issue17313

يـقـول املـثـل الشعبي فـي مـصـر إن «أحـمـد زي الحاج أحمد»، والقصد أن األمـر إذا تعلّق بــــاالســــم فــــاألســــمــــاء يـــمـــكـــن أن تـــتـــشـــابـــه رغـــم اختالفها، وأن األهـم هو املضمون الـذي يقوم وراء االســـم أيّـــا كـــان، وإال، فـــإن لـقـب «الــحــاج» الذي يحمله الحاج أحمد ال يجعله يختلف في شـيء عـن أحـمـد. فــإذا أدى اللقب إلـى اختالف في السلوك بينهما كان هناك فرق بالتأكيد. هــــذا املــعــنــى تــجــده أمـــامـــك وأنــــت تــقــرأ أن حــزب «جبهة العمل اإلســ مــي» األردنــــي دعا إلـــى مــؤتــمــره الـــعـــام، وأن املــؤتــمــر قـــرر تغيير االســــم الــــى حــــزب «األمـــــــة»، وأن الـتـغـيـيـر جــاء خــضــوعــا لــقــانــون األحــــــزاب الــســيــاســيــة الـــذي يحظر التسمية على أسس دينية. وكـمـا تـــرى، فـــإن هـــذه الـخـطـوة مــن جانب الحزب تُثير أكثر من تساؤل، وترسم في األفق أكثر من عالمة استفهام، وتكاد تضع في مكان اإلشـكـال الـــذي كــان يـواجـه الـحـزب قبل تغيير اســمــه، إشـــكـــاال أكـبـر ســـوف نتبني حجمه مع مرور الوقت بعد قرار التغيير. فتغيير االسم جرى قبل ساعات بالكاد، وال يمكن الحكم على املوضوع ملجرد أن أحمد أصبح اسمه الحاج أحمد، قياسا على املثل الشعبي املصري الذي يتردد في مثل هذه الحالة. فالفيصل الـــذي نفهمه مـن املَــثَــل الشائع، هو ما إذا كان سلوك الحاج أحمد في الحياة العملية سيختلف بتأثير من اللقب عن سلوك أحمد، أم أن السلوك سيظل واحدًا، ولن يختلف بعد تغيير االسم عنه قبل التغيير؟ يلفت االنتباه أن تغيير االسم في الحزب األردنـــي تم بقوة القانون، ال طوعا، وهــذا في حد ذاتـه أمر يثير التساؤل، ألن االصطدامات املتوالية بني الحزب والحكومة األردنية كانت تـدعـوه إلــى أن يجلس ليفكر فـي هـــدوء، ومن بعدها يبادر بتغيير اسمه من تلقاء نفسه، ال استجابة لقانون يحظر ويمنع. ثم كـان على الحزب من بعد املبادرة بالتغيير أن يعمل على أن يكون التغيير تعبيرًا عن مضمون طرأ في أفكار الحزب وفـي سياساته، ال مجرد اتجاه إلــى رفــع الفـتـة مـن فــوق مـدخـل مبنى الـحـزب، لتثبيت الفتة أخرى في مكانها. هذه الزاوية في املوضوع تقول إن ذهاب الحزب إلى تغيير اسمه كان اضطرارًا، وأنه لم يُقرر التغيير عن قناعة بأن اسم الحزب القديم يُثير الكثير من املشكالت التي ال داعي لها في العمل السياسي داخل املجتمع. ثـم إن القضية األكـبـر مـن ذلـك نجدها في االسـم الجديد، الـذي يقول إن الحزب قد صار يحمل اسـم حـزب «األمـــة» من دون أن يقال أي أمة بالضبط هي املقصودة؟ فلقد عانت مصر من ذلك مع الجماعة األم، عندما كـان قياداتها يخرجون ليتحدثوا عن األمــة اإلسالمية ال عـن األمــة املصرية. لـم تكن قــيــادات كـثـيـرة فــي الـجـمـاعـة األم تُــخـفـي ذلــك، وكــانــت تـجـاهـر بـأنـهـا تــقــدم األمــــة اإلسـ مـيـة على األمة املصرية، وأن االختيار بني االثنتني إذا كــان ال بـد مـنـه، فـ بـد مـن اخـتـيـار األولــى وتقديمها على الثانية. ولم يكن التقديم مجرد اختيار بني اسمني، فلو كـان كذلك لهان األمـــر، ولكنه كـان تعبيرًا عن تقديم لألولى على الثانية في الوالء، وفي العمل، وفي التوجه، وفي تقديم مصلحة أمة إسالمية فضفاضة بطبيعتها، على مصلحة أمة مصرية معروف أولها من آخرها. كنا نتكلم مع الذين يقولون بتقديم هذه على تلك في مصر، وكنا نقول إن الـوالء ال بد أن يكون للوطن أوالً، وأن الوالء له ال يقلل من شـأن الدين وال ينال منه، وإنما يضع الوطن حيث يجب أن يوضع، والدين حيث يتعني أن يكون، وأن إقحام الدين في املسألة ينزل بالدين مـن عليائه إلـى حيث الـخـ ف واالخـتـ ف في قضايا السياسة وتحوالتها التي ال تتوقف. كنا نقول هـذا، وكنا نعود ونكرره، ولكن ال أحــد كــان يستجيب، ألن فـكـرة التقديم بني االخـــتـــيـــاريـــن كـــانـــت وال تــــــزال تــتــلــبــس الـــذيـــن ينتسبون إلــى الجماعة األم، ثـم إلــى فروعها متمثلة في الحزب في األردن وفي غير األردن بالضرورة، فالفرع يتأثر باألصل ال العكس. وأنــــــت ال تـــعـــرف مــــا إذا كـــــان الـــقـــصـــد مـن وراء مسمى حزب «األمـة» في عمّان، هو األمة اإلسـ مـيـة على اتـسـاعـهـا، كما كـانـت قـيـادات الجماعة األم تقول وتـــردد فـي الـقـاهـرة؟ أم أن الـقـصـد هــو األمـــة األردنـــيـــة الـتـي تـضـم كــل مَــن يحمل الجنسية األردنـيـة، ويُقر بأن جنسيته تحكم والءه، وأن والءه ال يتوزع بني شيئني، وأنه ثابت ومستقر لألمة األردنية وحدها بال منافس؟ ال يريد أحــد أن يستبق مـا ســوف يترتب عــلــى تـغـيـيـر االســـــم، وال أقــــول مـــا أقـــولـــه على سـبـيـل تــقــديــم ســــوء الــنــيــة عــلــى حُـــســـن الـنـيـة تجاه القائمني على الحزب باسميه القديم أو الجديد، ولكن الفكرة في مدى تعبير التغيير عــــن الـــجـــوهـــر فــــي الـــقـــضـــيـــة، ال عــــن رغـــبـــة فـي مجاراة نصوص القانون، أو مسايرة املُشرّع فيما ذهب إليه من نصوص في القانون. األمـــــة اإلســـ مـــيـــة تــمــتــد مـــن أنــدونــيــســيــا ومـالـيـزيـا فــي أقـصـى الــشــرق، إلـــى املــغــرب في أقصى الـغـرب على شاطئ األطلنطي، ثـم إلى حــيــث تـــوجـــد تــجــمــعــات املــســلــمــ فـــي أرجــــاء األرض، أمــــا األمــــة األردنــــيــــة فــهــي قــائــمــة هنا فــي أرض الــشــام بـحـدودهـا املــعــروفــة، وأيـضـا بـقـانـونـهـا ودســتــورهــا الـحـاكـم عـلـى أرضــهــا، وســـوف يـكـون التغيير اسـمـا على مسمى إذا جرى وفق مقتضيات الثانية ال األولى. Issue 17313 - العدد Thursday - 2026/4/23 اخلميس تبلورت جبهة املمانعة فـي العالم العربي والـشـرق ، األول هو 1979 األوسط عقب حدثني متعارضتني في عام نجاح الثورة اإليرانية بقيادة زعيمها الراحل الخميني في الوصول إلى السلطة، واآلخـر توقيع الرئيس الراحل أنـــور الـــســـادات التـفـاقـيـة كـامـب ديـفـيـد لـلـسـ م بــ مصر وإسرائيل. ومنذ ذلـك التاريخ تبلور تيار املمانعة الذي أطـلـق عـلـى نفسه «جـبـهـة الـصـمـود والــتــصــدي»، ورفــض الـــصـــلـــح املـــنـــفـــرد بــــ مـــصـــر وإســــرائــــيــــل وهــــاجــــم خــطــوة الـــســـادات مــن دون أن يــواجــه إســرائــيــل، كـمـا تـبـلـور تيار االعــتــدال عربيا عقب خـطـوة الرئيس الــســادات الـذي آمن بالحل السلمي والتفاوض حال للصراع مع إسرائيل. وقد انضمت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الراحل ياسر على 1993 عــرفــات إلـــى تـيـار االعـــتـــدال عـقـب الـتـوقـيـع فــي اتفاق أوسلو الذي أجهضته إسرائيل بسياسة االستيطان في الضفة الغربية وحصار قطاع غزة من دون إعفاء حركة «حماس» واالنقسام الفلسطيني من جانب من املسؤولية. وقـد أخـذ االنقسام بـ املعتدلني واملمانعني صـورة جــديــدة عـقـب ظـهـور أذرع إيــــران فــي املنطقة وفـــي أعـقـاب تحرير الـجـنـوب اللبناني مـن االحــتــ ل اإلسـرائـيـلـي عام ، ورفـعـت شــعــارات املـقـاومـة املسلحة ضـد إسرائيل 2000 حــتــى وصــلــنــا إلــــى مــعــركــتــي «إســــنــــاد» غــــزة وإيـــــــران من األراضـي اللبنانية، ودخـول كل من أميركا وإسرائيل في مواجهة عسكرية عنيفة مع إيـران، وما زال العالم ينتظر نهاية الحرب، وتحويل املسكنات التي شهدتها املنطقة عقب وقف إطـ ق النار في كل من إيـران ولبنان وقبلهما غزة إلى مسارات تسوية سلمية واتفاقات إلنهاء الحروب. والحقيقة، أن مشهد الـحـرب بـ أمـيـركـا وإسـرائـيـل في مواجهة إيران، أو بني تل أبيب و«حزب الله»، لم يفتح فقط خالفا معتادًا فـي املنطقة بـ معتدلني وممانعني، إنما أضيف إليهما «املشجعون» الذين يشجعون «اللعبة الحلوة» كما في مباريات كرة القدم، أو «الضربة الحلوة» في املواجهات القائمة. والحقيقة، أن ضجيج هـذه املجموعات التي تشكل جانبا مـن الـــرأي الـعـام فـي املنطقة أعـادنـي بـالـذاكـرة إلى عــــام حـــصـــار بـــيـــروت وخــــــروج يـــاســـر عــرفــات 1982 عــــام وفصائل املقاومة الفلسطينية من لبنان عقب االجتياح اإلســـرائـــيـــلـــي، وكـــنـــا وقــتــهــا طـــ بـــا فـــي كــلــيــة االقــتــصــاد والـعـلـوم السياسية بجامعة الـقـاهـرة وكـــان معنا زميل هـو األكـثـر «تشجيعا» للخيار الــثــوري وطـالـب املقاومة بالقتال حتى آخر نفس واالستشهاد داخل بيروت «حتى النصر»، وحني قلنا وقتها إن ما نستطيع عمله ملساعدة الـشـعـب الـلـبـنـانـي هــو الـــذهـــاب ملـقـر الـقـائـم بــاألعــمــال في القاهرة (أعتقد وقتها لم تكن العالقات قد عـادت بشكل كامل بسبب «كامب ديفيد») والتبرع بالدم، فوجئنا بأن زميلنا الذي طالب بالقتال حتى آخر رجل لم يذهب معنا واعتذر لحجج واهية. والـــحـــقـــيـــقـــة، أن الــــحــــرب األمـــيـــركـــيـــة - اإلســـرائـــيـــلـــيـــة فـــي مـــواجـــهـــة إيــــــران فـتـحـت الـــبـــاب أمـــــام انـــتـــشـــار ظــاهــرة «املشجعني»، فهم ليسوا على استعداد لدفع أي استحقاق أو ثمن لخيارات املمانعني أو املقاومني، فهم ليس لديهم مشروع عقائدي يجعلهم يتحملون تبعات خيار املقاومة املسلحة وثمن الحرب التي يمكن أن يدخلها أي بلد في مـواجـهـة قــوة عظمى مثل الــواليــات املـتـحـدة. فاملوضوع لـيـس مــجــرد شـــعـــارات «املــــوت ألمــيــركــا وإســـرائـــيـــل» إنما تحتاج هذه املواجهة إلى بنية صناعية وعسكرية قوية وقناعة لـدى جـزء معتبر من الناس بمشروعية مواجهة القوى الكبرى، وليس مجرد ثرثرة على مواقع التواصل االجتماعي وهتافات هنا وهناك كما يفعل «املشجعون» غير املستعدين لدفع استحقاقات املمانعة، وبرروا خطايا الـنـظـام اإليـــرانـــي ألنـــه يــواجــه أمـيـركـا وإســرائــيــل، وبـاتـت شعاراتهم في بعض األحيان أكثر «ممانعة» من املمانعني. وكما لخيار املمانعة استحقاقات وأثمان، فإن لخيار االعــتــدال واملـقـاومـة املـدنـيـة والـضـغـوط السياسية أيضا استحقاقات وأثمانا ال يدفعها أيضا املشجعون، فمن قال إن تجارب دول «االعتدال الفاعل» ليس لها استحقاقات، فــهــي تـطـلـب أيـــضـــا نــمــوذجــا سـيـاسـيـا لـــديـــه شــرعــيــة في الـداخـل وتأثير في الـخـارج، ونموذجا اقتصاديا منتجا وجاذبا ومنجزًا، يسمح لها بالحضور الدولي وخوض معارك سياسية ودبلوماسية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ومــواجــهــة سـيـاسـات االحـــتـــ ل اإلسـرائـيـلـي وعـــــدم الـــعـــدالـــة فـــي الـــنـــظـــام الــــدولــــي. أمــــا عــلــى املــســتــوى الشعبي، فإن املقاومة املدنية والسياسية والقانونية في مختلف عواصم العالم صـارت سالحا قويا في مواجهة ســـيـــاســـات نـتـنـيـاهـو والــحــصــانــة الـــتـــي أعـــطـــاهـــا الـنـظـام الدولي إلسرائيل. خيارات االعتدال واملمانعة الحقيقية لها استحقاقات وليست مجرد شعارات ويجب أ يتصور أحد أنه يمكن أن يكون ممانعا ومقاوما وكل تكوينه وخبرته في االعتدال، ولكنه يقول ذلك ليهرب من استحقاقات االعتدال ويتحول مشجعا للمانعة. مـــــــا بـــــــ الــــــحــــــ واآلخـــــــــــــر تــــصــــدر تـصـريـحـات مــن بـعـض قــيــادات حـركـات دارفـــــــــور املـــوقـــعـــة عـــلـــى اتـــفـــاقـــيـــة جــوبــا لـــلـــســـ م، تـبـعـث عــلــى الـــحـــيـــرة والــقــلــق. تصريحات تلمح فيها التلويح بمنطق الـسـ ح للتشبث بـاملـواقـع، أو املساومة لـلـحـصـول عـلـى أثــمــان مـقـابـل اسـتـمـرار املـــشـــاركـــة مـــع الــجــيــش فـــي الـــقـــتـــال ضد «قوات الدعم السريع». الحقيقة أنه منذ توقيع اتفاق جوبا لـــم يــعــد الــــســــؤال مـــا إذا كـــانـــت حــركــات دارفـــــور قـــد حـصـلـت عـلـى نصيبها من السلطة، بـل كيف ستتعامل مـع الواقع الـــجـــديـــد ومــــع الــــظــــروف الـــتـــي يــمــر بها الـــــســـــودان: بـعـقـلـيـة الــــدولــــة أم بـعـقـلـيـة املــيــلــيــشــيــا؟ فــــاالتــــفــــاق لــــم يـــكـــن نــهــايــة الطريق بقدر ما كان بداية اختبار أكثر تــعــقــيــدًا - اخـــتـــبـــار الـــتـــحـــول مـــن عقلية تـنـظـيـم مـسـلـح إلـــى شــريــك مـــســـؤول في بناء دولة. فــي هـــذا اإلطــــار يصعب تـجـاهـل أن الجمع بني «امتيازات الدولة» و«أدوات الــــقــــوة خــــارجــــهــــا» لـــيـــس وضـــعـــا قـــابـــ لـ سـتـمـرار. فحتى لـو بــدا هــذا الـتـوازن مـمـكـنـا عــلــى املـــــدى الــقــصــيــر، لــكــنــه في الـواقـع يــزرع بــذور عـدم االسـتـقـرار على املـــــدى املـــتـــوســـط أو الــبــعــيــد. فـــالـــدولـــة، بـــطـــبـــيـــعـــتـــهـــا، ال تـــحـــتـــمـــل ازدواجـــــــيـــــــة الـسـلـطـة؛ إمـــا أن تــكــون هــنــاك مرجعية واحدة للقوة والقرار، أو يتحول النظام كله إلى ساحة تنازع مفتوح. وإذا كان هناك ما تعلّمه الناس من مأساة الحرب الراهنة فهو عدم القبول بتكرار تجربة «قوات الدعم السريع». بعد جوبا، حصلت بعض الحركات على مواقع تنفيذية ومناصب سيادية، وهـــــو تـــطـــور مـــبـــرر فــــي ســـيـــاق تـسـويـة مــن أجـــل الـــســـ م. لـكـن هـــذه املـنـاصـب ال يجب التعامل معها كغنائم حـــرب، بل مسؤوليات عامة تُقاس بنتائجها. ومن هنا، فـإن التحول املطلوب هو االنتقال مـــن مـنـطـق «املـــكـــافـــأة الــســيــاســيــة» إلــى منطق «املـــســـاءلـــة». أي مــســؤول يشغل مـوقـعـا عــامــا يـجـب أن يـخـضـع ملعايير األداء، ال ملوازين القوة التي أوصلته إلى املنصب. املشكلة تبدأ حني يُستخدم السالح - ولــو ضمنيا - كـــأداة ضغط سياسي. الــتــلــويــح بــالــقــوة فـــي لــحــظــات الــخــ ف ال يــــهــــدد الـــخـــصـــوم فــــقــــط، بــــل يــقــوض شرعية الدولة نفسها. األخطر من ذلك أن استمرار هـذا الوضع يحول السالح من «وسيلة مؤقتة» إلى «حق مكتسب». بـــمـــرور الـــوقـــت، ال يــعــود حــمــل الــســ ح مرتبطا بظروف استثنائية، بل يصبح جزءًا من الهوية السياسية والتنظيمية، وهــــــو مـــــا رأيـــــنـــــاه فـــــي دول أخـــــــرى فـي املنطقة. املقاتل يرى فيه مصدر مكانته، والـقـائـد يـربـط بــه نــفــوذه، وتـتـحـول أي دعـــــوة لــنــزعــه إلــــى تــهــديــد وجـــــــودي، ال مجرد خطوة إصالحية. في موازاة ذلك، تتشكل تدريجيا ما يمكن تسميتها «اقــتــصــادات الــحــرب». مــــــوارد خـــــارج املـــــوازنـــــة، وأنـــشـــطـــة غير رسمية، وشبكات مصالح تستفيد من غياب الرقابة أو ترفضها. هذه املنظومة ال تعيش على هـامـش الــدولــة فـقـط، بل تنافسها. وكلما طـال أمـد هـذه الحلقة، زادت صعوبة كسرها. وال يقل عن ذلـك خـطـورة، استمرار الـخـطـاب الـتـعـبـوي الـقـائـم عـلـى ثنائية «املــــركــــز والـــهـــامـــش». هــــذا الـــخـــطـــاب قد يكون مفهوما في سياق الـحـرب؛ حيث تُـــســـتـــخـــدم الـــهـــويـــة كـــــــأداة حـــشـــد، لـكـنـه يصبح مـدمـرًا داخــل الـدولـة. فالدولة ال تُبنى على تقسيم املواطنني، وبث خطاب الجهوية والكراهية، بل على توحيدهم حـــول مـــشـــروع مــشــتــرك. االســـتـــمـــرار في اسـتـدعـاء الـشـعـارات القديمة نفسها ال يـنـتـج حـــلـــوال جـــديـــدة، بـــل يـعـيـد إنـتـاج األزمــــة نفسها بلغة مختلفة. املطلوب اليوم هو االندماج الحقيقي في مشروع دولة جامعة، وتعزيز ودعم مؤسساتها، واالســـتـــفـــادة مــن دروس الـــحـــروب التي لـم يـجـن الــســودان منها ســوى الـخـراب، والتراجع نحو غياهب التخلف، وعدم االستقرار املزمن. فـــي الـــوضـــع املـــاثـــل أمـــامـــنـــا، بعض الــــحــــركــــات تـــقـــاتـــل إلـــــى جــــانــــب الــــقــــوات املــســلــحــة الـــســـودانـــيـــة، لــكــنــهــا تـحـتـفـظ بـــــقـــــيـــــادة مـــنـــفـــصـــلـــة. املـــــطـــــلـــــوب الــــيــــوم االنـتـقـال مــن الــــوالء للحركة إلـــى الـــوالء لــــلــــدولــــة، وهــــــو مــــا يــتــطــلــب االنــــخــــراط فـــي بـــرنـــامـــج دمــــج قـــــوات الـــحـــركـــات في الـــجـــيـــش والـــــقـــــوات الــنـــظـــامـــيـــة األخـــــرى وفـق الـشـروط والضوابط املعمول بها، وتسجيل كامل للقوات والسالح، وإلغاء أي أوامــــــــر مـــيـــدانـــيـــة خــــــارج الـتـسـلـسـل الرسمي. فالهدف النهائي هـو توحيد السالح بحيث ال تكون هناك أي بندقية خـــارج سـيـطـرة الـــدولـــة. فــي مــــوازاة ذلـك تـــنـــخـــرط كــــل الــــقــــوى فــــي عــمــلــيــة إزالــــــة رواسـب الحرب، وتعزيز قيم التعايش، ونبذ خطاب الجهوية، والقبول بمبدأ الـــــتـــــداول الـــســـلـــمـــي الـــديـــمـــقـــراطـــي عـلـى السلطة، لبناء ســودان مستقر تكتسب فيه الشرعية باالنتخابات ال بالسالح، وترفع املطالب داخل املؤسسات بالطرق السلمية، ال بعرقلة عمل الدولة أو رفع السالح ضدها. إذا كانت الحركات جادة في التحول إلـى فاعل سياسي مستدام، فـإن عليها أن تقدم خطابا وطنيا يتجاوز اإلقليم، ويــــخــــاطــــب كـــــل الــــســــودانــــيــــ بـــبـــرامـــج واضـــــحـــــة. هـــــذا األمــــــر لـــيـــس مــحــصــورًا فـي حـركـات دارفـــور، بـل يسري على كل الحركات املسلحة األخرى. التحول املطلوب ليس سـهـ ً، ألنه يـتـطـلـب الـتـخـلـي عـــن مـــزايـــا سـهـلـة مثل النفوذ املباشر، واملكاسب املالية. لكنه فـــي املــقــابــل يـفـتـح الـــبـــاب أمــــام مـكـاسـب أكبر وأكثر استدامة: شرعية سياسية حقيقية، واسـتـقـرار طويل األمـــد، ودور إيـــجـــابـــي داخـــــل الــــدولــــة، ومـــشـــاركـــة في بنائها ال هدمها. التحول المطلوب ليس سهال ألنه يتطلب التخلي عن مزايا سهلة مثل النفوذ المباشر والمكاسب المالية يجب أل يتصور أحد أنه يمكن أن يكون ممانعا ومقاوما وكل تكوينه وخبرته في العتدال عمرو الشوبكي عثمان ميرغني سليمان جودة OPINION الرأي 14 من السالح إلى الدولة... اختبار حركات دارفور بين المعتدلين والممانعين هناك أيضا المشجعون تغيّرت الالفتة في عمّان... لكن ما وراءها أهم ل يريد أحد أن يستبق ما سوف يترتب على تغيير اسم الحزب

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==