تفكيك اللقطة‬

تفكيك اللقطة‬

الاثنين - 19 رجب 1435 هـ - 19 مايو 2014 مـ رقم العدد [12956]
محمد رُضــا
صحافي متخصص في السينما
كل فيلم يبدأ بلقطة، وهناك لقطة واحدة لبعض الأفلام كالقصيرة جدّا، كذلك هناك محاولات لتأليف فيلم طويل من لقطة واحدة. مفهوم اللقطة هو بدء التصوير على موضوع معيّن. فترة تصوير الموضوع المعين هي ما يسمح للقطة بأن تكون قصيرة أو طويلة.
مفهوم اللقطة إذن له بداية (فتح الكاميرا على..) ونهاية (نهاية اللقطة بتوقف التصوير)، وكل لقطة في الفيلم المؤلف من أكثر من لقطة، وهو كما نعلم الشكل الغالب، باتصالها مع اللقطة المختارة بعدها تشكل الفيلم. هذا هو أمر بدهي بالطبع لكن أي لقطة تشكل أي فيلم؟
سآخذ اللقطة الأولى من فيلم ستيفن سبيلبرغ «لائحة شندلر»: كلوز أب على يد تشعل الشمع. اللقطة الأولى لا تؤلف بحد ذاتها مفادا، لا في هذا الفيلم ولا في أي فيلم آخر، إلا إذا كانت لقطة أولى وأخيرة. إذن لنقل إن أحدا أخرج فيلما من 30 ثانية عن يد تشعل الشمع. كونها لقطة واحدة عليها أن تتضمن المفاد الذي هو رسالة ذات معنى. هذه الرسالة ذات المعنى قد تكون، لدى مخرج آخر، لقطة لأرنب يأكل أو شمس تغيب. ما لدينا بالتالي هو رمز باهت (الأرنب الذي يأكل) ورمز مكثّف (الشمس التي تغيب). التباين يعود إلى الصورة الذهنية التي نحملها عن الأرنب وعن الشمس. أرنب يأكل لا يعني الكثير فالكل يأكل والأرنب، أو عمليا أي حيوان آخر، سواء في هذه الممارسة. فعل على مستوى سطحي. لكن الشمس الغائبة فعل على مستوى آخر لأن الصورة الذهنية لدينا تعاملت مع غياب الشمس (أو شروقها) من زوايا مختلفة.
هي، بالنسبة للبعض، وقت للأسى على يوم مرّ. بالنسبة للبعض الآخر ربما إيذانا بنهاية فصل مأساوي أو غير مأسوف عليه. بعض ثالث فإن غياب الشمس وما ينثره من ألوان فعل علمي محض له أسباب محددة لوجوده وتشكيلاته على عكس فريق رابع قد يرى أن غروب الشمس هو فعل جمالي بالدرجة الأولى.
كذلك فإن لقطة الشمس الغاربة، ولنقل إنها لقطة أحسن اختيارها وتوقيتها وتصويرها، قد تعني شيئا مختلفا لخمسة أشخاص يشاهدونها في الوقت ذاته وذلك حسب المفهوم العائد إلى الثقافة العامّة والعوامل الظرفية والذهنية التي تجعل المشهد الواحد يعني شيئا مختلفا لكل منهم.
لقطة ستيفن سبيلبرغ وحدها ليست من النوع الباهت. يد تحمل عود ثقاب وتضيء شمعة. لو انتهى الفيلم عند هذا الحد لحمل معنى خاصا ومحددا بتلك اللقطة: الإنسان يضيء طريقه. هي ليست عن عود الثقاب ولا عن الشمع ولا عن حركة اليد، لكنه بالطبع فيلم طويل والانتقال يقع بعد ذلك من تلك اللقطة إلى لقطات متوالية تؤلف الفيلم بأسره. هذه حال كل الأفلام. بعضها يبدأ بلقطة قريبة وبعضها بلقطات بعيدة عامّة. لكن في الحالتين فإن تواصلها مع لقطات باقي الفيلم قد يحول المعنى المستشف عادة من تلك اللقطة (إضاءة طريق وتحويل الظلام إلى نور) إلى جادّة أخرى مرهونة بما سيلي.
كما هو معلوم، تتألّف من كل هذه العوامل بالإضافة إلى الوقت من اليوم والمسموح به من النور أو المختار من حركة الكاميرا وزاويتها وحجمها والمكان الذي تقع فيه. ما يوازي اللقطة مسرحيا وموسيقيا ورسما هي الحركة واللحظة التي تقع فيها. ولو فهمنا ذلك لما مات المسرح عندنا على الأرجح.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة