قبل أسبوع من الآن كتبتُ مقالاً بعنوان «اجتماع صعب على أوبك»، ولم يتغير شيء منذ ذلك الوقت حتى صباح الأمس، قبل انتهاء اليوم الثاني للاجتماع الوزاري لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) ونظرائهم من خارج المنظمة الأعضاء في تحالف «أوبك+».
لقد كان الاجتماع صعباً للغاية، بغض النظر عن نتيجته، والتي كانت إيجابية للسوق؛ وغير مرضية لكثير من الدول المستهلكة مثل أميركا... حيث تفاجأ الجميع بتخفيض قدره 1.2 مليون برميل يوميا بدلا من الاتفاق المبدئي يوم الخميس على مليون برميل، وهي كمية لم تكن لترضي السوق، ولن تساهم في رفع الأسعار في الفترة المقبلة لأن السوق يريد 1.3 إلى 1.5 مليون برميل يومياً، وهي كمية لم تكن أوبك تريد الوصول لها رغم سهولة هذا الأمر، والسبب يعود في ذلك إلى اعتبارات غير اقتصادية. وسبق وأن ذكرت هذه العوامل غير الفنية في المقال السابق.
ومع هذا ليس من المستغرب أن نرى هبوط أسعار النفط في الفترة القادمة، إذا ما واصلت الولايات المتحدة (التي أصبحت الآن مصدرا صافياً للمواد البترولية عامة) زيادة إنتاجها فوق المستويات الحالية، ما لم تلتق أوبك مجدداً لمناقشة تخفيضات أكبر في الربع الأول من 2019.
والذي يتابع تفاصيل الاجتماع على مدى الأيام الماضية، يكتشف أن روسيا أصبحت لديها نفوذ كبير داخل «أوبك»، وليس فقط داخل تحالف «أوبك+»، فمن دون الروس من الصعب أن تجتمع «أوبك» على كلمة هذه الأيام، خصوصاً إيران التي لا تستمع إلا إلى روسيا. وكان هذا جلياً في الاجتماع الذي عقده وزير الطاقة الروسي ألكساندر نوفاك مع وزير النفط الإيران بيجن زنغنه بالأمس في مبنى المنظمة لإقناع إيران بالانضمام إلى اتفاق خفض الإنتاج، وحتى لو بصورة متواضعة أو رمزية.
وحاول وزير الطاقة السعودي خالد الفالح إقناع إيران بالمشاركة في التخفيضات خلال اجتماع «أوبك» الوزاري يوم 6 ديسمبر (كانون الأول)، ولكنه لم يستطع، إذ إن التوترات السياسية بين البلدين إضافة إلى عوامل فنية أخرى جعلت الحديث بين الوزيرين غير مثمر.
والسؤال الذي أسأله الآن هو: إلى متى ستظل «أوبك» تعيش هذه الفوضى؟ وإلى متى ستستمر في اتخاذ الخطوات الصحيحة فقط تحت الضغوط في حالة هبوط الأسعار؟ وهو ما جعلها، بحسب المثال الذي قاله الراحل روبرت مابرو «كيساً للشاي... لا يعمل إلا في الماء الحار».
الوقت يجري بسرعة، والسنوات تمضي، ولا تزال «أوبك» اليوم (رغم كل الإنجازات التي تم تحقيقها) منظمةreactionary) ) تتعامل فقط مع ردات الفعل، ولكنها لا تستبق ولا تخطط للمدى البعيد.
يؤسفني جداً أن أرى «أوبك» إلى اليوم لا تأخذ الأمور بجدية إلا في حالة هبوط الأسعار إلى مستويات متدنية جداً وغير مقبولة. على كل حال لا يوجد جديد؛ فالطريقة التي تُدار بها الأمور في العديد من دول «أوبك» لا تختلف كثيراً عن إدارة المنظمة؛ فسواء كنا أفراداً أو جماعات أو منظمات أو شركات فالوضع تقريباً هو نفسه، إذ ينتظر الجميع ويسوِّف، انتظاراً لأن تحل الأمور نفسها بنفسها أو يحصل شيء كبير يدفع الجميع إلى العمل بشدة لتجاوزه.
في عالم «أوبك»، هناك فجوة كبيرة بين المأمول والواقع... وهذه الفجوة سدتها روسيا مؤقتاً، وستظل تسدها حتى يصبح هناك وضوح في آلية العمل واتخاذ القرار في «أوبك».
ولكن على «أوبك» أن تتنبه وتخرج من الصندوق المظلم الضيق الذي تعيشه وتنظر إلى العالم من حولها بواقعية أكبر؛ فمن جهة هناك ضغط سياسي أميركي لفرض قانون «نوبك» NOPEC)) الذي يهدف إلى تصنيف «أوبك» كمنظمة احتكارية (كارتل) تتلاعب في أسعار النفط... وهذا القانون الذي لا أحد يعلم تحديداً مدى قدرة المشرعين في الولايات المتحدة على فرضه، إذ تم رفضه في 2007 من قبل الرئيس السابق جورج بوش الابن، سيسمح لأميركا بمقاضاة «أوبك» ودولها بتهمة الاحتكار.
وعلى الجانب غير السياسي، يزداد الآن الطلب على المصادر المتجددة وعلى السيارات الكهربائية، وهو ما سيجعل قطاع النقل تحت ضغط كبير، وهو من أهم القطاعات المستهلكة للنفط، إذ يذهب إليه نحو 55 في المائة من إنتاج العالم اليومي لتلبية الطلب المتنامي على الوقود. وحتى في هذا الجانب هناك ضغط سياسي أوروبي كبير لزيادة نسبة السيارات الكهربائية بشكل كبير من خلال التشريعات المختلفة، ووقف مبيعات السيارات العادية خلال عشر سنوات من الآن.
ووسط كل هذه التحديات، متى ستستيقظ «أوبك» وتدرك أن بقاءها ليس قائماً على أسعار النفط، بل على تأثيرها وتأثير دولها على مستقبل صناعة الطاقة وعلى الاقتصاد العالمي، في ظل المتغيرات الكثيرة المتسارعة.
ونعود إلى الأمس للحديث مجدداً عن اجتماع «أوبك» في فيينا. لقد كان من الصعب إقناع بعض دول «أوبك» بالمشاركة في اتفاقية تخفيض إنتاج تحالف «أوبك+» بواقع مليون برميل يومياً، حصة «أوبك» منها لا تزيد على 650 ألف برميل يومياً، وهي كمية سهلة جداً تستطيع «أوبك» تخفيضها دون أي نزاعات.
ولكن كل شيء الآن أصبح يعتمد على قرارات روسيا، التي ملأت الفجوة الكبيرة الواضحة في «أوبك»، وهذا دليل على أن بقاء «أوبك» سيعتمد بشكل كبير على بقاء روسيا في تحالف «أوبك+». الإشكالية هنا أن آلية العمل مع الروس مختلفة؛ فهناك الشركات النفطية التي تُسهِم في القرار النفطي، وتوجهات الأسعار للدولة الروسية ليست متطابقة مع دول «أوبك».
إن ما يبقي روسيا في التحالف هو إدراك موسكو أنه دون «أوبك» سيكون صعباً أن تستقر السوق النفطية، وكل منتجي النفط في العالم يريدون سوقاً نفطية مستقرة. أما «أوبك» فهي تريد أشياء كثيرة جداً، ولكن مما أراه فإن جاهزية «أوبك» الداخلية المؤسساتية والتنظيمية لا تساعدها على التطور، وستظل تلعب دوراً تقليدياً في سوق متغيرة وعالم متغير يريد دفن «أوبك» حية.
8:19 دقيقه
TT
روسيا عرّاباً لـ«أوبك»!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
