فلنشكر أصحاب التسريبات

فلنشكر أصحاب التسريبات

الأحد - 20 ذو القعدة 1438 هـ - 13 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14138]
إذا كنت مثلي، تميل للنظر إلى العقوبات الجديدة التي فرضها الكونغرس ضد روسيا باعتبارها تطوراً إيجابياً، فإنه يتعين عليك إذن توجيه الشكر إلى المصدر المجهول داخل مؤسسة الأمن الوطني الذي تورط في التسريبات الأخيرة.
في الواقع، يعتبر القانون الذي مرره الرئيس ترمب على مضض، الأربعاء، استثنائياً من نوعه من حيث إنه لا يتضمن بنداً يمنح للرئيس حق إلغائه بناءً على دواعٍ تتعلق بالأمن الوطني. حتى الآن، كان يجري ترك العقوبات بصورة عامة حسب تقدير الرئيس.
لم يكن من المثير للدهشة أن يشكو ترمب، من أن القانون الذي يوقع عليه يشكل تعدياً على قدرته على صياغة السياسات الخارجية. في الواقع، أي رئيس مكانه كان سيقول الأمر ذاته.
من ناحية أخرى، ثمة أسباب وراء تصويت الكونغرس بأغلبية قوية قادرة على الصمود في وجه أي «فيتو» من جانب الرئيس، على إقرار هذه العقوبات بحق روسيا رغم معارضة إدارة ترمب لها. يتمثل أول هذه الأسباب في الروس أنفسهم الذين تدخلوا في انتخابات عام 2016، ومارسوا القرصنة ضد الحزب الديمقراطي، وتعمدوا نشر أخبار كاذبة. ويمثل ترمب سبباً آخر، والذي دفع ثناؤه لبوتين ورفضه النتائج التي خلصت إليها الوكالات الاستخباراتية الأميركية، الكثيرين داخل الكونغرس للشعور بالقلق إزاء إمكانية سماحه لموسكو بالإفلات من العقاب عما اقترفت.
وهناك أيضاً أصحاب التسريبات الذين عمدوا إلى كشف النقاب عن سيل مستمر من تفاصيل التحقيق الذي أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) حول احتمالات تواطؤ ترمب مع روسيا، والاتصالات التي جرى التنصت عليها بين مسؤولين روس بخصوص اتصالات مع مستشارين لترمب، إضافة إلى المحادثات المسربة لمستشار الأمن الوطني السابق مايكل فلين والسفير الروسي. من جانبه، زاد ترمب هذه المشكلات تعقيداً بإنكاره حدوث اتصالات بين مسؤولين في حملته الانتخابية والروس، ثم إقدامه على فصل مدير «إف بي آي.»، جيمس كومي.
وقد أخبرني أحد المسؤولين البارزين العاملين داخل مجلس الشيوخ، بأنه ما من شك في أن علامات الاستفهام حول علاقة الحملة الانتخابية المعاونة لترمب بروسيا دفعت الجمهوريين نحو دعم مشروع قانون لا يتضمن حق الرئيس في الإلغاء.
ومع هذا، يبقى من المحتمل ألا نتوصل إلى شيء من التحقيق الذي يجريه المجلس الخاص داخل الكونغرس التي تتفحص هذا الأمر.
وبينما تعتبر تلك خطوة جيدة بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية، فإنها تقر سابقة خطيرة، ذلك أن الوكالات الاستخباراتية من غير المفترض لها التدخل في السياسات التي تنتهجها البلاد. لقد نجحت هذه الوكالات في خلق الظروف التي أقدم ترمب في إطارها على طرد فلين، بجانب أن التسريبات أجبرت المدعي العام جيف سيشنز على إقصاء نفسه بعيداً عن التحقيقات الجارية حول علاقة ترمب بالروس.
وبذلك، يتضح أن التسريبات الاستخباراتية أسهمت في خلق المناخ الذي دفع الكونغرس لإجبار ترمب على التخلي فعلياً عن واحد من الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية بالسعي وراء فتح صفحة جديدة في العلاقات مع موسكو.
وعليه، فإنه من المهم إلى جانب تفحص صلات ترمب بروسيا، ينبغي للكونغرس التمسك بقضية «كشف الهوية».
من ناحية أخرى، لا يتفق الجميع مع فكرة أن ما فعلته مستشارة الأمن الوطني سوزان رايس غير لائق، فهي على أي حال كانت تتلقى قدراً كبيراً من المعلومات الاستخباراتية الجديدة بخصوص دور روسيا في الانتخابات، لمح بعضها لوجود تنسيق مع معاونين لترمب.
ومع ذلك، يبقى من الصعب تفهم ما يعنيه كل ذلك دون التعرف أكثر على الإطار العام. من جانبها، شرحت سوزان هينيسي، المحامية السابقة بمكتب المحامي العام داخل وكالة الأمن الوطني، خلال لقائي بها أن: «المشكلة في هذه المعلومات أنها تقوم على الحقائق على نحو بالغ. في الواقع، ثمة مسؤولون لن يكون من المستغرب تقدمهم بعدد هائل من الطلبات لكشف الهوية».
ومع هذا، تتفق هينيسي مع الرأي القائل بأن التسريبات مثيرة للقلق. إننا نعاين بوضوح تسريبات تضر بقدرات الوكالات الاستخباراتية، وتشكل انتهاكاً للحريات المدنية».
من جانبي، وبصفتي صحافيا فإنني أشجع التسريبات وأعارض التحقيقات التي تجري بخصوصها. ومع هذا، فإنها في هذه الحالة تعد بمثابة تهديد، فعندما يجري تسريب اتصالات تنصتت عليها وكالات الاستخبارات الأميركية، مثل تلك التي دارت بين السفير الروسي ورؤسائه في موسكو حول المدعي العام جيف سيشنز، إلى وسائل الإعلام لتحقيق غايات سياسية، فإن هذا يمنح القائمين بعمليات التنصت نفوذاً هائلاً وغير مقبول على المشهد السياسي.

* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة