البيانات الكبيرة ذات مزايا واعدة في مجال الطب

البيانات الكبيرة ذات مزايا واعدة في مجال الطب

الأحد - 20 ذو القعدة 1438 هـ - 13 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14138]
تجاوزت الحواسيب المتقدمة بالفعل قدرات الأطباء عند التعامل مع بعض أنواع التقديرات الطبية في حالات الحياة والموت. ونحن الآن في انتظار وعود بأشياء رائعة مثل السيارات ذاتية القيادة، وفقاً لزاك كوهين، الطبيب والباحث في كلية الطب بجامعة هارفارد. وعلى الطرق، فإن استبدال السائقين بالحواسيب قد ينقذ الآلاف من الأرواح التي قد تزهق بسبب الأخطاء البشرية. وفي الطب، فإن استبدال الحدس البشري بالذكاء الآلي قد ينقذ المرضى من التأثيرات الجانبية القاتلة لبعض الأدوية أو بخلاف ذلك حالات السرطان غير القابلة للشفاء.
ومع اعتبار الطب الدقيق، الذي يتضمن تنظيم استخدام الأدوية حسب حالات المرضى، ولكي نتفهم آفاقها الواعدة، علينا النظر إلى الفيزيائية المخضرمة شيرلي بيبكي التي انتقلت إلى عالم البيولوجيا الحاسوبية. فعندما أصيبت بمرض السرطان القاتل، تعاملت مع الأمر مثل العلماء وواجهت المرض باستخدام البيانات الكبيرة. وهي تحقق الانتصار على المرض الآن. ولقد عرضت قصتها في مؤتمر عقد مؤخراً من تنظيم الطبيب كوهين وإشرافه.
ففي عام 2013، تم تشخيص حالة السيدة بيبكي بسرطان المبيض من المرحلة المتقدمة. وكانت تبلغ 46 عاماً من عمرها، وكان أطفالها من أعمار 3 و9 سنوات. وقد مر شهران فقط على فحصها الطبي السنوي. وشعرت بوجود أعراض المرض، التي رفضها الأطباء تماماً وقتها، حتى أصيبت بانتفاخ حاد جعلها تصر على إجراء أشعة بالموجات فوق الصوتية. واكتشفت أنها تحمل في أحشائها ستة لترات من السوائل التي تسبب فيها مرض السرطان الذي انتشر بشكل كبير في جسدها. وهي تتذكر طبيبها المعالج وهو يقول: «أعتقد أن الأمر حقيقي وغير مفتعل»!
ولقد قامت بما يقوم به أغلب الناس في حالتها؛ إذ وافقت على برنامج العلاج الكيميائي الذي اعتقد الأطباء أنه سوف يطيل من حياتها ولكنه يوفر فرصة ضئيلة للغاية من العلاج التام. لقد كان مزيجاً شديد القسوة دُفع به دفعاً نحو حياتها.
ولقد فعلت أيضاً شيئا لا يعرف أغلب الناس كيف يفعلونه، وهو أنها بدأت في البحث عن البيانات المفيدة. وبعد كل شيء، فإن الأورام مليئة بالبيانات، فهي تحمل بيانات الحمض النووي مع تشوهات مختلفة، وبعضها يجعل منها أوراماً حميدة أو أوراماً مقاومة لبعض الأدوية المعينة. ومع التسلح بهذه المعلومات الدقيقة، نجح الأطباء في وضع برنامج للعلاج أكثر فعالية وتخصصاً لحالتها المرضية. وبالفعل، فإن سرطان الثدي يجري التعامل معه بشكل مختلف تماماً اعتماداً على ما إذا كانت هناك طفرة في جين يسمى «إتش إي آر 2». وحتى الآن، لم يقف العلماء على أي انقسامات وراثية لسرطان المبيض.
ولكن هناك بعض البيانات. وقبل سنوات، بدأ العلماء في إنشاء بنك للبيانات تحت اسم «أطلس الجينات السرطانية». وكانت هناك تسلسلات وراثية لأكثر من 400 ورم سرطاني في المبيض. ولمساعدتها في استخراج المعلومات المفيدة لحالتها من هذه البيانات، ذهبت شيرلي بيبكي إلى البروفسور غريغ فير ستيغ في جامعة ساوث كاليفورنيا، والذي كان يعمل على تقنية التعرف النمطي الآلي والمعروفة باسم «التفسير الارتباطي» أو «كوريكس». ولم تستخدم هذه التقنية من قبل في تقييم مرض السرطان، ولكن بيبكي مع البروفسور ستيغ اعتقدا أنها قد تنجح. كما أنها أجرت عملية التسلسل الجيني على ورمها السرطاني بنجاح.
وفي غضون ذلك، وجدت أنها لم تكن من المرضى المحظوظين الذين نالوا الشفاء بالعلاج الكيميائي. فلقد ظهر الورم السرطاني من جديد بعد فترة كمون موجزة. وقال لها أحد الأطباء إنها سوف تعاني من الأسوأ لما هو قادم من أيام حياتها القصيرة.
ولكن تقنية «كوريكس» قد أظهرت مفتاحاً للعلاج. فهناك صفة مشتركة في ورمها السرطاني مع أولئك النساء الأكثر حظاً واللاتي استجبن للعلاج الكيميائي، وهي إشارة بعيدة عن المخططات المعتادة لمنتج من منتجات الجهاز المناعي يدعى «السيتوكينات». ولقد اعتبرت أن الجهاز المناعي لدى النساء الأكثر حظاً كان يساعد في قتل الخلايا السرطانية، ولكن في حالتها، كان هناك ما يمنع جهازها المناعي من القيام بالوظيفة نفسها.
وفي خاتمة المطاف، خلصت إلى أن تجربتها الوحيدة للنجاة تتمثل في تناول دواء يسمى «مثبط نقطة الوصول»، وهو عقار موجه لتحطيم دفاعات الخلايا السرطانية في مواجهة النظام المناعي في جسدها.
وفي ذلك الوقت، كانت العقاقير «المثبطة لنقطة الوصول» مسموحاً بها فقط في علاج سرطان الجلد. ويمكن للأطباء توصيف هذه العقاقير لاستخدامات أخرى، على الرغم من أن شركات التأمين لن تغطي ذلك. وانتهى بها الأمر إلى دفع الآلاف من الدولارات من مالها الخاص. وفي الوقت نفسه، دخلت في دورة جديدة من العلاج الكيميائي. وقالت إن «مثبط نقطة الوصول» دمر الغدة الدرقية لديها، وكان العلاج الكيميائي يدمر كليتيها. فمن ثم توقفت وهي لا تعرف إن كان الورم السرطاني لا يزال موجوداً أم لا. ومن المفاجآت لأطبائها، أن حالتها بدأت في التحسن. وأصبح ورمها السرطاني غير قابل للكشف. ولا تزال في صحة جيدة اليوم، وهي تعمل على طرق تسمح لمرضى السرطان الآخرين بالاستفادة من البيانات الكبيرة بالطريقة نفسها التي جربتها.
وقال الدكتور كوهين، إن الجهود المماثلة القائمة على استخدام البيانات قد تساعد في العثور على الآثار الجانبية للعقاقير الموافق عليها. والتجارب الإكلينيكية ليست كبيرة بما يكفي أو طويلة المدى بدرجة كافية للوقوف على الآثار الجانبية المهلكة التي تظهر فقط عند طرح الدواء للاستخدام العام. ويموت الآلاف سنوياً من النوبات القلبية المرتبطة بمسكن الآلام «فيوكس» قبل إيقاف استخدامه في الأسواق.
وفي الشهر الماضي، أشار تحليل أجراه موقع طبي آخر إلى العلاقة بين عقار علاج التهاب المفاصل الروماتويدي «أكتيمرا» والوفيات بالنوبات القلبية، رغم بيع الدواء للأطباء وللمرضى من دون سابق إنذار من أي مخاطر إضافية مثل الوفاة. ويشتبه الطبيب كوهين في وجود العديد من حالات الوفيات الأخرى غير الضرورية بسبب العقاقير التي لم تظهر آثارها الجانبية في الاختبارات حتى الآن.
فما الذي يعوق استخدام هذه التكنولوجيا الآن؟ إن الآخرين يضخون الأموال الهائلة في البيانات الكبيرة بهدف المبيعات والتأثير على نتائج الانتخابات، فلماذا لا نستخدمها في إنقاذ الأرواح؟

* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة