قراءات صيفية عن الإنسان

قراءات صيفية عن الإنسان

الأربعاء - 16 ذو القعدة 1438 هـ - 09 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14134]
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة
خلال نصف السنة الأخير من إدارة باراك أوباما للولايات المتحدة عقد الكثير من المقابلات الصحافية والإعلامية كان الرجل فيها بالأساس يدافع عن القرارات التي اتخذها خلال فترة ولايته. كان الأمر يحتاج رئيس تحرير الـ«نيوزويك» السابق، ومذيع برنامج GPS على شبكة «CNN» التلفزيونية لكي يسأل رئيس الجمهورية عما يقرأه هذه الأيام. كانت إجابة أوباما على السؤال طويلة نسبياً، حيث قدم قائمة طويلة لخص فيها كل كتاب في مجموعة جمل قصيرة. ولفت النظر إشادته بكتاب لكاتب إسرائيلي - يوفال نوح هراري - يدرس في الجامعة العبرية في القدس بعنوان الجنس البشري أو Sapiens ملخص لتاريخ الإنسانية. اشتريت على أية حال القائمة التي قدمها أوباما، وأظن أن كثيرين غيري فعلوا ذلك، لأنه سرعان ما وجدت هذه الكتب من أكثرها مبيعاً وعلى الأخص ذلك الكتاب الذي سرعان ما ألحقه مؤلفه بكتاب آخر بعنوان «الإنسان الإله» أو Homo Deus ملخص لتاريخ الغد. الكتابان في النهاية هما كتاب واحد، وبقدر ما كان الأول تاريخ ما سبق للإنسان، وحتى قبل ذلك منذ تكونت أولى الذرات والجزيئيات قبل 13.5 مليار سنة، حتى تكوين كوكب الأرض قبل 4.5 مليار سنة، وظهور الخلايا العضوية أو بداية البيولوجيا قبل 3.8 مليار سنة. وفي الحقيقة لن نجد للإنسان وجوداً بعد ذلك إلا بعد قفزة رائعة في الزمن والتطور لكي نجد الآباء أو الأمهات الأوائل للإنسان يظهرون على مسرح التاريخ قبل 6 ملايين سنة، أما الإنسان نفسه فسوف نجده على الكوكب وفي أفريقيا قبل مليونين من السنوات فقط؛ وفي الحقيقة أن ما يشابه إنسان اليوم لم يظهر إلا قبل 300 ألف عام عندما اكتشف المخلوق الإنساني النار.
الكتاب مثير بلا شك، خاصة عندما يظهر لنا ما يبدو أنه العصر «الحديث» الذي تحدث فيه الإنسان وتواصل مع بعضه الآخر فقط قبل 70 ألف سنة، ويستوطن القارات الخمس، وعندما عرف الزراعة قبل 12 ألف سنة فقط فإنه عرف الممالك والدول بالشكل الذي نتحدث عن تاريخه الآن قبل 5 آلاف سنة فقط. ولكن ربما لن نجد الإنسان المعاصر إلا قبل 500 عام فقط عندما اكتشف الإنسان جهله في ثورة كبرى عرفت بـ«الثورة العلمية» التي قادتنا إلى سلسلة من الثورات الصناعية التي بدأت بثورة البخار وانتهت بثورة الكومبيوتر التي وصل فيها الإنسان إلى أن يكون سوبر إنسان، في تغير نوعي لما كان عليه من مجرد جنس بشري. وعند هذه النقطة تكون الإنسانية قد وصلت إلى أعتاب مرحلة جديدة من تاريخها، نرى مؤشراتها وبداياتها في الكتاب الثاني.
المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها الكتابان هي علمانية بلا شك وتفصل بوضوح ما بين الفلسفة الداروينية والرؤية الدينية؛ وفي الأولى فإن التطور يسير وفق قانون «البقاء» للأصلح، أي القادر على التكيف والتعايش مع العالم الذي نعيش فيه بحيث يبدو تاريخ البشرية كما لو كان عملية تصحيح مستمرة لمسارات متعددة يزول منها الأقل قدرة وإصراراً وتصميماً وتكيفاً مع الواقع. الثانية المستندة إلى الخلق الإلهي لا تُسْتَبعد ولكنها تظل دوماً داخل دائرة الإيمان الديني الذي ظل مظللاً للبشرية رغم مرور آلاف السنين منذ البداية الأولى لما سماه بالثورة المفهومية التي قامت على أن التعقيد الإنساني والكوني لا يمكن أن يقوم إلا من خلال مصمم وخالق. هذه المسألة لا يلبث أن يوجهها المؤلف نفسه في الكتاب الثاني عندما يجد أن الأسئلة العلمية تقف مشدوهة في البحث عن «المحرك الأول» للأشياء من أولى الخلايا حتى انتظام الكون حتى لو قررت استبعاد «الروح» من المعادلة الإنسانية لأن البحث العلمي لم يستطع، ولن يستطيع، أن يجدها.
ومع ذلك، فإن الكتابين يظل فيهما فائدة من زاويتين؛ الأولى أن الثورة العلمية التي قامت على اكتشاف الإنسان لجهله ظلت هي المحركة للأسئلة الكبرى التي خلقت الثورات العلمية والتكنولوجية. والثانية ما ركز عليه الكتاب الثاني أن تاريخ الإنسانية كلها قام على مواجهة ثلاث حقائق كبرى: المجاعة، والموت، والحرب. هذه الحقائق لم تنتهِ نهاية تامة الآن، ولكنها في طريقها إلى زوال. فرغم أن هناك حالات لا تزال قائمة في أفريقيا لوجود المجاعة، فإن الثابت أن ما كان مجاعة دورية في الهند والصين ومناطق أخرى في آسيا لم تعد موجودة، وحتى تلك القائمة في أفريقيا فإنها باتت مؤقتة، وهناك الآن تنظيم دولي متعدد الأطراف يقوم بالتحرك فوراً لمواجهة المجاعة عندما تحدث فوراً حتى أن عدد الذين يموتون في العالم من المجاعة بات أقل بكثير من هؤلاء الذين يموتون من التخمة أو السمنة. التنبؤ هنا أنه خلال العقود المقبلة لن يكون الطعام مشكلة للبشرية، وإنما المرجح هو أن تكون المشكلة متعلقة بالحمية وضبط نتائج الطعام على القوام الإنساني.
ما سماه الكتاب بالطاعون أو الأوبئة والأمراض في عمومها، فهذه هي الأخرى في طريقها إلى زوال بفعل التطور الهائل في علوم الأنسجة والخلايا الجذعية التي باتت توفر قطع غيار للإنسان إذا أضيفت إلى الأدوية الذكية التي تواجه الآن الخلايا السرطانية وتميزها عن الخلايا الصحية فإنها تجعل أمراضاً مثل السرطان والإيدز قابلة للعلاج. وبشكل ما فإن الأوبئة لم يعد لها مكان في التاريخ البشري حتى أنه عندما تولد وباء الإيبولا في غرب أفريقيا فإن العالم كان قادراً على مواجهته ومنعه من الانتشار. المؤكد الآن ووفقاً للأرقام الدولية أن العمر المتوقع عند الميلاد للإنسان قد تجاوز السبعين عاماً، وبات في كثير من البلدان المتقدمة يتجاوز الثمانين، وفاقت أعداد المعمرين فوق المائة كل المراحل التاريخية السابقة، ولذا لا يستبعد الكتاب وفقاً للإحصائيات الحالية أنه مع انتصاف القرن الحالي فإن العمر المتوقع سوف يصل إلى 150 سنة ومع القرن المقبل 500 عام.
الحرب هي الأخرى في طريقها إلى زوال كوسيلة لحل المنازعات البشرية، ورغم ما نشهده من حروب في الشرق الأوسط حالياً فإن أعداد الضحايا لا تصل إلى ما كانت عليه في حروب سابقة عالمية أو غير عالمية. وفي الحقيقة أنه لا توجد إلا أعداد محدودة من الدول هي المتورطة في حروب أهلية أو تتدخل فيها الدول الكبرى التي كفت هي ذاتها عن الصراع المسلح مع بعضها بعضاً ربما لأن الحرب لم تعد ممكنة بعد التطور الهائل في تكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل. لم يعد أحد يتصور وقوع الحرب بين روسيا وأميركا، أو بين بريطانيا وألمانيا، أو بين الهند والصين، حتى ولو كانت الجيوش تواجه بعضها بعضاً على خطوط التماس في أوكرانيا أو الرقة السورية أو بحر الصين الجنوبي. وعلى أية حال فإذا لم يكن في الكتابين ما يعجب القارئ فسوف نعود إلى الشرق الأوسط مرة أخرى في الأسبوع المقبل.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة