بين الجنوب والضاحية... لبنانيون يواجهون خسارة مصدر الرزق

قطاعات إنتاجية مهددة بالانهيار... ومحاولات نجاة فردية

عمال ينظّفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)
عمال ينظّفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)
TT

بين الجنوب والضاحية... لبنانيون يواجهون خسارة مصدر الرزق

عمال ينظّفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)
عمال ينظّفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)

يتعامل أصحاب المصالح في لبنان مع واقع لا يشبه أي دورة اقتصادية تقليدية. التكلفة مستمرة، والإنتاج متراجع، والسوق معلّقة بين الخوف والانتظار. هنا، لا تُقاس الخسارة بالأرقام فقط، بل بالقدرة المفقودة على التخطيط. تتقاطع قصص من مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية شبه المدمرة، لتؤكد أن الاقتصاد دخل مرحلة استنزاف مفتوح، عنوانها الأبرز: البقاء... لا أكثر.

نقل الأعمال بوصفه استراتيجية دفاع

يروي أحمد جابر أنّ الحرب لم تترك له متّسعاً للاختيار، بل دفعته قسراً إلى اقتلاع عمله من مكانه، تماماً كما اقتُلعت حياة كثيرين من أبناء الجنوب. يقول لـ«الشرق الأوسط» إنّه كان يعمل في مجال التجارة والتعهّدات، قبل أن يجد نفسه مضطراً، مع بداية الحرب، إلى نقل مصلحته من منطقته إلى الشياح، المنطقة المعرضة بدورها للخطر خلال الحرب، في محاولة منه لحماية ما تبقّى من رأسماله: «لم يكن أمامي خيار، إمّا أن أنقل عملي وإما أن أخسره».

جانب من الدمار الذي لحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

يشرح جابر أنّ القرار لم يكن لحظة عابرة، بل نتيجة تراكم الخوف من تدهور الوضع الأمني واستحالة الاستمرار في بيئة غير مستقرة، مضيفاً: «الوضع لم يعد يُحتمل، لم يعد يسمح لنا بالعيش أو العمل. لذلك نقلنا المكاتب والمعدّات وكل تفاصيل العمل. في البداية، نقلنا جزءاً بسيطاً، لكن مع اشتداد الحرب اضطررنا إلى نقل كل شيء تقريباً».

ويؤكد أنّ ما قام به لم يكن سعياً إلى التوسّع أو تحسين شروط العمل، بل خطوة دفاعية بحتة هدفها تقليل الخسائر. «كنت أحاول فقط أن أحمي رأسمالي، وأن أحافظ على مكانتي في السوق، وأن أمنع خسارة كل ما بنيته».

ورغم نجاحه في نقل عمله مادياً فإنّه يصف الواقع الحالي بالشلل شبه الكامل. «الشغل متوقف، ولا يوجد استقرار. حتى بعد الانتقال، لم يتحسن الوضع. بالعكس، نحن نعمل في بيئة غير واضحة، بلا أفق، وبلا أي ضمانة للاستمرار».

يتحدث جابر عن عبء المسؤوليات التي تلاحقه يومياً، في ظل غياب أي مدخول فعلي بالقول: «يعمل معي نحو سبعة موظفين، بينهم سائقون ومحاسِبة وعمال. هؤلاء يعتمدون على هذا العمل بوصفه مصدر رزق، وأنا مسؤول عنهم. الرواتب مستمرة، رغم أن العمل شبه متوقف». ويضيف: «المصاريف كبيرة جداً... هناك رواتب، والتزامات تشغيلية، وتكلفة نقل وإعادة تجهيز، وكل ذلك من دون أي إنتاج فعلي».

ويشير إلى أنّ الخسارة لم تأتِ فقط من توقف العمل الحالي، بل أيضاً من فقدان أعمال كانت قائمة قبل الحرب. «كنا نعمل مع الدولة، وكانت هناك مشروعات قائمة. كل هذا توقّف فجأة، لم يعد هناك عمل، لا مشروعات ولا دفعات، كل شيء تبخّر».

سيارة أمام بيت مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة حبوش بجنوب لبنان (رويترز)

أسواق تُفرَّغ... وقطاعات تُصاب بالشلل

في الضاحية الجنوبية لبيروت، تتخذ الأزمة بُعداً آخر، لكن بنتائج متقاربة. محمد نور الدين، تاجر ألبسة أمضى أكثر من 16 عاماً في بناء عمله، وجد نفسه مضطراً إلى إقفال محاله والخروج من المنطقة تحت وطأة الاستهداف المتكرر.

يقول نور الدين لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعمل منذ سنوات طويلة في تجارة الألبسة في الضاحية، وبنيت اسماً وزبائن وعلاقات. لكن مع التصعيد الأخير، اضطررت إلى إقفال محالي والخروج من المنطقة. لم يعد بالإمكان الاستمرار في ظل هذا الخطر، خصوصاً مع الاستهداف المتكرر».

ويشير إلى أنّ الخسارة لم تكن فقط مادية، بل معنوية أيضاً، موضحاً: «هناك سنوات من التعب ذهبت دفعة واحدة». ويكشف في هذا السياق عن أنّه خسر أيضاً عقاراً يملكه في منطقة مار مخايل في الضاحية خلال حرب عام 2024، مما ضاعف من حجم الأضرار.

اليوم، يحاول نور الدين إعادة بناء عمله في منطقة النويري في بيروت، رغم إدراكه صعوبة المهمة، بالإشارة: «أحاول اليوم تأسيس عملي من جديد في منطقة النويري، رغم أنني أعلم أن لا مكان يعوّض الضاحية بالنسبة إليّ». ويضيف: «الضاحية كانت بيئتي الطبيعية، فيها زبائني واسمي. كنت أقول دائماً إنني لن أخرج منها مهما حصل، لكن الواقع فرض نفسه».

غير أنّ التحدي لا يقتصر على الموقع، بل يمتد إلى طبيعة السوق نفسها. إذ يعدّ نور الدين «سوق الألبسة تتأثر بسرعة، لأنها تُعد من الكماليات. ففي أوقات القلق، الناس تركّز على الأساسيات، وهذا يضرب عملنا مباشرة».

ويشير إلى أنّ الحركة التجارية في المناطق البديلة لا تزال ضعيفة: «في النويري مثلاً، لا يوجد زبائن كما في الضاحية. الناس تخاف، والحركة خجولة، وإعادة بناء شبكة الزبائن ليست أمراً سهلاً».

ويؤكد أنّ ما يمرّ به لا يقتصر عليه، «بل يشمل عدداً كبيراً من أصحاب المصالح الذين اضطروا إلى نقل أعمالهم أو إقفالها، في انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع الأمنية في البلاد».

من صاحب مؤسسة إلى موظف... انهيار المسار الفردي

في القرى الحدودية، تتخذ الخسارة طابعاً أكثر جذرية. يوسف، ابن بلدة عيترون، يروي كيف أطاحت الحرب بمشروعه بالكامل. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أخسر مؤسسة فحسب، بل خسرت تعب عمري. كان لديّ مشتل، إلى جانب شركة خدمات متخصّصة بتجهيز الحدائق والعناية بها. كنّا نعمل مع عدد كبير من الزبائن، وكان العمل مستقرّاً إلى حدّ بعيد، لكن مع اندلاع الحرب، تغيّر كل شيء. قرب عيترون من الحدود وضعنا في قلب الخطر. الدمار كان كبيراً، والناس نزحت، والحدائق تُركت أو دُمّرت. لم يعد هناك طلب، ولا إمكانية للاستمرار».

مزارعان يقطفان الفول الأخضر خلال الهدنة المفترضة في بلدة رأس العين بجنوب لبنان (رويترز)

ويتابع: «خسرنا الزبائن، وتوقّف العمل بالكامل»، مشيراً إلى أنّ مؤسسته كانت تؤمّن مصدر رزق لنحو 12 عاملاً مياوماً، جميعهم توقّفوا عن العمل مع توقّف المشروع».

اليوم، يعيش يوسف في صيدا بعد أن غادر بلدته، ويعمل موظفاً في شركة مواد غذائية، كاشفاً: «بعدما كنت صاحب عمل، أصبحت موظفاً. مدخولي اليوم لا يُذكر مقارنة بما كنت أنتجه سابقاً، بالكاد يكفيني لتأمين الأكل والشرب، فالخسارة ليست فقط مادية، بل شعور بأن كل ما بنيته انهار فجأة، ولم يبقَ منه شيء».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

لقاء بري بالسفير الأميركي: تثبيت تحييد الضاحية مقابل شمال إسرائيل

المشرق العربي رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع السفير الأميركي ميشال عيسى (أرشيفية - رئاسة البرلمان)

لقاء بري بالسفير الأميركي: تثبيت تحييد الضاحية مقابل شمال إسرائيل

تبقى الأنظار مشدودة للجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية برعاية أميركية

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي السيارات تنتظر في زحام المرور بينما يسعى الناس الفارون من مدينة صور في جنوب لبنان بعد تحذير إسرائيل من الإخلاء إلى اللجوء إلى صيدا الواقعة شمالاً 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

الحيّ المسيحي في مدينة صور اللبنانية يفرُغ من سكانه بعد إنذار إسرائيلي

فرغ الحيّ المسيحي في مدينة صور بجنوب لبنان من سكانه بعد إنذار إسرائيلي بالإخلاء.

«الشرق الأوسط» (صور)
الولايات المتحدة​ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (رويترز)

غوتيريش يعبر عن قلقه إزاء التصعيد في الشرق الأوسط

أبدى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، قلقه «البالغ» إزاء التصعيد الجديد للعنف في الشرق الأوسط...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)

عون ﻟ«سي إن إن»: لن ألتقي نتنياهو قبل «إنهاء الحرب»

صرّح الرئيس اللبناني جوزيف عون لشبكة «سي إن إن» الأميركية، بأنه لن يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جندي من الجيش اللبناني يقف قرب موقع غارة إسرائيلية استهدفت شقة سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

بيروت تواجه معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال الإسرائيلي

أعاد التصعيد المتبادل بين إسرائيل و«حزب الله»، طرح تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تكريس معادلة «الضاحية مقابل المستوطنات».

صبحي أمهز (بيروت)

لقاء بري بالسفير الأميركي: تثبيت تحييد الضاحية مقابل شمال إسرائيل

رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع السفير الأميركي ميشال عيسى (أرشيفية - رئاسة البرلمان)
رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع السفير الأميركي ميشال عيسى (أرشيفية - رئاسة البرلمان)
TT

لقاء بري بالسفير الأميركي: تثبيت تحييد الضاحية مقابل شمال إسرائيل

رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع السفير الأميركي ميشال عيسى (أرشيفية - رئاسة البرلمان)
رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع السفير الأميركي ميشال عيسى (أرشيفية - رئاسة البرلمان)

تبقى الأنظار مشدودة للجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية برعاية أميركية؛ كونها تشكل محطة للانتقال بالاتفاق بين البلدين من مرحلة الغموض التي تكتنفه، من وجهة نظر مصدر في «الثنائي الشيعي»، إلى صياغة أكثر هدوءاً ووضوحاً وقبولاً على نحو يتفاعل معه رئيس المجلس النيابي نبيه بري ويصبح قابلاً للتنفيذ، وهذا ما عكسه بري بتفاؤله أمام زواره الذين التقوه بعد اجتماعه بالسفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، مبدياً ارتياحه لتفهُّمه للملاحظات التي أبداها على الاتفاق.

وتأكد، حسب المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن اللقاء الذي تخللته مصارحة في العمق، انتهى إلى تثبيت معادلة تقضي بتحييد بيروت والضاحية الجنوبية في مقابل عدم استهداف «حزب الله» مستوطنات شمال إسرائيل، معطوفة على الجهود التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاحتواء التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل رهاناً منه على أن اتفاقه مع إيران يقترب من خواتيمه.

فتثبيت هذه المعادلة يتوقف على مدى استعداد إسرائيل للالتزام بها في مقابل تعهد «حزب الله» بعدم خرقها، وهذا ما قطعه بري على نفسه، وبالإنابة عن حليفه، أثناء اجتماعه بالسفير عيسى الذي أبدى تفهماً لملاحظاته لعلها تفتح الباب أمام تنقيح الاتفاق وتصويبه على نحو يتيح التوصل لوقف شامل للنار على ألا تشوبه أي شائبة؛ ما يعبّد الطريق للانتقال بعدها للبحث بتوفير الضمانات لانسحاب إسرائيل بالتوازي مع انسحاب «حزب الله» من جنوب نهر الليطاني وانتشار الجيش تدريجياً بالتلازم مع عودة النازحين بإشراف لجنة الـ«ميكانيزم» بصيغتها الجديدة باستبعاد فرنسا منها، في مقابل وضع جدول زمني لنزع سلاح «حزب الله» على مراحل.

وكشف المصدر أن بري استفاض أمام عيسى بتبيان أسباب رفضه لما يسمى المناطق التجريبية، مؤكداً أنه مع وقف إطلاق النار الشامل وعدم الرضوخ للابتزاز الإسرائيلي، وبالتالي فهو مع أي جهد، أكان عربياً أو دولياً، للتوصل إليه.

أطفال نازحون من مدينة صور بعد الإنذارات الإسرائيلية التي طالت المدينة الثلاثاء (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، توقف مصدر دبلوماسي غربي أمام ما نُقل عن لسان بري بخصوص وقف النار، وعدم ربطه بالتوصل لاتفاق إيراني - أميركي، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن بري هو من يفاوض عن نفسه وبالإنابة عن «حزب الله»، وهذا ما أبلغه، حسب معلوماتي، للسفير عيسى، وهو لن يكون منزعجاً في حال التوصُّل إلى اتفاق لبناني - إسرائيلي يسبق الاتفاق الإيراني - الأميركي الذي يدخل حالياً مرحلة تبادل الرسائل استعداداً للإعلان عن ولادته برعاية باكستانية.

وفي المقابل، أيَّد المصدر الوثيق الصلة بـ«الثنائي» ما تبلّغه بري من السفير عيسى، وسأل نقلاً عنه: أين المشكلة من أن ينعكس الاتفاق الإيراني - الأميركي، في حال التوصل إليه، إيجاباً على لبنان؟ وهل من ضرر عليه؟ ومن ناحيتي، لا أرى من مبرر لتعاطي البعض حياله وكأنه يشكل انتكاسة للذين يرفضون ربط مسار لبنان بإيران، وأن ما يهمنا أولاً وأخيراً إنقاذ بلدنا من الاحتلال ليستعيد سيادته غير المنقوصة على أرضه.

وقال إن بري لا يتفرد بملاحظاته التي حمّلها للسفير عيسى؛ لأنه على تواصل مع «حزب الله»، وإن معاونه السياسي النائب علي حسن خليل هو من يتولى المهمة، والتقى لهذه الغاية ليلاً قيادته لوضعها في أجواء اجتماعه بعيسى، وأكد بأنها تفوّضه بالكامل، فيما يواكب يومياً التطورات المترتبة على تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن بوساطة باكستانية، وأمل بأن يأتي هذا في سياق وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقهما؛ لأن ما يهم ترمب التوصل إلى اتفاق يعدّه خطوة متقدمة على الاتفاق الذي كان توصل إليه سلفه الرئيس السابق باراك أوباما، ويأمل إنجازه قبل اقتراب موعد الانتخابات النصفية.

وتوقع دخول تبادلهما الرسائل في مرحلة تؤشر لاقتراب التوصل لاتفاق بين البلدين، وقال إن بري أحيط بهذه الأجواء عبر تواصله مع رئيس الوفد الإيراني المفاوض، رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي.

مواطن يقف بأحد المواقع التي استُهدفت في مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

فقيام إيران باستهدافها إسرائيل بصليّة من الصواريخ استدعى تدخلاً من ترمب أثمر عن ضبط إيقاع المواجهة بين البلدين، مع أن طهران، من وجهة نظر دبلوماسي غربي، هي بأمس الحاجة إلى توجيه صواريخها للعمق الإسرائيلي لعلها تستعيد ثقة بيئة «حزب الله» التي لم تعفها من الحملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي على خلفية أن الحزب بادر لإسنادها انتقاماً لاغتيال إسرائيل للمرشد علي خامنئي من دون أن تبادر هي لإسناده في حربه مع إسرائيل.

وأكد أن اختيار إيران للتوقيت يهدف لتمرير رسالة تربط المسار اللبناني بها بعد أن أخذ يتراجع في الداخل، وافتقاد «الثنائي» للأسباب الموجبة للدفاع عنه؛ ما يعني أن ردها يبقى محصوراً باستعادة ثقة بيئة الحزب بها، وأن إمساكها بالورقة اللبنانية سيواجه اعتراضاً من ترمب بإصراره على مبدأ الفصل بين المسارين.

وسأل المصدر: هل أرادت إيران بصواريخها الرد على الحملة التي استهدفتها من رئيسَي الجمهورية العماد جوزيف عون، والحكومة نواف سلام، على خلفية تدخلها بالشأن الداخلي في محاولة مكشوفة لإرباك الساحة الداخلية، في حين أن المفاوضات مع إسرائيل أوشكت على عقد جولة خامسة؟ أم أن صواريخها ستبقى محصورة برغبتها في استرضاء بيئة «حزب الله» قبل أن تفقد السيطرة عليها، خصوصاً أن طهران تعرف جيداً بأن ما كُتب بالنسبة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية قد كُتب ولا عودة عنه مهما راهن «الثنائي» والحزب؟


«حصر السلاح وتخزينه وليس تسليمه»... صيغة تجمع فصائل غزة والوسطاء على اتفاق

طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب)
طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب)
TT

«حصر السلاح وتخزينه وليس تسليمه»... صيغة تجمع فصائل غزة والوسطاء على اتفاق

طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب)
طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب)

أكدت 3 مصادر فلسطينية، الثلاثاء، التوصل إلى ما وصفته بـ«صياغات مناسبة» بين ممثلي الفصائل المجتمعة في القاهرة والوسطاء من مصر وقطر وتركيا، حول القضايا العالقة خاصة فيما يتعلق بالسلاح، وضرورة الالتزام بتنفيذ كامل البنود بشكل متزامن، وضمن اتفاق شامل وليس بشكل مجزأ.

وقال مصدر من «حماس» وآخران من فصيلين مختلفين لـ«الشرق الأوسط»، إنه تمت صياغة واعتماد البنود الخمسة عشر الواردة في خريطة الطريق التي قدمها الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، في شهر أبريل (نيسان) الماضي، مبينة أن من بين ذلك الصياغة المتعلقة بالبند الثامن حول السلاح.

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» برفح جنوب غزة في فبراير 2025 (رويترز)

وبينت المصادر الثلاثة أن النص «يشير بشكل واضح إلى حصر وتخزين السلاح، وليس تسليمه، مع التأكيد على أنه سيكون في عهدة جهة فلسطينية يتم الاتفاق عليها، وألا يسلم إلى أي طرف آخر، وبمراقبة ومتابعة من الدول الوسيطة، وممثل عن قوة الاستقرار الدولية التابعة لـ(مجلس السلام)».

وحول الأنفاق وأماكن تصنيع الأسلحة المختلفة، أوضحت المصادر أنه تم البحث في هذه النقطة وتم التوصل لمقاربات واضحة تضمن عدم استخدامها مع إيجاد آلية أخرى لضمان ذلك.

وأكدت جميع المصادر أن العملية «ستتم على مراحل ووفق جدول زمني مرتبط بشكل أساسي بانسحاب إسرائيل والتزامها بتنفيذ ما عليها من بنود لم تنفذها حتى الآن»، مشيرة إلى ربط الاتفاق بـ«تسريع دخول لجنة التكنوقراط لإدارة غزة إلى القطاع لتولي مهامها، وتفكيك العصابات المسلحة، والالتزام بالبروتوكول الإنساني الشامل المتعلق بالمرحلة الأولى».

في انتظار الرد الأميركي والإسرائيلي

وأوضحت المصادر أن أي إعلان بشأن الاتفاق «سيكون بعد التوافق مع إسرائيل والإدارة الأميركية بشأنه»، مشيرة إلى أن هذا الدور يتعلق بالوسطاء الذين يبذلون «جهوداً كبيرة» منذ يوم السبت الماضي.

وعلمت «الشرق الأوسط»، أن ملادينوف قد يصل القاهرة يوم الأربعاء في ظل «التوافق الإيجابي» ما بين الوسطاء والفصائل الفلسطينية على بنود «خريطة الطريق».

العصابات تصعد

ميدانياً، صعدت العصابات المسلحة المدعومة إسرائيلياً، الثلاثاء، من اعتداءاتها داخل مناطق قطاع غزة، ونفذت عمليات تفتيش واحتجاز لمواطنين في مناطق يفترض أنها خاضعة لـ«حماس».

ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل حيز النفاذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحتل القوات الإسرائيلية نحو 60 في المائة من مساحة القطاع تقع شرق «الخط الأصفر» الافتراضي الفاصل مع مناطق نفوذ «حماس» والفصائل والواقعة غرب الخط ذاته.

وتُصر الفصائل في مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة على تفكيك العصابات التي تتمركز في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، خاصة مع تطور أساليبها وتنفيذها عمليات اغتيال بحق نشطائها خلال الأشهر الماضية.

وتسللت عناصر عصابة مسلحة إلى منطقة جسر وادي غزة على شارع صلاح الدين الرئيس الذي يربط شمال القطاع بوسطه وجنوبه، الثلاثاء، وتمركزت تماماً عند الجسر في المنطقة الفاصلة ما بين الشمال والوسط، قبل أن توقف مركبات المواطنين بشكل مفاجئ، وحافلة كانت تقل العديد من الغزيين.

وبحسب مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن قوة إسرائيلية تقدمت للمنطقة ذاتها بعد انتشار عناصر من عصابة مسلحة يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق شوقي أبو نصيرة، وتأمينهم للطريق، قبل أن تستقر القوتان من الجانبين في المنطقة، مبيناً أنهم «حققوا مع كل مركبة مرت من المنطقة قبل أن تتوقف تلقائياً حركة المركبات».

ووفقاً للمصادر، فإن أفراد العصابة المسلحة تفقدوا هويات بعض الموجودين في المركبات، واحتجزت 3 مواطنين قبل أن تنقلهم للقوة الإسرائيلية، فيما استجوبت آخرين كانوا على متن تلك المركبات.

وذكرت وزارة الصحة بغزة، أن القوات الإسرائيلية حققت مع 7 أفراد من طواقم الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أثناء تأديتهم واجبهم الإنساني على شارع صلاح الدين، مشيرة إلى أنه تم الإفراج عن 5 من أفراد الطاقم بعد إخضاعهم للتحقيق، فيما استمرت باحتجاز آخرين ولا يعرف مصيرهما.

وطالبت الوزارة بالإفراج الفوري عن سائقي الإسعاف المحتجزين، مؤكدة أن استهداف الطواقم الطبية وعرقلة عملها يمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني ويقوض الجهود الرامية إلى تقديم الرعاية الصحية والخدمات الإسعافية للمواطنين.

يسير مسعفون فلسطينيون أمام سيارات إسعاف مدمرة في مقر جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ووفقاً للمصدر الميداني، فإن هناك 3 مواطنين آخرين ما زالوا محتجزين حتى إعداد التقرير بعد ظهيرة الثلاثاء.

وأصدرت الجهات الحكومية والأمنية بغزة دعوات للفلسطينيين بتجنب سلوك طريق صلاح الدين بسبب نشاطات العصابات المسلحة والقوات الإسرائيلية التي توجد برفقتهم.

«هجوم متزامن»

وفي حادثة أخرى، تسلل عناصر من عصابة مسلحة يقودها غسان الدهيني الذي تولي المسؤولية عن هذه العصابة بعد مقتل ياسر أبو شباب قبل أشهر، إلى منطقة البردويل في مواصي رفح شمال غربي المدينة جنوب قطاع غزة.

ووفقاً لمصدر ميداني وآخر محلي من سكان مواصي رفح تحدثا لـ«الشرق الأوسط»، فإن تلك العصابة داهمت بعض المنازل القائمة في المنطقة وكذلك خياماً للنازحين، واعتدت على السكان وصادرت بعض الهواتف النقالة التي أبلغوا أصحابها بأنه ستتم إعادتها لهم بعد تفحصها، قبل أن تحقق ميدانياً مع بعض أصحاب المنازل وآخرين، وتعتقل 4 شبان اقتادتهم إلى عمق مناطق انتشار تلك العصابة.

وبحسب المصدرين، فإن طائرات مسيرة صغيرة من طراز «كواد كابتر» كانت تحلق في سماء المنطقة، وأجبر عناصر العصابة المسلحة التعريف على أنفسهم أمام إحدى الطائرات التي حلقت على ارتفاعات منخفضة جداً بالقرب من الشبان الأربعة.

ورجح المصدر الميداني أن اقتراب الطائرة المسيرة كان بطلب من ضابط إسرائيلي للتحقق من هوية المعتقلين الذين قامت العصابة المسلحة بنقلهم لموقع إسرائيلي داخل مناطق انتشارها.

وتزامنت اعتداءات العصابات المسلحة مع تصعيد إسرائيلي متواصل في مناطق متفرقة من قطاع غزة. كما هاجمت زوارق حربية مراكب الصيادية قبالة سواحل دير البلح وسط القطاع، واعتقلت 9، واقتادتهم إلى جهة مجهولة للتحقيق معهم.


الحيّ المسيحي في مدينة صور اللبنانية يفرُغ من سكانه بعد إنذار إسرائيلي

السيارات تنتظر في زحام المرور بينما يسعى الناس الفارون من مدينة صور في جنوب لبنان بعد تحذير إسرائيل من الإخلاء إلى اللجوء إلى صيدا الواقعة شمالاً 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
السيارات تنتظر في زحام المرور بينما يسعى الناس الفارون من مدينة صور في جنوب لبنان بعد تحذير إسرائيل من الإخلاء إلى اللجوء إلى صيدا الواقعة شمالاً 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحيّ المسيحي في مدينة صور اللبنانية يفرُغ من سكانه بعد إنذار إسرائيلي

السيارات تنتظر في زحام المرور بينما يسعى الناس الفارون من مدينة صور في جنوب لبنان بعد تحذير إسرائيل من الإخلاء إلى اللجوء إلى صيدا الواقعة شمالاً 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
السيارات تنتظر في زحام المرور بينما يسعى الناس الفارون من مدينة صور في جنوب لبنان بعد تحذير إسرائيل من الإخلاء إلى اللجوء إلى صيدا الواقعة شمالاً 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

في الحيّ السياحي في مدينة صور المطلّ على البحر، حزم من تبقى من السكان أمتعتهم، الثلاثاء، وغادروا على عجل بعد إنذار إخلاء من الجيش الإسرائيلي شمل للمرّة الأولى الحي المسيحي الذي لجأ إليه عدد من النازحين من مناطق أخرى.

وقال إلياس بربور بينما كان يهمّ بالمغادرة: «حزمنا أمتعتنا، وسوف نغادر. في البداية كنا نعد أنفسنا غير معنيين بالإنذار، لكننا الآن معنيون»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبات الحيّ الذي تقطنه غالبية من المسيحيين الذين يحاولون البقاء بمنأى عن الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، ويعجّ خلال أشهر الصيف بالسياح والزوار، فارغاً، بينما كان بعض المتأخرين يضعون حقائبهم في سياراتهم استعداداً للخروج بدورهم.

وتتعرّض صور، المدينة الساحلية التي تعدّ من كبرى مدن جنوب لبنان، وتضم آلاف النازحين من القرى المجاورة، لضربات إسرائيلية واسعة منذ بدء الحرب، لم يحدّ منها الإعلان عن وقف لإطلاق النار في 17 أبريل (نيسان).

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وشكّلت الحارة المسيحية خصوصاً، طوال أسابيع، ملجأً للنازحين الذين أمضى بعضهم أيّامه ولياليه في السيارات وعلى الأرصفة أو في محلّات تجارية.

وأضاف بربور متحسّراً: «ما ذنبنا؟ ماذا نفعل؟... من أجل ماذا؟».

ويؤكد الرجل أنه سوف يذهب إلى منزل شقيقته في العاصمة «لعدة أيام لنرى ما سيحدث».

خلفه، رست قوارب الصيادين بمحاذاة الأرصفة الضيقة للحيّ القديم. أما المطاعم والمقاهي التي تتسّم بطابع تقليدي، فقد أغلقت أبوابها وهجرها روادها.

وبُعيد الإنذار الإسرائيلي، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية عن ضربات إسرائيلية على المدينة ومحيطها.

وكانت ضربة إسرائيلية قد تسبّبت قبل يومين بأضرار في معلم أثري قديم يعود لآلاف السنين.

وتسبّبت ضربة إسرائيلية أخرى سبقت التحذير الإسرائيلي في مقتل 8 أشخاص في المدينة، وفق وزارة الصحة.

صورة تُظهر حطاماً في أعقاب غارات جوية إسرائيلية بالقرب من الموقع الأثري لميدان سباق الخيل الروماني في مدينة صور جنوب لبنان 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

99 في المائة من الحي بات فارغاً

ونشر المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على منصة «إكس» الثلاثاء «إنذاراً عاجلاً إلى سكان مدينة صور - بما فيها الحارة المسيحية - والمخيمات (الفلسطينية) والأحياء المحيطة بها».

وأضاف: «حرصاً على سلامتكم، ندعوكم إلى إخلاء منازلكم فوراً... والانتقال شمالاً إلى ما وراء نهر الزهراني»، أي على مسافة نحو 40 كيلومتراً من الحدود.

وبرّر ذلك بوجود «عناصر (حزب الله) أو منشآت أو وسائل قتالية» بالقرب منهم، ما «يعرّض حياتكم للخطر»، متهماً عناصر من الحزب «بالعمل داخل الحي المسيحي في المدينة».

وقال عضو مجلس بلدية صور وليد الطويل إنه بُعيد الإنذار «فرغت الحارة (المسيحية)... بنسبة 99 في المائة، وبقي عدد قليل من الأشخاص».

وأضاف أن غالبية الناس توجهوا إلى بيروت وصيدا التي تقع شمال نهر الزهراني.

أما من لا يملكون مكاناً يلجأون إليه، فجلسوا بسياراتهم على الكورنيش البحري بمحاذاة شاطئ المدينة الرملي الذي يزدحم خلال أشهر الصيف عادة بالزوار.

عند مدخل مدينة صيدا الواقعة إلى الشمال من صور، شاهد مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أشخاصاً وصلوا من صور، منهم من حزم أمتعة فوق سيارته.

ونصب بعض النازحين خيماً على أرصفة المدينة على غرار أحمد حيدر الذي قال: «اليوم هدّدوا الحارة المسيحية... عندما حصل التهديد، خفنا ورحلنا... هدّدوا منطقة صور بأكملها. لم يعد هناك أمان مطلقاً».