العنف ضد المرأة التونسية جريمة

العنف ضد المرأة التونسية جريمة

الأحد - 20 ذو القعدة 1438 هـ - 13 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14138]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية
تحتفل اليوم تونس بالعيد الوطني للمرأة التونسية.
وكما نعلم، فإن العالم المتقدم ينظر، وكذلك النساء العربيات، إلى مكانة المرأة في تونس بعين الرضا والغبطة.
ويكتسي الاحتفال في هذه السنة بصبغة خاصة، حيث صادق مجلس الشعب، في أواخر الشهر الماضي، على القانون الأساسي لمناهضة العنف ضد المرأة، وهو قانون جعل من ممارسة العنف ضد المرأة بمختلف أشكاله جريمة يُعاقِب عليها القانون. فكيف يمكن مقاربة هذا القانون في سياق المنجز التشريعي للمرأة التونسية؟ وإلى أي مدى يصحّ عليه ما تم توصيفه به من أنه علامة فارقة في تاريخ تونس الاجتماعي؟ وهل يمكن القول بعد المصادقة على تجريم العنف ضد المرأة إن المرأة التونسية في منأى عنه، ووجهت ضربة تشريعية قوية ضد أنصار العنف أو أولئك المتسامحين مع هذه الظاهرة؟
قد يكون من المهم في هذا اليوم بالذات الذي يصادف الاحتفال بإصدار مجلة «الأحوال الشخصية» في تونس، وَضْع القانون الجديد في سياقه التاريخي، وتحديداً علاقة مسألة المرأة بالمسار التحديثي الذي قامت به الدولة الوطنية التونسية، إذ مَثَّل إصدار مجلة «الأحوال الشخصية» حدثاً مهماً حرص الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة على أن يجعل منه عنواناً بارزاً في مشروعه التحديثي، فكانت المجلة من الإصلاحات الكبرى الأولى لدولة الاستقلال آنذاك.
من جهة ثانية، نشير إلى أن فكرة مشروع قانون يُجرم العنف ضد المرأة ليست من نتاج ما بعد الثورة، بل طرحت الحركة النسوية النضالية في تونس هذه الفكرة منذ عام 2006، وهو ما يعني أنه نتاج نضال يعود إلى ما قبل الثورة. ولكن في هذا السياق، وموضوعياً، يمكن القول إن ضغط المجتمع المدني من أجل مناقشته والمصادقة عليه وظَّف ما عرفته ظاهرة العنف ضد المرأة من تزايد لافت بعد تاريخ 14 يناير (كانون الثاني) 2011، مما وضع الكتل النيابية المترددة في حرج.
طبعاً لا شك في أن صدور مثل هذا القانون إنما يُعدّ نقطة إيجابية ومكسباً، دون أن ننسى في الوقت ذاته أن دواعي إصدار هذا القانون نفسه تدفع إلى القلق، بمعنى أنها تدل على أن المسار التحديثي لم ينجح بما فيه الكفاية في إنتاج أرضية ثقافية تقطع مع العنف ضد المرأة.
الجديد في هذا القانون هو الطابع التجريمي الذي يتخذ من العقوبات طريقة في الردع، حيث يتضمن أحكاماً جنائية تزيد العقوبات على مرتكبي العنف داخل الأسرة، وتُجرم التحرش الجنسي في الأماكن العامة، وتُغرم أرباب العمل الذين يميزون عمداً ضد النساء في الأجور. كما أن المسألة التي استأثرت بنصيب كبير من النقاش هي القطع مع الفصل 227، حيث لم يعد بإمكان المغتصب الإفلات من العقاب إذا تزوج من ضحيته... ووافقت الكتل النيابية على مبدأ الترفيع في الأهلية الجنسية إلى 16 عاماً، بما يُمكِّن من منع تزويج القاصر من مغتصبها، حتى وإن كان ذلك برضاها.
الظاهر هو أن القانون المشار إليه ثوري جداً، ولكن يبدو لي أنه قانون تضمن تنقيحات مهمة لفصول أخرى، ذلك أن الصيغة الأولى لمشروع القانون كانت أكثر ثورية وتقدمية، وقد خضعت إلى نقاشات، وأَخْذ وردّ، وصولاً إلى مقاربة توفيقية ونقطة وسط تجمع مختلف الكتل النيابية ذات الخلفيات المختلفة. وتبدو لنا أن هذه النقطة مهمة حتى لا يذهب في الذهن أن القانون تقدمي، ولم يخضع إلى تنازلات عبرت عنها اللغة التي صيغ بها القانون الأساسي لمناهضة العنف ضد المرأة.
وأغلب الظن أن هذا القانون يحتاج إلى تنقيحات في المستقبل، مما يعني أن المصادقة عليه زاوجت بين شيء من المبدئية وشيء من البراغماتية وسياسة الخطوة خطوة.
وإذا وضعنا في البال أن أي قانون هو في النهاية يلبي حاجة اجتماعية، ويقوم بوظيفة، فإن وجود هذا القانون يعني أن الواقع الاجتماعي للمرأة التونسية أقل بكثير من واقعها التشريعي، ومن ثم فإن المعركة انتقلت من تحت قبة مجلس الشعب إلى المجتمع ذاته، حيث سيواجه ثقافته ومشكلاته التي غذّت هذه الظاهرة وعلى رأسها الجانب الاقتصادي.
إن مناهضة العنف ضد المرأة تبدو في ظاهرها لا تحتاج إلا إلى القانون والعقوبات، وهو إلى حد ما صحيح... ولكن الأمر لا يقف عند القانون فقط، الذي هو ليس أكثر من آلية. فمناهضة العنف ضد المرأة تكون أيضاً بالتغيير الثقافي وبتحسين الواقع الاقتصادي، لا سيما أن السبب الاقتصادي يأتي في رأس قائمة أسباب ممارسة العنف.
من جهة ثانية، فإنه بالنظر إلى سعة صدر مفهوم العنف، فإن مسائل أخرى كثيرة قد حان وقت تقوية النضال من أجلها، خصوصاً أن مفهوم العنف الرمزي يكشر عن أنيابه ضد أشكال الهيمنة الذكورية ومظاهرها.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة