خصخصة المطارات... ترف أم ضرورة؟

خصخصة المطارات... ترف أم ضرورة؟

الاثنين - 22 ذو القعدة 1438 هـ - 14 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14139]
د. عبد الله الردادي
باحث سعودي متخصص في الإدارة المالية
مع زيادة حركة النقل والسفر العالمية بين دول العالم، تغيرت النظرة التقليدية إلى المطارات بصفتها مرافق عامة تخدم المسافرين لهدف السفر، وتحولت تدريجياً إلى مشاريع استثمارية بإمكانها أن تصبح مصدراً للدخل، بعد أن كانت استنزافاً له. بدأت خصخصة المطارات في العالم من مطار هيثرو بريطانيا في بداية الثمانينات، وتلتها كندا في منتصف التسعينات. وتدريجياً، بدأت الدول في خصخصة مطاراتها، سواء بشكل جزئي أو كلي، حتى أصبح نصف سعة المطارات في أوروبا مملوكاً للقطاع الخاص، وما زالت هذه الخصخصة في ازدياد في الدول الأوروبية. فعلى سبيل المثال، لا تزال الحكومة الفرنسية تملك جزءاً من مطار باريس، إلا أن الرئيس الفرنسي ماكرون قد صرح أخيراً برغبته في بيع المطار بالكامل. ومع هذا التوجه العالمي، حذت دول أميركا اللاتينية أخيراً حذو المطارات الأوروبية في خصخصة مطاراتها، وذلك بهدف تطوير المطارات، في حين لم تتوجه الدول الآسيوية، أمثال الصين والهند، إلى الخصخصة.
وكما هي أهداف الخصخصة بشكل عام، تهدف خصخصة المطارات إلى تحويل المطارات إلى مؤسسات ربحية، وتشير الإحصائيات إلى أن ثلثي مطارات العالم في الوقت الحالي غير مدرة للأموال، وأحد أسباب هذه الخسائر الملكية الحكومية للمطارات، التي تركز على الخدمة العامة أكثر من تركيزها على الربح المادي، وهي ميزة للملكية الحكومية بلا أدنى شك. ويأتي توجه الحكومات إلى خصخصة المطار بهدف إيجاد مصادر تمويل للتوسع في هذه المطارات. وأثناء الأزمة المالية الأخيرة، قامت الحكومة الإسبانية بخصخصة 49 في المائة من مطاراتها لهذا الهدف.
ولا تعني خصخصة المطارات بيعها بالكامل بكل حال، كما هو شائع بين المعارضين لهذا التوجه، فقد يكون البيع جزئياً، وذلك بمنح عقود استثمارية وتشغيلية لأجزاء من المطار. وعلى المستوى العالمي، تشكل العوائد التجارية (غير المشتملة على ضرائب وحقوق الطيران) أكثر من 40 في المائة من عوائد المطارات العالمية، وهو ما يزيد على 60 مليار دولار. وتأتي هذه النسبة من الاستثمارات، مثل مواقف السيارات، وتأجير السيارات، والمراكز التجارية في المطارات، وهو ما يصف في صالح مناصري خصخصة المطارات بكل تأكيد.
ولخصخصة المطارات منافع تميزها عن المطارات الحكومية، من زيادة عوائد المطارات، وتخفيف العبء على الحكومة. ولا يأتي هذا العبء من خلال الخسائر المادية التي تتكلفها الحكومة في المطارات نفسها، بل يمتد إلى المتابعة والمراقبة والتطوير للأنظمة، توافقاً مع الأنظمة العالمية. ويتميز القطاع الخاص عن الحكومات بقدرته على جلب الاستثمارات التجارية، وقدرته على مواكبة التطورات التجارية، ويتمثل ذلك في مواكبة المطارات الخاصة لأنظمة سيارات الأجرة الجديدة (أوبر على سبيل المثال). ففي حين تأقلمت الشركات المشغلة للمطارات مع خدمة «أوبر»، بأخذها أجرة من أوبر مقابل العمل في المطارات، منعت المطارات الحكومية «أوبر» من العمل في نطاقها لفترة طويلة، وذلك بسبب بيروقراطية العمل الحكومي، مما أفقدها فرصة استثمارية مضمونة.
ويعاب على خصخصة المطارات سهولة الاحتكار فيها، فصحيح أن الاستثمار في المطارات يشترك مع بقية الاستثمارات في كثير من الخصائص، إلا أنه يفتقد للتنافسية بشكل كبير، وهو ما قد يسبب ضعف الرغبة في التطوير من قبل الشركات الاستثمارية. وفي حال لم تشكل الحكومات ضغطاً على الشركات الاستثمارية، قد تتراخى هذه الشركات في تنمية هذه المطارات. كما أن القطاع الخاص أقل حرصاً على المصلحة العامة من الحكومات، فتركيز القطاع الخاص على العائد المادي قد يؤثر كثيراً على مستوى الخدمة المقدمة في المطارات. وأكبر مثال على ذلك عزوف بعض المطارات الخاصة عن تقديم رحلات إلى مناطق نائية، بسبب قلة عدد المسافرين، وهو ما لن تقوم به المطارات إذا شُغلت من جهات حكومية. وبانتشار خصخصة المطارات في العالم، أصبحت المطارات نسخة من بعضها بعضاً، بالمراكز التجارية والمقاهي نفسها، مما أفقد كثيراً من المطارات هويتها المحلية المتميزة.
ويختلف الهدف من خصخصة المطارات بالعالم، بحسب كثير من العوامل. ففي الدول الغربية، تكون هذه الخصخصة لهدف إيجاد التمويل الكافي للتطوير، وتخفيف العبء على الحكومة. وتقوم بعض الدول الأخرى بالخصخصة بهدف جلب استثمارات أجنبية، وإيجاد فرص للعمل. وفي الخليج العربي، تهدف الخصخصة إلى جعل المطارات مؤسسات قائمة بذاتها، لا تعتمد على الدخل النفطي للتشغيل، وهو ما قد يفيد البلد على المدى البعيد. وفي حين ترى بعض الحكومات ضرورة تخصيص بعض أجزاء المطارات، يفضل كثير منها الحفاظ على الجزء الأمني من المطار بيد الحكومة، وهو ما يؤيد الخصخصة الجزئية، لا الكلية، للمطارات.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر