عمائم وقلانس بغداد

عمائم وقلانس بغداد

الأحد - 20 ذو القعدة 1438 هـ - 13 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14138]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
واستئنافاً لحديث الأحد الماضي عن كتاب «أحداث ورجال في حياتي» لمؤلفه نصير مسكوني، نتوقف عند بعض ما ورد عن أنستاس ماري الكرمليّ (1866 - 1947)، العلامة اللغوي الذي تمر هذا العام الذكرى السبعون لرحيله. فهو مولود في بغداد لأب لبناني وأمّ عراقية. اسمه الأصلي بطرس عوّاد. اشتهر بتبحرّه في اللغة العربية وغيرته عليها، بحيث لم يكن يتساهل مع أي خطأ يُقترف في حق لغة القرآن وهو الراهب المسيحي.
كان الكرمليّ، وهو يطالع الصحف اليومية، يحمل في يده قلماً ذا رأسين. يؤشر بالرأس الأحمر على العبارات التي يستسيغها وبالأزرق على التعابير الركيكة والمغلوطة التي تخدش ذائقته. لماذا الأزرق للغلط والأحمر للصح، بعكس ما هو معهود؟ يقول المؤلف، حسبما سمعه عن أن العرب كرهت اللون الأزرق حيث كانت النائبات والمصائب توصف بالزرقاء، كما أنها لم تكن تميل إلى زرق العيون من الإفرنج. بينما تغزلت بالأحمر: «حمر وقائعنا».
كان للكرمليّ، صاحب مجلة «لغة العرب»، مجلس أدبي يرتاده عشاق الأدب في بغداد أو من يحلّ فيها من أدباء الدول الشقيقة، في ثلاثينات القرن الماضي وما بعدها. بينهم مُعممون ومُعقَّلون ومُطربشون لا يتخلفون عن الموعد المعقود، نهار الجمعة، داخل دير الآباء الكرمليين في سوق الغزل. وكان شعار المجلس: «لا يسمح بنقاش السياسة والدين هنا».
بسبب تعصبّه للغة الضاد، نفى العثمانيون الكرملي من بغداد إلى قنسرين، في سوريا، قبل الحرب العالمية الأولى. ويبدو أنها «تهمة» ظلّ يعاني منها. وحين جرى اختياره ضمن أول عشرين عالماً لغوياً لدخول مجمع فؤاد الأول للغة في مصر، سنة 1932، ضاق بعضهم به لتصدّيه للأخطاء اللغوية وانتقاده للمعاجم الموجودة ودعوته لوضع معجم أكثر دقة. وقف زميل له يلقي خطاباً ويبدأه بعبارة: «لي الشرف..». ورفع الكرملي يده معترضاً بأن هذا تعبير مترجم عن الإنجليزية والفرنسية، والصحيح بلغة العرب: «أتشرّف». وبسبب مداخلاته ومشاكساته التي كانت تنشر في الصحف المصرية، مع صورته بلحيته البيضاء الطويلة، حاز شهرة في القاهرة بحيث قيل إن محصلي الأتوبيسات العائدة للثري عبد اللطيف أبو رجيلة، كانوا يمتنعون عن طلب الأجرة منه.
وحتى هيئة الآباء الكرمليين في العراق، ضاقت بمجلسه الأسبوعي في الدير. وجرى نقل الراهب المتيّم بالعربية إلى دير في جبل الكرمل بفلسطين. لكن صديقه المؤرخ يوسف مسكوني، والد مؤلف الكتاب، تدخل لدى رئيس وزراء العراق، آنذاك، أرشد العمري الذي ضغط على الهيئة فأعادته إلى ديره الأول. وفي بغداد، استقبل الكرملي استقبالاً حافلاً دفعه لنشر مقال بعنوان: «وُدّعتُ كالكلب واستقبلتُ كالأمير».
نشر الكرملي كثيراً من المقالات بأسماء مستعارة، أشهرها «الراهب الحافي». فمن نذور الآباء الكرمليين أنهم ينتعلون ولا يلبسون الحذاء. وعند وفاته، تحولت جنازته إلى مظاهرة تعكس الوحدة الوطنية التي كان عليها العراق، قبل سبعة عقود. ووقف الشاعر مهدي مقلّد يرثيه بقصيدة جاء فيها: «وعروس الفرات قد شقّت الجيب وقامت لتبكي على رفاتك». وفيما بعد، نُقشت أبيات منها على قبر الكرملي في كنيسة السيدة العذراء في الشورجة. وكم كان مؤلماً أن تنقل وسائل الإعلام صوراً من تهدّم القبر ومن الإهمال الذي حلّ بالمكان وجعله خرابة. ولعل أبلغ الراثين كان القاضي الأديب أحمد حامد الصراف، في قصيدة فات على العراقيين أن يحفظوها ويعلقوها قرطاً في آذان الأجيال التالية.

التعليقات

كمال يلدو
البلد: 
الولايات المتحدة
13/08/2017 - 01:00

جميل منك استاذة إنعام كه ججي هذا الاستكار ، وجميل أن تضعي خطوطا غامقة تحت عباراتك الرصينة في تأكيد الوحدة الوطنية للعراقيين ، خاصة في زمن أغبر وتافه، صار تجار الدين والطائفية والسرقات هم الاسياد. لكن يقيني بأن هذا الانكسار لن يدوم وسيغسل العراق يوما أرضه وسمائه من الاوغاد ....يوما نأمل أن تعيش فيه الطفولة سعيدة مرحة ومتطلعة للغد.

محمد كريم
البلد: 
ليبيا
13/08/2017 - 05:26

تسلم إيديكي على هذا المقال الرائع بتعريف علم من أعلام الماضي

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
13/08/2017 - 10:19

مقال رائع. شكرا لك

ريمون شكوريr
البلد: 
أمريكا
13/08/2017 - 11:36

مقال تاريخي جميل
أود أن أذكر أني تناولت موضوع الأب آنستاس الكرملي في ڤيديو "ذكرياتي ان عقد النصارى" كما ذكرت عن جارنا يوسف يعقوب مسكوني.
ومن الجذري بالذكر أن والدي قد تتلمذ على يد الأب آنستاس

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة