أفغانستان حرب لا تنتهي مخاض أفغانستان (7): فندق إنتركونتيننتال.. شاهد على تاريخ أفغانستان

أفغانستان حرب لا تنتهي مخاض أفغانستان (7): فندق إنتركونتيننتال.. شاهد على تاريخ أفغانستان

كان مقرا لقيادة الروس ثم قوات مسعود إلى أن احتله «الأفغان العرب» ورجال بن لادن في عهد طالبان
الثلاثاء - 17 ذو الحجة 1431 هـ - 23 نوفمبر 2010 مـ
كان مقرا لقيادة الروس ثم قوات مسعود إلى أن احتله «الأفغان العرب» ورجال بن لادن في عهد طالبان
محمد الشافعي
عند الحدود الغربية للعاصمة الأفغانية كابل يقف بين تلين تذكارا للتطلعات التي كانت تصبو إليها المدينة بأن تصبح وجهة حضارية تجتذب سائحين من جميع أنحاء العالم.. على مدار أكثر من 40 عاما ظل فندق إنتركونتيننتال، الذي يطل على المدينة الصاخبة وشمالا على جبال هندو كوش التي تغطيها الثلوج، شاهدا على الأحلام التي لم تتحقق. وطيلة هذه الفترة كان شفيع الله رحماني شاهدا على التاريخ. ويقع فندق إنتركونتيننتال على هضبة في الجزء الغربي من كابل خارج وسط المدينة على بعد نحو 1.5 كلم عن سفارة بريطانيا.
رحماني كان مدير الفندق أيام الحركة الأصولية، وقبل أن تصل طالبان إلى حكم أفغانستان كانت هناك حفلات راقية تقدم فيها الشمبانيا إلى نساء يرتدين لباس بحر من قطعتين يستلقين بجوار حوض السباحة في السبعينات، وصولا إلى الغزو السوفياتي وفوضى الحرب الأهلية وصعود وسقوط طالبان ووصول القوات الأميركية. والأسبوع الماضي في طريقي إلى لقاء الملا عبد السلام ضعيف سفير طالبان الأسبق في إسلام آباد قبل اعتقاله بعد سقوط الحركة الأصولية، في منزله في خوشحال غرب كابل، اتصلت به عبر الجوال لأذكره بالموعد الذي ضربه لي في الحادية عشرة صباحا، ولكنه اعتذر بشدة عن الموعد، وقال إن لديه اجتماعات في المنزل حتى الساعة الرابعة وطلب مني أن آتي إليه في الساعة الرابعة عصرا، ولم يكن أمامي سوى الذهاب إلى فندق إنتركونتيننتال القريب الموجود على ربوة عالية، وكنت قد نزلت فيه أيام الحركة الأصولية، وشتان ما بين العهدين، ففي أيام طالبان، كان الفندق يعج بالأفغان العرب من كل الجنسيات ورجال بن لادن،، وكانت أسعاره في متناول الجميع، وقد أرشدني إليه الملا محمد قاسم حليمي مدير بروتوكول الملا محمد عمر، وهو خريج الأزهر، ويتحدث العربية بطلاقة، ويتولى اليوم منصبا مهما في المحكمة العليا «سترة محكمة» وعندما ذهبت للسؤال عنه، علمت أنه ذهب إلى الأراضي المقدسة لأداء الركن الخامس من شعائر الإسلام، وكان الفندق أيام طالبان في حالة يرثى لها، فمعظم غرفه كانت شاغرة، وفي كل غرفة سجادة صلاة ومسبحة وشمعة بسبب كثرة انقطاع الكهرباء، ولا توجد في الغرف إبان ذلك هواتف أو تلفزيونات حيث منع البث التلفزيوني بأمر مباشر من الملا محمد عمر حاكم الحركة المخلوعة، وكان من النادر رؤية مواطنين أجانب أو من المنظمات الدولية بين أركانه، ولم يكن فيه تدفئة أو مياه ساخنة، أو ستائر تغطي الجدران والنوافذ، وكان الفندق في أيام الشتاء بسبب وجوده فوق ربوة عالية بدون أجهزة تدفئة أشبه بالمبيت داخل ثلاجة، أما اليوم فإن الفندق يضاهي الفنادق العالمية من طراز خمسة نجوم، تلمع أرضياته وأجنحته من كثرة النظافة، وبه غرف اجتماعات ومطاعم حديثة، وزبائنه من موظفي المنظمات الدولية والمقاولين الجدد، واعتبر الفندق قبلة وسائل الإعلام الغربية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي مرت بها أفغانستان، ولا يزال فندق إنتركونتيننتال الذي بني على الطراز السوفياتي على سفح جبل الهندو كوش غرب كابل، يحتضن الصحافيين في قاعات المحاضرات والمقاهي والأروقة. وتدور أغلب الندوات الصحافية في الفندق مثل اجتماعات اللجنة الانتخابية المستقلة، ومراقبي الانتخابات من الاتحاد الأوروبي، المعهد الجمهوري العالمي، وحتى اجتماعات المعهد الوطني الديمقراطي.

ويتنقل أغلب الصحافيين بغض النظر عن جنسياتهم بين قاعات المؤتمرات وينتهزون الفرص التي تسنح لهم لمحاورة المراقبين الدوليين والدبلوماسيين الغربيين الموجودين في أروقة النزل. ويتميز إنتركونتيننتال بأجوائه المنعشة حيث تتوفر أغلب غرفه على مكيف مما يجعلها قطعا أفضل من الأجواء الخارجية التي تغلب عليها الحرارة المرتفعة والأتربة والتوتر الذي يميز أصلا ما يدور من أحداث في الشارع الأفغاني. لكن بدأ الصحافيون يفقدون صبرهم بعد أن اعتبر تجميعهم في هذا المبنى انتصارا ديمقراطيا حققه الأفغان قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة. ومرد هذا الحنق معاينة الصحافيين لحقائق تدعو للتساؤل بخصوص هذه الانتخابات كغلبة عدد المراسلين على عدد الناخبين في مكاتب التصويت في كابل. وكذلك تعرضهم لخطر القذائف قرب مكاتب الانتخاب، وملاحظتهم غياب المراقبين الدوليين حين وقع إحصاء الأصوات بعد غلق مكاتب الاقتراع. ويعلم كل الصحافيين أن الإجراءات الأمنية المشددة على تنقلات الأوروبيين تمنع سهولة التنقل إلى باقي مناطق البلاد. ويتذكر العاملون بالفندق موافقة سلطات حركة طالبان على فتح مسبح عمومي في العاصمة الأفغانية كابل لأول مرة منذ عشر سنوات، باعتباره كان نصرا مبينا بالنسبة للشباب وسط لهيب الصيف. وفيما كانت تحظر حركة طالبان، العديد من النشاطات الترفيهية في البلاد، فقد سمحت للرجال فقط بزيارة المسبح الذي أعيد ترميمه في فندق إنتركونتيننتال. واشترطت السلطات على السابحين ارتداء ملابس سباحة تصل إلى الركبة، ومنعت الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر من القفز إلى الماء. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب نجاح إدارة المسبح في إقناع السلطات بأن افتتاح المسبح لا يتعارض والتعاليم الإسلامية، وأنه يمكن أن يساعد في جذب سياح أجانب لمدينة كابل. يذكر أنه كان في كابل عشرة مسابح على الأقل قبل نشوب القتال بين حركة طالبان وقوات تحالف الشمال التي كان يقودها أحمد شاه مسعود، الذي اغتالته «القاعدة» قبل يومين من هجمات سبتمبر (أيلول). لكن معظمها أغلق إلى جانب العديد من المرافق الرياضية بعد أن أحكمت حركة طالبان سيطرتها على البلاد. وسمحت سلطات طالبان أيضا بممارسة لعبة كرة القدم، ولكن حددت ذلك في الفترة الواقعة بين الرابعة صباحا وشروق الشمس فقط. ويقول موظفو الفندق إن البهو الرئيسي لم يتغير كثيرا منذ افتتاح الفندق في عام 1969: «كان جميلا في وقت ما، كانت هناك متاجر للحلي تبيع الألماس والذهب وشركة سياحة ومطعم بامير في الطابق العلوي. كان الملهى الليلي مكتظا دائما. ويتذكر أحد عمال الفندق فترات سابقة حين كان الفندق يقيم احتفالات ضخمة بمناسبة رأس السنة في قاعة الرقص. وبدأ رحماني العمل في الفندق كنادل في عام 1969 وكان عمره 16 عاما. ثم واصل الترقي ليصبح كبير الجرسونات ثم مدير المطعم والمدير المسؤول عن الأغذية والمشروبات وفندق إنتركونتينتال كان في أوج أيامه في السبعينات عندما كان أوروبيون أثرياء يحضرون إلى أفغانستان وكانوا يقيمون في الفندق بين رحلاتهم إلى تمثالي بوذا في باميان أو الجبال في الشمال أو المدن القديمة مثل جلال آباد. وكان حوض السباحة مزدحما دائما برجال ونساء يسبحون معا فيما تسمع صيحات اللاعبين من ملاعب التنس. وفي المساء كان رواد الفندق ينزلون وهم في أبهى زينتهم إلى قاعة نوريستان لتناول المشروبات قبل العشاء. كما ترددت على الفندق أعداد كبيرة من الشخصيات الهندية البارزة ورؤساء سابقون وسفراء أجانب.

وكان عصرا ذهبيا لم يدم طويلا. وحلت التغيرات الهائلة مع الغزو السوفياتي في أواخر 1979 مع تدفق عشرات الآلاف من القوات الأجنبية علي البلاد إثر سلسلة من الانقلابات الفاشلة والمؤامرات والتمرد الدموي. وعقب الغزو استبعدت مجموعة إنتركونتيننتال كابل من سلسلة فنادقها رغم أن الفندق لا يزال يحتفظ باسمه. وانتهى به الحال بأن استغله الجيش السوفياتي مقرا لقواته، وسريعا ما قل عدد السائحين الأجانب. ويتذكر كبار السن من العاملين في الفندق أن المنتجع ظل مزدحما لكن بالقادة العسكريين السوفيات. كانوا يحتسون الفودكا ولكن ظل الفندق يحقق مكاسب لأنهم كانوا يسددون الفواتير. وبعد عشر سنوات رحل الروس وبدأ عهد جديد مع الاقتتال بين أمراء الحرب من المجاهدين الأفغان الملتحين عقب الإطاحة بالنظام الشيوعي للرئيس محمد نجيب الله. ويقول رحماني عن تلك الفترة إنها كانت سيئة جدا، وذكر كيف سيطرت مجموعة من المجاهدين على أجزاء من كابل تقع إلى الغرب من الفندق بينما سيطرت مجموعة أخرى يقودها أحمد شاه مسعود على الفندق ومعظم المناطق المتبقية من المدينة.

وكانت طلقات الرصاص والصواريخ تتطاير.. كنا محاصرين. قتل مدير بالفندق في مكتب الاستقبال. وحسب الإحصائيات قتل 15 أو 16 من العاملين في الفندق في اقتتال حروب المجاهدين. وأنهى بزوغ نجم أمراء الحرب الحفلات التي تقدم فيها مشروبات روحية وواجه الفندق أوقاتا أكثر صعوبة. ومع سيطرة طالبان على كابل في عام 1996 تفاقمت الأوضاع الصعبة بالفعل. وتعين على الشيخ رحماني أن يطلق لحيته ويرتدي جلبابا تقليديا بدلا من السروال والقميص. وأضاف: كانت لحيتي أطول من قبضتين حسب الشريعة الإسلامية، (مشيرا إلى صدره) وارتديت عمامة، مخططة باللونين الأبيض والأسود.

وكان حكم طالبان حقبة متشددة وشحيحة، إذ تردد على الفندق عدد قليل من الصحافيين الأجانب ولكن معظمه كان خاويا. ومن الأحداث التي يتذكرها مجيء عدد من أتباع أسامة بن لادن في أحد الأيام وأغلقوا حوض السباحة لمدة يوم ليستأثروا به لأنفسهم. وشاهدت في الفندق عددا غير قليل من الأفغان العرب وكانوا لا يرتاحون إلى الصحافيين، ويبتعدون عنهم. وحين جاءت القوات الأميركية والأفغانية وأطاحت بحركة طالبان من السلطة عام 2001 كان أول ما فعله رحماني حلق لحيته. وتحسنت الأحوال مع توافد عدد أكبر من الصحافيين والدبلوماسيين والمغامرين واستثمرت شركة إماراتية في الفندق وطورته. بعد 9 سنوات من إطاحة حركة طالبان الإسلامية المتشددة من الحكم في أفغانستان، تغيرت الكثير من المظاهر الاجتماعية والثقافية، وباتت أفغانستان أكثر انفتاحا على العالم الخارجي، فقد انحسر البرقع الأفغاني الشهير لصالح الحجاب الذي انتشر مثل النار في الهشيم في أنحاء العاصمة الأفغانية على رؤوس طالبات الجامعة ومسؤولات العمل النسائي والمنظمات الحقوقية. وهناك كثير من الحقوق نالتها النساء في أفغانستان بعد الإطاحة بنظام طالبان الأصولي المتشدد منذ 9 سنوات، ومن بينها حرية الخروج في الشارع والأماكن العامة بدون مرافقة أحد رجال الأسرة، مثل الأخ أو الأب أو الزوج».

وكابل الجديدة تتغير بسرعة صواريخ هوك وكروز على إيقاع أميركي سريع وصوت أوروبي خافت. وفي أحياء شيربور بالقرب من وسط العاصمة وكردي بروان جنوب كابل، هناك حضور كبير لجنرالات الحرب يتمثل في العمارات الشاهقة ذات الواجهات الزجاجية الزرقاء والفيلات الفخمة، والأرض تعود للحكومة، لكن أمراء الحرب استولوا عليها في غفلة من الزمن بعد سقوط طالبان.

وبعد سقوط طالبان وقدوم الآلاف من جنود القوات الدولية باتت كابل مدينة صاخبة تعج بعدد متزايد من السيارات، التي لا تتسع لها الشوارع الضيقة والأسواق المليئة بالسلع والمنتجات.

وكابل الجديدة تشهد اليوم انقلابا في الظروف العامة، التي تمر بها، فبدلا من أيام طالبان، التي كانت تحظر التجول ليلا، وتفرض ارتداء البرقع على النساء وتمنع التدخين وتعليم البنات، وتحظر أيضا اقتناء أجهزة التلفزيون والاستماع إلى الموسيقى، ينتشر في شوارع منطقة «شهرانو» وتعني «المدينة الجديدة» وسط العاصمة الأفغانية، بنات جميلات متبرجات من جورجيا وبكين وتايلاند يرتدين الجينز ويتدثرن بالشادر الأفغاني من الحرير، كنوع من الموضة الجديدة. وترحب العاصمة كابل اليوم بزوارها الأوروبيين من الدبلوماسيين وموظفي المنظمات غير الحكومية، وممثلي الهيئات الدولية، والأفغان أنفسهم في أحاديثهم الخاصة لا يتحسرون على أيام الملا عمر حاكم حركة طالبان المخلوعة، الذي حرم عليهم متع الحياة وفرض عليهم معيشة قاسية من القرون الوسطى.

وفي كابل تختفي المطاعم التي يرتادها عدد كبير من المقاولين والمسؤولين والصحافيين الأجانب لبيعها الخمور وراء جدران مبان لا تحمل أية علامات مميزة. وفي أحد المطاعم يضطر الرواد إلى مغادرته قبل منتصف الليل ليتبدد الشعور بتمضية أمسية بشكل طبيعي، وأمام مطعم تافرنا دي لوبان بحي وزير أكبر خان، الذي يديره لبناني درزي الأصل هناك عدد غير محدود من الحراس الأشداء، لحماية الزبائن من موظفي المنظمات الدولية من غدر الإرهابيين.

وفي الآونة الأخيرة انتقلت ملكية فندق إنتركونتيننتال للحكومة ووعدت بمزيد من التحسينات. وافتتح فندق آخر خمسة نجوم بوسط كابل ينافس إنتركونتيننتال الذي بدأ نجمه يخبو. وهناك عدد آخر من الفنادق الفخمة في كابل مثل سرينا هوتيل، وصافي لاند مارك هوتيل الذي يعود إلى الحاج عبد القدوس أحد قادة المجاهدين وهو رجل أعمال ناجح يمتلك شركة طيران أيضا تحمل اسم «صافي إير» لا تتوقف طائراتها عن السفر يوميا إلى دبي ذهابا وعودة. وهناك أيضا فندق هيتال بلازا في حي وزير أكبر خان وهو فندق مؤمن بشكل جيد ينزل فيه الحراس الأجانب وموظفو الشركات الدولية، ويعود الفندق إلى نجل الشيخ برهان الدين رباني رئيس حكومة المجاهدين الأفغان ورئيس لجنة المصالحة مع طالبان.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة