكـومـيـة الـرقـمـيـة األخــــرى، بـمـا يـتـوافـق مــع مستهدفات «رؤيــــة اململكة .»2030 وأشـــــار الــعــيــد إلــــى أن الــكــتــاب يــنــاقــش األســـس العصبية واإلدراكــيــة لتقنية بصمة الــدمــاغ، ويشرح الـبـنـيـة الـوظـيـفـيـة لـلـدمـاغ وآلـــيـــات الـــذاكـــرة واالنـتـبـاه املــرتــبــطــة بـتـولـيـد اإلشـــــــارات الـعـصـبـيـة، إضـــافـــة إلــى تحليل التطبيقات املحتملة لهذه التقنية في مجاالت التحقيق الجنائي واألمـــن والتحقق مـن املعلومات. ويتناول كذلك األبعاد القانونية واألخالقية املرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكدًا ضرورة تحقيق الـــتـــوازن بــ متطلبات األمـــن وحـمـايـة الخصوصية والكرامة اإلنسانية. ويـــخـــلـــص إلـــــى أن تــقــنــيــة بــصــمــة الــــدمــــاغ تـمـثـل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق مـن السمات الجسدية الظاهرة إلـــى الـخـصـائـص املـعـرفـيـة العصبية املـرتـبـطـة بـذاكـرة اإلنسان. كما يشير إلى أن التكامل املستقبلي بني علوم األعــصــاب والـــذكـــاء االصـطـنـاعـي قــد يسهم فــي تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحـــد أهـــم االتــجــاهــات العلمية فــي مستقبل األمن والتحقق من الهوية. وبـذلـك يسعى الـكـتـاب إلــى تقديم مـرجـع علمي عربي يجمع بني العلم الحديث والتأمل في اإلعجاز اإللهي في خلق اإلنـسـان، ويواكب التطورات العاملية فــــي مــــجــــال الـــســـمـــات الــعــصــبــيــة وتـــقـــنـــيـــات الــتــحــقــق املـتـقـدمـة، مـع إبـــراز الـــدور املتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات. هــــذا الـــكـــتـــاب هـــو الــــســــادس لــلــدكــتــور الـــعـــيـــد، إذ سبق أن أنجز كتبًا عـن الحاسب فـي علم البصمات، واألنـظـمـة اآللـيـة فـي القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات مــن التطبيقات الـعـمـلـيـة، وتــطــور الـتـعـرف والتحقق مــن الشخصية بـالـبـطـاقـة الـشـخـصـيـة، والـتـحـقـق من الشخصية في العصر الرقمي. الرياض: بدر الخريف وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام فــي عـهـد قــائــد مسيرتنا خــــادم الـحـرمـ الـــشـــريـــفـــ املـــلـــك ســـلـــمـــان بــــن عـــبـــد الـــعـــزيـــز آل ســـعـــود، وعـــضـــده األمـــيـــر مـحـمـد بـــن سـلـمـان، ولــــي الــعــهــد، رئـــيـــس مـجـلـس الــــــــوزراء، تـشـكَّــل مسار جديد للثقافة في اململكة بوصفه جزءًا أصيال من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الــثــقــافــة داخـــــل الــــدولــــة. ودخـــــل ضــمــن صميم مشروع وطني يرسخ بناء االقتصاد واملجتمع » هــذا 2030 والـــهـــويـــة مــعــ؛ إذ حـــــدَّدت «رؤيـــــة املــســار بــوضــوح، حــ ربـطـت الـثـقـافـة بـجـودة الـــحـــيـــاة، وبـــاالقـــتـــصـــاد، وبــصــنــاعــة الـــصـــورة الــدولــيــة للمملكة. ومـــن هـنـا بـــدأ االنــتــقــال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع. ضـمـن هـــذا اإلطــــار؛ عَــمـلَــت وزارة الثقافة بــقــيــادة األمـــيـــر بـــدر بـــن عـبـد الــلــه بـــن فــرحــان، فــنــجــحــت فــــي تــــحــــول هــــــذا املــــلــــف مــــن الـــطـــرح العام إلى التنفيذ املنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من املكتبات واألدب إلى املوسيقى إلى األفالم إلى التراث. هذا التقسيم لـــم يـكـن تنظيميًا فــقــط؛ بـــل مـهـنـيـ. كـــل هيئة تحمل مسارًا واضحًا، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفـــق مـــؤشـــرات أداء. بــهــذه الــخــطــوة، انتقلت الـثــقـافـة مـــن خــطــاب جــامــع عــــام إلــــى قـطـاعـات إنتاجية محددة. تـــغـــيَّـــر الـــــســـــؤال فـــعـــلـــيـــ ، ولـــــم يــــعــــد: مــــاذا ســــنــــعــــرض؟ بــــــل: مـــــــاذا ســـنـــبـــنـــي؟ الـــــفـــــرق بـ الــســؤالــ هـــو الـــفـــرق بـــ حــــدث يـنـتـهـي وأثـــر يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات االبـــــتـــــعـــــاث الــــثــــقــــافــــي، وحـــــاضـــــنـــــات األعــــمــــال اإلبـــــداعـــــيـــــة. دخــــلــــت الــــجــــامــــعــــات، وارتـــبـــطـــت بــــالــــســــوق، وبـــــــــدأت املــــهــــن الـــثـــقـــافـــيـــة تـتـشـكـل كخيارات عمل مستقرة ال كهوايات مؤقتة. لـــــم تــــــــأت اإلنــــــــجــــــــازات مـــنـــفـــصـــلـــة؛ ولـــكـــن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطــــــ ق االســـتـــراتـــيـــجـــيـــات الـــقـــطـــاعـــيـــة؛ تـمـكـ املستثمرين؛ تـوسـيـع الــشــراكــات الــدولــيــة؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح املشروع تماسكه. فـــي مــلــف الـــصـــنـــاعـــات الــثــقــافــيــة؛ حــدث التحول األوضـــح: النشر، السينما، األزيـــاء، الـتـصـمـيـم، واملـوسـيـقـى تـحـولـت إلـــى أنشطة اقتصادية لها سالسل قيمة واضحة. صدرت تـراخـيـص، ودخـلـت شــركــات، وبـــدأت السوق تــتــشــكــل. فـــي قـــطـــاع األفــــــ م مـــثـــ ً، تـضـاعـف اإلنتاج املحلي خالل سنوات قليلة، وظهرت دور عـــــرض، وارتـــفـــع حــجــم اإليـــــــــرادات. هــذه مؤشرات سوق، ال مظاهر احتفالية. أمـــــا الـــــتـــــراث؛ فـــخـــرج مــــن دائـــــــرة الـحـفـظ إلـــى دائــــرة الـتـشـغـيـل. مـــبـــادرات، مـثـل: ترميم الـبـلـدات الـتـراثـيـة أعــــادت تـوظـيـف املــكــان. في جدة التاريخية والعال وقرى عسير، ومؤخرًا وليس أخيرًا إطـ ق املشروع الواعد بمشيئة الـلـه (قـريـة ســـدوس التاريخية) بـهـدف عـودة النشاط االقتصادي إلى األحياء القديمة؛ حيث فُــتـحـت وسـتُــفـتـح مـشـاريـع ضـيـافـة، ونشطت حــرف مهمة، وارتـفـعـت حـركـة الـــــزوار. الـتـراث هنا أصبح أصـ منتجًا. هـذا التحول يحقق مــعــادلــة واضـــحـــة: حـمـايـة الــهــويــة مـــع توليد دخل. ومـــؤخـــرًا كــــان لـــي شــــرف حـــضـــور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي األخير، بوصفه مـحـطـة عــمــل. كــانــت الــنــقــاشــات فـيـه مـبـاشـرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، واالستدامة، وقــــيــــاس األثـــــــر. طُــــرحــــت تــــجــــارب واقـــعـــيـــة مـن جــمــعــيــات ومـــؤســـســـات اســـتـــطـــاعـــت االنـــتـــقـــال مــن االعــتــمــاد عـلـى الــدعــم إلـــى بـنـاء مـــواردهـــا. وبــــــرز تـــوجـــه واضــــــح نـــحـــو الـــحـــوكـــمـــة، ورفــــع كـفـايـة اإلدارة، وربــــط الـتـمـويـل بـالـنـتـائـج. ما مـيَّــز امللتقى هـو وضـــوح الـلـغـة. لـم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بــــأدوات عملية. هــــذا املــســتــوى مـــن الـــطـــرح يـعـكـس نـضـجـ في الــقــطــاع، ويـــؤكـــد أن املــرحــلــة الـحـالـيـة تتطلب كفاية تشغيل. وفـــي هـــذا الـسـيـاق، وضـعـت كلمة الـوزيـر اإلطـــار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة األساسية كانت حاسمة. ال مكان لكيان ثقافي بال نموذج عمل وال مــؤشــرات أداء. الــدعــم مــشــروط بالنتائج: النماء واألثر، ولن يكون مفتوحًا. هذا التوجه الـــرشـــيـــد يـــدفـــع الــجــمــعــيــات إلـــــى إعـــــــادة بــنــاء نــفــســهــا. ويــســهــم فـــي ظـــهـــور هــيــاكــل إداريــــــة، وخـطـط تشغيل، وشــراكــات تـمـويـل. مـن التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع! إعــادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر املرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح باالسم وال الــتــاريــخ؛ بــل بـــاألثـــر: كــم مـشـروعـ استمر سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّــرت؟ كم 3 أكثر من برنامجًا درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه املـعـايـيـر أصـبـحـت املـــرجـــع. هـــذا الــتــحــول -بـ شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة. الـــحـــضـــور الـــثـــقـــافـــي الــــخــــارجــــي لــــم يـعـد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. املنتج الـسـعـودي بــدأ يصل بوصفه محتوى منافسًا، ال تمثيال رمزيًا. وقد تغيَّرت العالقة بني الدولة واملجتمع أيـضـ بعدما حـــدَّدت الــدولــة بوصلة االتـجـاه، ووضـعـت األنـظـمـة، ووفـــرت املمكنات؛ تمهيدًا لـدخـول املجتمع شريكًا فـي اإلنـتـاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي مـــن األثــــر االجــتــمــاعــي. هـــذا الــتــوزيــع لــــأدوار سيخلق تــوازنــ تشغيليًا؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة. هذه اللغة الجديدة ستفرض االنضباط، وتحول دون استمرار املشروع الـذي ال يقيس أثــــره. بـهـذا املـعـنـى، تصبح الـثـقـافـة أداة بناء ونــــمــــاء ال عـــنـــصـــر تــــزيــــ . تـــخـــلـــق مــــزيــــدًا مـن الوظائف، وتطور مزيدًا من املهارات، وتجذب كـثـيـرًا مـــن االســـتـــثـــمـــارات. وفـــي الـــوقـــت نفسه، تعيد صياغة الـعـ قـة مـع الـهـويـة مـــوردًا حيًا يدخل في االقتصاد والحياة اليومية. وفي يقيني أن املرحلة املقبلة ستدفع نحو تعميق هذا املسار، وزيادة مساهمة القطاع في الـنـاتـج املـحـلـي، وتـوسـيـع الـتـصـديـر الثقافي، ورفـــع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور املدن الصغيرة في املشهد الثقافي. بـــهـــذا االتــــســــاق؛ يـمـكـن قــــــراءة مـــا يـحـدث بوصفه انتقاال مكتمل األركـــان: فكرة تتحول إلـى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثـــرًا، أثـر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة. *املشرف العام على مكتبة امللك عبد العزيز العامة *فيصل بن عبد الرحمن بن معمر منذ «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر إلى عصرنا الحالي المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية لـيـسـت املـــفـــاوضـــات مـــهـــارة يتقنها املــــديــــرون الــتــنــفــيــذيــون بـيـنـمـا يــعــقــدون صـــفـــقـــاتـــهـــم فـــحـــســـب، وال هــــي مـــمـــارســـة غــامــضــة حـــكـــرًا عــلــى الــدبــلــومــاســيــ في أروقــة األمـم املتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل اإلنساني األقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فـيـهـا أول كــائــنــ مـــن نــوعــنــا أن الـبـقـاء يمكن تحققه بغير الـصـراع حتى املــوت، عبر التفاوض على املـــوارد، واملساحات، والسالم. تـــشـــتـــق كـــلـــمـــة مــــفــــاوضــــات بــالــلــغــة ) مـــن الــجــذر Negotiation( اإلنــجــلــيــزيــة »، الـتـي تعني Negare Otium« الـ تـيـنـي حرفيًا «نفي الـراحـة» أو «حـرمـان النفس مــــن الــــــفــــــراغ». وهــــــذا الـــتـــعـــريـــف الــلــغــوي يـــخـــتـــصـــر حــــكــــايــــة تــــاريــــخــــنــــا الــــبــــشــــري: املفاوضات هي ضريبة العيش املشترك: عــمــلــيــة ذهـــنـــيـــة شـــاقـــة تــتــطــلــب الـتـخـلـي عـــن «الــــراحــــة» (الـــتـــي قـــد تـعـنـي الـتـمـسـك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة. لـكـن ملــــاذا نــتــفــاوض أصـــــ ً؟ يـجـادل عـــــالـــــم االجـــــتـــــمـــــاع جـــــونـــــاثـــــان غـــــودمـــــان في كتابه «منافسون Jonathan Goodman Invisible Rivals: How We خـــفـــيـــون Evolved to Compete in a Cooperative » بأننا لسنا «مالئكة» متعاونني World بالفطرة، وال «أشــــرارًا» أنانيني بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هــــذه «الـــفـــرصـــة» القــتــنــاص مــكــســب دون تكلفة هي املحرك الخفي لكل صراعاتنا وتــــوافــــقــــاتــــنــــا. ومـــــــن هــــنــــا، فـــــــإن تــــاريــــخ املـــــفـــــاوضـــــات هـــــو فـــــي الـــحـــقـــيـــقـــة تـــاريـــخ محاولتنا املستمرة للسيطرة على هذه النزعة االنتهازية، واملقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة. فـي العصور السحيقة، لـم يكن ثمة «مـــفـــاوض» مـحـتـرف، بــل بـشـر يطمحون للنجاة. حـ بـــادل اإلنــســان األول قطعة لــحــم بحفنة مــن الــحــبــوب، لــم يـكـن يقوم بـعـمـلـيـة اقــتــصــاديــة فــحــســب، بـــل يُــجــري أول تجربة في «نظرية األلعاب» لحساب احتماالت الربح والخسارة. يرى روبرت فــــي كـتـابـه Robert Axelrod أكـــســـلـــرود The Evolution of( » «تــــطــــور الــــتــــعــــاون )، أن تـلـك املـــبـــادالت األولـــى Cooperation كـــــانـــــت ضـــــــروريـــــــة إلنــــــشــــــاء مــــــا نــســمــيــه «املعاملة باملثل». لقد تحتم على البشر إدراك أن الـــتـــعـــاون هــــو االســتــراتــيــجــيــة األكـــثـــر نــجــاحــ فـــي األمــــد الـــطـــويـــل، ليس بــوصــفــنــا «خــــيّــــريــــن بـــالـــفـــطـــرة»، بــــل ألن «الدماغ االجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف اآلخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟ ومـــــع تـــطـــور املـــجـــتـــمـــعـــات، تــحــولــت هذه املقايضات من التلقائية إلى هياكل مـؤسـسـيـة (قـــوانـــ ، عــقــود، أعــــــراف). في بــــ د مـــا بـــ الــنــهــريــن ومـــصـــر الـقـديـمـة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي ملـنـع األفــــــــراد مــــن اســـتـــغـــ ل بـعـضـهـم البعض، ونقل املجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد. تــــطــــور األمـــــــر وصــــــــوال إلــــــى «صــلــح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضــع الـقـواعـد األسـاسـيـة للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت املفاوضات هي اللغة الـوحـيـدة املـعـتـرف بها بـ الـــدول، وغــــدا الــتــنــازل املــتــبــادل هـــو الـثـمـن الـــذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعليًا تاريخ لالتفاقات الـتـي تـم الـتـوصـل إلـيـهـا، والــحــروب التي اندلعت حني فشلت هذه املفاوضات. بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائـــــمـــــ . فـــحـــ تـــنـــهـــار الـــثـــقـــة أو تـتـفـاقـم الــطــمــوحــات بـــالـــربـــح، تـنـكـشـف هـشـاشـة تـلـك الــقــواعــد، ويـعـلـو صـــوت الــقــوة فـوق الــــحــــق. وعـــلـــى املــــســــرح الــجــيــوســيــاســي، تتخذ تـمـظـهـرات أكـثـر تـعـقـيـدًا. خــذ على ســـبـــيـــل املـــــثـــــال الـــــتـــــوتـــــرات األحـــــــــدث بـ الواليات املتحدة وإيران عندما ال تقتصر املــــفــــاوضــــات عـــلـــى الــــطــــاولــــة املـــســـتـــديـــرة فـــي إســــ م آبـــــاد؛ بـــل تــتــجــاوزهــا لتشمل الـــعـــقـــوبـــات االقــــتــــصــــاديــــة، والـــتـــحـــركـــات الـــــعـــــســـــكـــــريـــــة، والــــــــرســــــــائــــــــل املــــبــــطــــنــــة، والــــدبــــلــــومــــاســــيــــة الـــخـــلـــفـــيـــة. وفــــــي هـــذه الـــبـــيـــئـــات، ال نــلــجــأ فــقــط إلــــى الـعـقـ نـيـة االقــــتــــصــــاديــــة، بـــــل نــــدخــــل فـــــي مـــتـــاهـــات عـلـم الـنـفـس الــســيــاســي، حـيـث تُــسـتـخـدم اســتــراتــيــجــيــات قـــد تـــبـــدو غــيــر منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية. فـــــــــــــــي خــــــــــضــــــــــم هـــــــــــــــــــذا الــــــــــــصــــــــــــراع الـــجـــيـــوســـيـــاســـي، اســــتــــعــــادت الــصــحــف مصطلحًا تاريخيًا مثيرًا للجدل: «نظرية ) في Madman Theory( » الـرجـل املـجـنـون املـــفـــاوضـــات الـــتـــي صــاغــهــا الــحــائــز على Thomas جــائــزة نـوبـل تــومــاس شيلينغ فـــــي كـــتـــابـــه «اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة Schelling .)The Strategy of Conflict( » الــــصــــراع وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الـــرئـــيـــس األمـــيـــركـــي ريـــتـــشـــارد نـيـكـسـون ومستشاره هنري كيسنجر خالل الحرب الــــبــــاردة - عــلــى فــكــرة أن يــقــوم املــفــاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقالني» تجاه الـــخـــصـــم، إلقـــنـــاعـــه بـــــأن لـــديـــه اســـتـــعـــدادًا للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة. الهدف من هذا الجنون املوجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عاملنا املعاصر، ومع التداخل الكبير فــي شـبـكـات املـصـالـح الـعـاملـيـة، أصبحت هــــذه االســتــراتــيــجــيــة ســـ حـــ ذا حــديــن. فاملفاوضات الـيـوم تتطلب «بـنـاء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل املجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد األطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الـــــذي ال تـحـمـد عـــقـــبـــاه. هـــل ال يـــــزال هــذا النهج صالحًا اليوم؟ ربما في التكتيكات قــصــيــرة األمـــــد، لـكـنـه بـالـتـأكـيـد ال يبني استقرارًا طويل األمد. وإذا كــــــــــان أكـــــــســـــــلـــــــرود يــــــــــرى فـــي املـــفـــاوضـــات أداة لتثبيت الـــتـــعـــاون، فـإن شـيـلـيـنـغ يـــريـــنـــا جــانــبــهــا املـــظـــلـــم، حـيـث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة اآلخر) لقلب الطاولة. هـذا االنتقال من التعاون إلــى الترهيب يعكس التحدي الـدائـم في عاملنا: كيف نحمي أنفسنا من «املنافس الـخـفـي» الـــذي قـد يستغل غـيـاب القواعد لفرض إرادته؟ بسبب هـذا التذبذب التاريخي بني الـتـعـاون والـــصـــدام، سعت مـــدارس الفكر الـــحـــديـــث لـــتـــقـــديـــم نـــهـــج بــــديــــل. الـــكـــتـــاب األكـثـر تـأثـيـرًا فـي هــذا املــجــال، «الـوصـول ) للباحثني Getting to Yes( » إلــــى نـــعـــم في مشروع هـارفـارد للمفاوضات روجر Roger Fisher &( فـيـشـر وويــلــيــام أوري )، أحدث قطيعة معرفية مع William Ury فكرة املفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزمــيــلــه إلــــى «املـــفـــاوضـــات الــقــائــمــة على املـــبـــادئ»، أي عـــزل املـشـاعـر عــن املشكلة، والـبـحـث عــن تـوسـيـع قــالــب الـكـعـكـة بــدال مـن تناهش قطع منها. إن هـذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «املنافس الـــخـــفـــي» داخــــلــــنــــا، وتـــحـــويـــلـــه مــــن كــائــن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهــار شريكه. الــيــوم، نقف أمـــام منعطف تاريخي يــضــع هــــذه املـــبـــادئ عــلــى املـــحـــك: الـــذكـــاء االصـــطـــنـــاعـــي. فـــهـــذا الـــتـــطـــور األحــــــدث ال يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فـضـاء «الـفـرصـة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «املنافسني الــــخــــفــــيــــ » الـــــذيـــــن يــــتــــربــــصــــون بـــفـــرص استغالل اآلخــر، فـإن الخوارزميات اليوم تــوفــر لـــهـــؤالء املــنــافــســ «غـــطـــاء تقنيًا» مثالي ًا. ولذلك فإن التساؤل اآلن ليس ما إذا كــان الـذكـاء االصطناعي سيجعلنا أكثر عقالنية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التالعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلـى تفويض املسؤولية األخالقية لآللة؛ فــــإذا «قـــــرر» الـــذكـــاء االصــطــنــاعــي شـــروط العقد، من املـسـؤول حينها عن استغالل «الـــفـــرصـــة» لــظــلــم الـــطـــرف اآلخــــــر؟ ولـعـل تحدي العقد القادم للمفاوضني سيتعلق بتصميم هياكل أخالقية وقانونية تمنع اآللـة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الـخـفـي، وكــيــف نـحـافـظ عـلـى «الـتـعـاطـف االستراتيجي» الذي هو جوهر املفاوضة البشرية، والذي ال تستطيع أي خوارزمية محاكاته. مـن هــذا املنطلق، لـم يعد التفاوض الـــتـــعـــاونـــي تـــرفـــ أخـــ قـــيـــ ، بـــقـــدر مـــا هو اسـتـجـابـة تــطــوريــة لحقيقتنا كـكـائـنـات تــــعــــيــــش فــــــي بــــيــــئــــة مـــلـــيـــئـــة بـــمـــنـــافـــســـ يــتــرقــبــون الـــفـــرصـــة. وعـــنـــدمـــا نـنـظـر إلــى األزمات الكبرى اليوم من التغير املناخي إلـى االنقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربـــح وتخسر) تعمق األزمات وتطيل عمرها. ندى حطيط غالف «الوصول إلى نعم» غالف «نظرية الرجل المجنون» تطور مفهوم المفاوضات جعلها اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه لتجنب الحروب الشاملة د. عادل عبد الرحمن العيد النص الكامل على الموقع اإللكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==