لماذا الهجوم على علماء الاقتصاد؟

لماذا الهجوم على علماء الاقتصاد؟

الاثنين - 23 شوال 1438 هـ - 17 يوليو 2017 مـ رقم العدد [14111]
نوح سميث
كاتب في «بلومبيرغ»
في الوقت الراهن، أصبحت الانتقادات الموجهة إلى العلوم الاقتصادية متشابهة، لدرجة أصبح من السهل معها التنبؤ بما ستتمخض عنه لاحقاً. المنتظر أن يتعرض الخبراء الاقتصاديون لانتقادات حادة بسبب إخفاقهم في التنبؤ بـ«الركود الكبير»، بجانب الإشارة إلى بعض الافتراضات غير الواقعية في النماذج الرئيسية المرتبطة بالاقتصاد الكلي. وسيتعرض الاقتصاديون للنبذ، باعتبارهم دعاة آيديولوجية السوق الحرة التي سيجري تسليط الضوء على عيوبها. وسيجري إخبارنا بأن الاقتصاد يسير في دورات من الظواهر الجديدة القصيرة، والأخرى طويلة الأجل. كما سيجري تذكير القراء بأن علم الاقتصاد يتعامل مع البشر، وليس الذرة مثلاً، مما يجعل القواعد العلمية المؤكدة ضرباً من المستحيل. وستنتهي موجة هذه الانتقادات بدعوة الخبراء الاقتصاديين للتحلي بمزيد من التواضع، والتأكيد على الحاجة لإجراء دراسة أكثر جدية لأفكار غير تقليدية، والحد من الهالة المحيطة بمهنة عالم الاقتصاد.
في الواقع، يتمتع كتاب صحيفة «الغارديان» البريطانية بمهارة خاصة في طرح مثل هذا الخطاب. وحمل أحدث المقالات التي نشرتها الصحيفة من هذه العينة عنوان: «كيف تحول علم الاقتصاد لدين»، للكاتب جون رابلي.
من ناحية أخرى، تحمل هذه الآراء بالتأكيد بعضاً من الحقيقة، لكن مشكلة الكتابات النقدية من عينة ما كتبه رابلي أنها لا تطرح مقترحاً حقيقياً للمضي قدماً على صعيد علم الاقتصاد. وفي حين أسهمت موجات من الغضب على هذه الشاكلة في أعقاب «الركود الكبير» في إفاقة علماء الاقتصاد من غفوتهم الفكرية، فإنه من الأفضل حالياً التمسك بنبرة أكثر إيجابية.
في الواقع، بدلاً عما يجري، يتعين على الكتاب التركيز على بعض المستجدات الجارية حالياً على صعيد علم الاقتصاد، خصوصا أن ثمة أموراً جيدة للغاية تجري هناك.
أولاً: نجح علماء الاقتصاد في تطوير نظريات ناجحة على أرض الواقع. وببطء، يبني علم الاقتصاد لنفسه مخزوناً من هذه الجواهر الثمينة، ومنها نظرية المزادات التي يمكنها التنبؤ بأمور مثل الإعلانات عبر الإنترنت، التي تعتمد عليها شركة «غوغل» بقدر اعتمادها على لوغاريتمات البحث.
ويكمن مثال آخر في نظرية التوافق، التي جعلت عمليات زراعة الأعضاء أكثر يسراً بكثير. ولا تقتصر النظريات الناجحة على الاقتصادات الصغيرة فحسب، وإنما أثبتت أيضاً نماذج الجاذبية التجارية، وإن كانت لا تزال بسيطة نسبياً في طبيعتها، نجاحاً كبيراً في التنبؤ بتدفقات التجارة الدولية. ومن الممكن الاعتماد على هذه النظريات، وعدد من النظريات الاقتصادية الأخرى الناجحة، بثقة في مجموعة واسعة من مواقف العالم الواقعي، من جانب صانعي السياسات والشركات التجارية. وتثبت هذه النظريات ببساطة خطأ الادعاء بأن النظريات الاقتصادية لا يمكن الاعتماد عليها أبداً لأنها تتعامل مع البشر، وليس الذرة. ورغم أن الاقتصاديين سيستمرون بالتأكيد في صياغة والاعتماد على كثير من النظريات التي تخفق في بلوغ هذه الدرجة من النجاح، فإنه يتعين على الكتاب الاعتراف بالنجاحات التي تتحقق، والإشادة بها.
ثانياً: يكتسب علم الاقتصاد، يوماً بعد آخر، طابعاً تجريبياً، ويركز على نحو أكبر على تفحص البيانات عن بناء مزيد من النظريات. ومن ناحيته، عكف العالم الاقتصادي دانييل هامرميش على تفحص الأبحاث التي نشرت في كبريات الدوريات العلمية الاقتصادية عام 2013، واكتشف أن ثمة تحولاً قوياً على صعيد علم الاقتصاد، بعيداً عن النظريات، منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي.
ثالثاً: أصبح علم الاقتصاد التجريبي أكثر اتصالاً بالسياسات المتبعة على أرض الواقع. وجدير بالذكر أن ثمة نمطاً جديداً شائعاً من الأبحاث، غالباً ما يطلق عليه علم الاقتصاد شبه التجريبي، يعمل على تقييم نتائج السياسات الجديدة، مثل الزيادة الأخيرة التي أقرتها مدينة سياتل في الحد الأدنى من الأجور، أو قبول دول أوروبية للاجئين.
وبدلاً عن الاعتماد على نظرية معقدة، أو افتراضات غير واقعية، تطرح الدراسات شبه التجريبية إجابات واضحة بخصوص نتائج الإجراءات الحكومية. ومع أن هذا ليس من شأنه جعل النظريات الاقتصادية محصنة ضد الخطأ، فإنه سيزيد بدرجة بالغة من سرعة تقديم علماء الاقتصاد معلومات ارتجاعية موثوق بها لصانعي السياسات.
رابعاً وأخيراً: حتى لو كان علم الاقتصاد قد مال بقوة في وقت مضى نحو آيديولوجية السوق الحرة، فإن الوضع لم يعد كذلك الآن، ذلك أن كبار الخبراء الاقتصاديين يميلون حالياً على نحو أكبر باتجاه يسار الطيف السياسي، إضافة إلى أن الاقتصاديين بوجه عام أصبحوا أكثر وقوفاً إلى صف الحكومة عن الرأي العام بشأن غالبية القضايا.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

التعليقات

احمد ماجد
البلد: 
اليمن
17/07/2017 - 14:24

صحيح ان علم الاقتصاد مصنف من العلوم الانسانية او الاجتماعية وليس من العلوم التطبيقية الا انه الوحيد من العلوم الانسانية الذي تتطور نظرياتة وتجاربة يوم بعد يوم ويستفيد كثيرا من العلوم التطبيقية والتطبيقية كما جأ في هذا المقال
وكما هو معلوم كان هناك نظام اقتصادي اشتراكي وبالتجربة لم يدم طويلا وانتهى والآن ظهر الكثير من عيوب نظام السوق الحر والدراسات الاقتصادية التطبيقية جارية لمعرفة المعاجات ووضع النظريات التي تعالج وتطور مشاكل السوق بالبيانات الفعلية لجميع الانشطة الاقتصادية
اذن علم الاقتصاد على الرغم من تصنيفة في العلوم الاجتماعية الا انه يختلف عنهم من حيث المصاحبة للتطور والتجربة

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة