التحولات في الخليج (2): تناقضات صارخة في مركز السياسة الأميركية تجاه إيران

التحولات في الخليج (2): تناقضات صارخة في مركز السياسة الأميركية تجاه إيران

الاثنين - 18 رجب 1434 هـ - 27 مايو 2013 مـ
أمير طاهري
طرح الكاتب امير طاهري في حلقة اول من امس من سلسلة مقالاته حول «التحول في الخليج» السؤال التالي «ما الذي ينبغي فعله تجاه مشكلة العراق؟». وقال ان هناك ثلاثة بدائل للتعامل مع هده المشكلة، اهمها التخلي عن خطة اقصاء الرئيس العراقي صدام حسين ووضع خطة بديلة لذلك. ويرى ان نظام بغداد يبحث عن انتصار دبلوماسي وليس تسوية تحل المشكلة. وفي حلقة اليوم يتحدث الكاتب عن ايران وتناقضات السياسة الاميركية تجاه طهران. وفي ما يلي الحلقة الثانية.
عندما وصل المخرج الايراني جعفر باناهي الى مطار كنيدي في نيويورك قبل ايام لم يكن يتخيل ماذا يمكن ان يحدث له. فهو الفائز بواحدة من اهم الجوائز السينمائية في الولايات المتحدة، كما ان احدث افلامه «الدائرة» يعرض في عدد كبير من دور السينما في نيويورك وسط مديح كبير من النقاد والمشاهدين على حد سواء.

وكان باناهي قد وصل الى مطار كنيدي راكب ترانزيت من هونغ كونغ في طريقه الى ليما عاصمة بيرو. ومن الناحية التكنيكية، لم يكن يرغب في دخول الولايات المتحدة. كل ما كان يريده هو تغيير الطائرة. وبالرغم من ذلك تم تقييده بالاغلال ونقل الى مركز احتجاز تحت حراسة الشرطة. وبعد ساعات من الحوار الساخن مع الشرطة الذين اوضحوا ان جوازه الايراني يجعله ارهابيا مشتبها فيه، تم وضعه في طائرة متجهة الى هونغ كونغ.

وفي الوقت الذي كان يجري فيه كل ذلك، كانت مجموعات كبيرة من الراقصين الشعبيين الايرانيين والموسيقيين والفنانين يتدفقون على الولايات المتحدة للمشاركة في سلسلة من الحفلات والمعارض. وكان برنامج النشاط الايراني في شهر مايو (أيار) وحده يتضمن 80 حفلا. ومن بين تلك الحفلات العرض الاول العالمي لباليه جديد مقتبس من ملحمة الشاهنامة (كتاب الملوك) وكانت امبراطورة ايران السابقة فرح ديبا ضيفة الشرف. كما اقيمت سلسلة من المباريات الرياضية الودية بين الرياضيين الايرانيين والاميركيين. وقد رعت تلك الاحتفالات مجموعة من شركات النفط الاميركية الكبرى، بما فيها اكسون وموبيل.

ان ما حدث في مطار كنيدي والنشاط الايراني الكبير في الولايات المتحدة يكشف عن التناقضات في مركز السياسة الاميركية تجاه ايران.

والغريب في الامر انه لا يوجد نقص في الخبرة تجاه ايران في الادارة الاميركية الجديدة. فديك ارميتاج، الرجل الثاني في وزارة الخارجية، خدم في ايران ويعتبر خبيرا في الشؤون الايرانية. كما ان وزير الدفاع دونالد رامسفيلد يعتبر خبيرا ايضا ولديه العديد من الاصدقاء الايرانيين، كما ان نائب وزير التجارة الاميركي فيردون شيرزاد وهو ايراني الاصل ولديه شبكة من الاتصالات في طهران. وتضم قائمة المساهمين لحملة الرئيس جورج بوش الانتخابية اسماء 12 من رجال الاعمال الايرانيين بين كبار المتبرعين. وفي الشهر الماضي ضم الرئيس بوش آية الله حسن قزويني وهو ملاّ شيعي يعيش في اوهايو ضمن مستشاريه في القضايا الدينية.

كما ان ايران موضوع اساسي بين ا2.2 مليون ايراني يعيشون في الولايات المتحدة. العديد منهم حصلوا على الجنسية الاميركية ويمارسون نشاطا في السياسة الاميركية، الكثير منها الى جانب الحزب الجمهوري.

كما ان العديد من شركات النفط الاميركية تهتم بملف ايران اهتماما كبيرا. فنائب الرئيس ديك تشيني، الذي كان يرأس شركة معدات نفطية كبيرة حتى نهاية العام الماضي، يعتبر ايضا من خبراء الشؤون الايرانية. ففي شهر يونيو (حزيران) الماضي ابلغ مؤتمر النفط العالمي في كندا بضرورة رفع العقوبات المفروضة على ايران فورا بحيث يمكن لشركات النفط الاميركية العودة والمساهمة في تطوير قطاعي النفط والغاز. ان مصالح واشنطن في ايران متعددة. فإيران هي مصدر اساسي من مصادر الطاقة. فهي تملك 10% من احتياطي النفط العالمي بالاضافة الى ربع احتياطات الغازات الطبيعية في العالم. ومع اقتراب عدد السكان من 70 مليون نسمة فهي اكبر سوق محتمل للولايات المتحدة في المنطقة.

كما ان ايران مهمة لأسباب جيو استراتيجية. فقد منع موقفها المعادي لاميركا في السنوات الاخيرة حل ازمات في آسيا الوسطى وافغانستان وعبر القوقاز. كما ان نفس الموقف منع تشكيل سياسة مشتركة للتوصل الى تغييرات في نظام العراق. كما ان ايران دعمت هؤلاء الذين يعملون ضد عملية السلام التي تحظى بالدعم الاميركي بين اسرائيل وجيرانها العرب.

لقد أسست ادارة كلينتون سياستها بخصوص ايران على دعم مستمر من الرئيس محمد خاتمي ومعسكره «الاصلاحي». وقد ظهر ذلك عبر مجموعة من الاجراءات تشمل الغاء بعض العقوبات التجارية ضد ايران. كما خفف كلينتون قانون العقوبات على ايران/ ليبيا ورفض اتخاذ اجراءات ضد شركة «توتال» الفرنسية للنفط التي قررت الاستثمار في قطاع الطاقة الايراني. كما تبادل كل من خاتمي وكلينتون سلسلة من الاشارات الفردية عبر عدة مقابلات تلفزيونية منفصلة.

واوضح صمويل بيرغر مستشار الرئيس لشؤون الامن القومي ان «سياستنا كانت تهدف الى التعامل مع ايران بطريقة ايجابية. لقد كان اعتقادنا ان النظام الحالي في ايران سيستمر لفترة وانه من مصلحتنا المساهمة في تهذيب اطرافها الحادة.

الا ان الادارة الجمهورية الجديدة تميل الى موقف اكثر تشددا ضد النظام الايراني الحالي.

وحتى قبل ان يؤدي بوش اليمين الدستورية نشب جدل حاد حول ايران داخل القيادة الجمهورية. فقد كانت بعض الشخصيات المهمة في الادارة الجديدة تريد اعادة اعتبار السياسة الايرانية كأولوية.

وذكر مستشار كبير للادارة الجديدة «ان النظام الايراني ضعيف للغاية. فالاقتصاد في حالة فوضى والشباب في حالة ثورة. ويجب على الولايات المتحدة الاعتماد على النظام المقبل في ايران بدلا من التوصل الى اتفاقات مع هؤلاء الذين هم في طريقهم للزوال».

وقد تم تأجيل النظر في الامر عندما أقنع وزير الخارجية الاميركي كولين باول الجميع بالانتظار الى ان تنتهي انتخابات الرئاسة الايرانية الجديدة في 8 يوينو القادم.

وتتلخص وجهة نظر باول في ان ايران تنطلق من خبراتها الثورية ويجب اعطاؤها الفرصة لاعادة تنظيم نفسها وتنظيم سياسات جديدة. وهو مهتم بعدم التدخل في الصراعات الحزبية الايرانية التي يعتبرها «صحية، وإن كانت طريقة غريبة لتطوير نظام تعددي» في ايران.

وقال باول أخيرا امام مجموعة من الايرانيين الاميركيين «يجب ان نكون على استعداد للتعامل مع اية جماعة يمكن ان تفرض اجندتها في ايران».

واضاف قائلا «ليس من مسؤولية الولايات المتحدة تحديد من هو الاصلاحي ومن هو ليس كذلك».

ان سياسة باول، بكلمة اخرى، هي سياسة «راقب وانتظر». فهو يعتقد ان ايران ليست في موقع يسمح لها بالإضرار كثيرا بالمصالح الاميركية في المنطقة، ويمكن لواشنطن الانتظار حتى تحل طهران مشاكلها.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة