العرب يحتاجون أدباً

العرب يحتاجون أدباً

الأحد - 21 ذو القعدة 1438 هـ - 13 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14138]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
شهر (أغسطس) آب «ضجر، قاحل، قاتل، مائل إلى نهايات، تطول مقدماتها، نهايات لا تبدأ». إنه شهر «قادر على استفزاز البحر الذي يحمل إلى الأفق أزيز رصاص». قال محمود درويش بحدسه المرهف، وقبل أن يعلم بأنه الشهر الذي سينتقل فيه إلى عالم آخر، كما ناجي العلي، ونور الشريف الذي حاول تخليد مسيرة رسام الكاريكاتير العربي الأمهر في فيلم سينمائي ومُنع، وها هو المخرج اللبناني جان شمعون الذي كرّس 40 سنة للدفاع عن ضحايا الحروب ينضم إلى قافلة الشهر، وتبعه البديع عبد الحسين عبد الرضا، عن نصف قرن ونيف من الظرف العميق، تربى خلالها على أعماله، أجيال خليجية تلو أجيال.
أضحك أبو عدنان جمهوره، وسخر وانتقد، يوم كان المسرح في الخليج لم يزل وليداً، والدراما التلفزيونية تحبو. أبهر عشاقه بمسرحيته «باي باي لندن» ولم يكن يعرف أنه سيودعهم بالعبارة نفسها، مطفأَ الجسد على سرير في العاصمة البريطانية، لينضم إلى صاحب «حنظلة» الذي أُسكت برصاصة مكتومة الصوت هناك أيضاً، في حين أسلم الروح محمود درويش في أميركا.
جيل ولد في ظلال الحروب وكابد مآزقها، ومات وهو يعاندها ويتلمس طريق الخلاص. حتى عبد الرضا وهو في الكويت لم يكن بعيداً عما شهده في مصر وهو طالب، حين تطوع مع آخرين لرد العدوان الثلاثي عن بلد عربي عام 1956.
ثمة خيط شفيف بصلابة الفولاذ يجمع هؤلاء الموهوبين جميعاً الذين ابتلعهم آب، وغيرهم من مجايليهم النبهاء. عروبيون دون شوفينية، وطنيون خارج قيود الطائفية. ساروا على خيط الإخلاص لأفكارهم التي جمعت ولم تفرق. كان لكل منهم مجاله، عبقريته الذاتية، طريقته في القول أو الرسم أو التمثيل والتصوير، لكنهم ساروا في الدرب عينه.
ترسم بروفايل جامعاً تعثر فيه على درويش ينادي «سجّل أنا عربي». غسان كنفاني يلتقي صدفة ناجي العلي وهو لا يكف عن رسم ضحايا التهجير والنكبة الذين لا تزال صورهم تؤرق ذاكرته، على جدران مخيم «عين الحلوة» بعد أن رسمهم على جدران زنازين الاحتلال والسجن في لبنان، فيأخذ بيده إلى مجلة «الحرية» ويبدأ في نشر رسوماته، لتتحول ريشته إلى مبضع موجع لا يُحتمل.، مع أنه كان يقول «أنا فقط أرسم، لا أكتب أحجية ولا أحرق بخوراً أنا فقط أرسم»، ومع ذلك كان ثمة من يتربّص به. في الوقت نفسه، مطلع الستينات، كانت عجينة عبد الرضا تختمر في الكويت، الخليج كله ينتظر مسرحياته على الشاشات، خفة ظله وكلماته التي تخترق القلب. لم يكن يتحدث عن الثورة، لكن كل ما قدمه بفطنته، كان يحفر في ضمائر ملايين المتفرجين ويخترق مسامهم. بعد ذلك بقليل عاد جان شمعون إلى لبنان من فرنسا حيث أكمل دراسته، وهاله أن يرى إخوته في الوطن يتقاتلون وإسرائيل تنهش في الجنوب، في حين فلسطين تنزف. لم يكن يحتاج إلى قصة روائية ليحرك عدسة كاميرته. اكتفى بأن يصور قصص من حوله ويستنطقهم، فيما يشبه توثيق سيرة جماعية، فيها الثكلى والمشوهون، ونساء المفقودين والمخطوفين، والمخيبون من مقاتلين نادمين ومحبطين، بعد أن خسروا كل شيء ولم يربحوا أنفسهم.
طلب محمود درويش في مقابلة مع الصديق والزميل فؤاد مطر يوم عيده الثلاثين أن لا يعامل كسياسي محترف، منزعجاً من الشهرة التي بدأت تطارده. قال إنه «ليس أكثر من مواطن يحاول أن يكتب الشعر». خشي درويش على شعره من الضوء، خاف عليه من فلسطين، من المفردات الكبيرة، والضجيج المربك. «أريد أن أكتب شعراً من مكان آخر. أريد أن أكون أنانياً. أخشى أن لا تكون لشعري قيمة غير أنه كان يكتب في إسرائيل... هل أبدو كأنني أغار من قضيتي؟ لا. القضية هي الأساس... لكن الشاعر أو الشعر يجب أن يحمل قيمته في ذاته».
لم يتكلف هؤلاء قضيتهم بقدر ما وجدوا أنفسهم متورطين ومنغمسين رغماً عنهم. ما بين التأريخ الجماعي والسيرة الذاتية، سقطت الحواجز. بفعل الانسجام الصادق مع من حولهم، أخذوا يتماهون دون قصد منهم في حكايات الآخرين ويسبحون في نحت أعمالهم بعفوية، كما السمكة في الماء. «حنظلة» هو نفسه ناجي العلي، مثله تماماً يوم خرج من قريته «الشجرة» وهو لا يزال في العاشرة من عمره، سيبقى مشعّث الشعر حافي القدمين، يدير لنا ظهره، مكتوف اليدين، حتى تعود فلسطين. لم يحتَج هؤلاء كما عبد الرضا سوى الالتفات حولهم والتقاط العاهات العربية في مسرحية «باي باي عرب» أو غزو صدام حسين المجنون للكويت في «سيف العرب» أو «هذا سيفوه» التي أوقفت وتعرض بسببها لمضايقات وحكم بالسجن.
فاطمة السيدة الشجاعة العنيدة التي رسمها العلي تكراراً وزوجها المتخاذل، ليسا إلا بعضاً مما كان يرى. محمود درويش في كل ما كتب وسجّل كان حكواتياً مدهشاً، راوية عربياً من الطرز الأكثر أصالة وشاعرية، لم تشهد اللغة العربية مثيلاً لقدرته على كتابة سيرة ذاتية لا تستطيع أن تفصل فيها بين الأنا وصاحب الدار المجاور. قاطرة شهر آب محملة بالمواهب العربية الفذة إلى العالم الآخر. كتب الروائي والباحث المصري أحمد إبراهيم الشريف مقالة جميلة بعنوان «فلسطين تحتاج شاعراً» مستذكراً درويش في ذكراه التاسعة وهو يتحدث عن فيض الإنسانية في وطنيته، وخلو الساحة من ورثة يملأون الخواء المجلجل. ولعل الأجدر القول إن «العرب يحتاجون أدباً»، بعد أن استعار الأدباء والفنانون قضاياهم واستوردوا أساليبهم، وأشاحوا بوجوههم عن آلام المحيطين بهم، واصطفوا إلى جانب هذا وتعصبوا لذاك. وما قيمة الفنان في أن يقرر كضابط عسكري، من الذي يرتكب المخالفات الأفظع؟ وإنما أن يقول وبصوت مدوٍ: إن كل خدش لإحساس بشري، هو بحد ذاته، جريمة.

التعليقات

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
13/08/2017 - 10:06

للأسف استاذة سوسن اللغة العربية لا تقدر في الاعلام المرئي العربي وهذا يؤثر على الاجيال الناشئة لذلك صار هذا الخواء المجلل وصار المجتمع يحتاج الى ادبا كما أوضحتي ، أن الاهتمام باللغة والادب يبعث الاحساس الانساني في النفس لانه يحي العاطفة والمشاعر ولا يمكن لحضارة ان تقف شامخة دون أن تطور لغتها. انها مهمة الحكومات اولا ثم رجال الاعمال والمفكرين والأدباء ثانيا.

عبد الجبار الغراز
البلد: 
المملكة المغربية
13/08/2017 - 14:03

الأدب مرآة تعكس مدى التقدم أو التأخر الذي يعيشه شعب من الشعوب . لا شك أننا نعيش التردي العربي في أوسع معانيه . فالماكينة السياسية العربية تشتغل على إيقاعات الحروب و الانقسامات و الصراعات المذهبية و الطائفية القاتلة . لم يعد للإنسان العربي الوقت للتفكير في لم هذا التشتت الذي غمر كيانه .. إنسان بلا روح قيادية تقوده إلى بر الأمان .. لا وقت لمراجعة الذات و خلق كينونة جديدة . نصف الجتمع يغرق في أوحال الفقر و الأمية و الاغتراب .. يعتبر الأدب أحسن عامل مساعد على تصالح الإنسان العربي مع موجوديته ، لتبديد كل هذه العبثية و هذه العدمية التي أدخل إليها طوعا أو فسرا .. لكن كيف السبيل إلى ذلك و الكل تراه في كل بيت أو شارع أو ممر او خلف شاشة الحاسوب او الموبايل ، مستسلم و خاضع لهذه الانزوائية المقيتة ؟؟؟

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر