محمد بن سلمان... مهندس العلاقات الدولية وورشة التنمية

الخميس - 28 شهر رمضان 1438 هـ - 22 يونيو 2017 مـ Issue Number [14086]
جدة: عبد الله آل هيضه دبي: مساعد الزياني

هذا الشاب السعودي البارز، مر بتجارب غالب السعوديين، درس بينهم، وعمل معهم، لم يشفع له في بدايات حياته منصب والده، بل لم يكن كذلك من طبقة الرُّحال نحو تلقي العلوم خارج المملكة، إذ يعدها الكثيرون نقطة بروز، لكن في داخل الموهبة تكمن المعرفة، ويتولد الطموح من قلب العمل.
صيته ظاهر ومدوٍ، ولا يتكلم إلا في دوائر العمل حيث يتحدث بذلك من عملوا معه، يعلمون حرصه الدقيق حتى على ظلال السطور قبل بهرجة العناوين، فيجعلون الإخلاص وارداً لخدمة وطنهم، لأنه الباقي لهم وللأجيال القادمة.
منهجه ومسيرته تبرز النبوغ، ويعطي بفكر يوازي طموح شباب بلده الذين يشكلون أغلبية شعب السعودية، لذلك يتطلع الشباب معه إلى تنمية حقيقة كانت تحتكرها دهاليز متعرجة هدأت من تسارع التنمية، قبل أن ينطلق فجر سعودي قبل أسبوعين.

من مشرق الخبراء
محمد بن سلمان بن عبد العزيز، صيغة في مظهر تفوق، منذ أقل من أربعة أعوام، بزغ نجمه، فأصبح حديث المجالس، لذلك روى بعض الرواة عنه الكثير، وارتكن للصمت، اختاره والده ليكون سنده، قبل أن تُطوى له الأرض طيا، في إمارة الرياض التي قضى فيها والده نصف قرن حاكما للعاصمة وربع سكان المملكة.
لنأخذ القصة من بدايتها... ترتيبه وسط في عائلة والده، لكنه الأول اليوم، 35 عاماً طرزها بقوة التثقيف والمعرفة، أراد بعد أن تفوق في تعليمه أن يركز على الاستثمار وهو خريج القانون من جامعة الملك سعود، لكن قادته الأقدار إلى ما يحتاجه وطنه.
اعتادت هيئة الخبراء في مجلس الوزراء السعودي، التي تعد بمثابة قبة البحث والتحضير لتكوين بعض الصيغ للقرارات، اعتادت أن تجمع لديها متدربين من أوائل كليات الأنظمة والقانون في المملكة، فكان اسم الأمير محمد بن سلمان من بين الأوائل.
حضر لهيئة الخبراء متدرباً، وعمل قرابة العامين، تحت رئاسة رئيسها الذي أصبح اليوم وزير دولة في الحكومة السلمانية الجديدة، مناقشاً وباحثاً ومتعلماً، حتى شرب من واحة الميدان وصناعة الأنظمة السعودية الكثير، فأراده والده الملك أن يكون مستشارا خاصا له في إمارة الرياض أواخر عام 2009.

اهتمام بالشباب
عايش الأمير محمد مع والده الاحتكاك بهموم الناس في الإمارة، وتطلع إلى إنجازات تيسر عملهم، عرف هناك «الأسلوب السلماني» كما سماه الراحل الدكتور غازي القصيبي الذي يصف ملك اليوم والمستقبل سلمان بأنه رجل الإدارة.
في خضم عمل محمد بن سلمان في إمارة والده، اتجه إلى الشباب قولاً وعملاً، اهتم بهم وساندهم وكأنه يعلم من معايشته ما كان ينقصهم، فأسس مؤسسة غير ربحية جعلها «مسك» الشباب حملت اسمه، تركز على الثقافة والتعليم وتنمية مهارات القيادة لصناعة جيل شاب من أجل حاضر ومستقبل المملكة.
من جمعيته الخيرية، حاز على جائزة شخصية العام الخيرية لدعم رواد الأعمال في عام 2013 الممنوحة من مجلة «فوربس الشرق الأوسط» حيث كان مرآة عكست تطور الشباب السعودي من خلال الجمعية، فلم يبالغ فرحاً بأي شيء، بل كان الداعم لخلق التنافسية بين الشباب.
والده الملك كذلك، أسس «مركز الملك سلمان للشباب» لإيمانه بقدراتهم، وليكون مجهرا حقيقيا لكشف الشباب السعودي المبدع في كل المجالات وتقديم الدعم لهم، للمشاركة في تنمية وطنهم، ويرأس أمير الشباب محمد بن سلمان المركز، الذي يشق عالماً آخر روى عطش شباب كانوا في الظلام.

رحلة الدفاع... والقيادة
شهدت رحلة الأمير محمد خطوات كبرى، وبقدوة والده واصل عمله، لم يشكّل هو الأضواء عليه إلا من خلال عمله، ارتقى مع والده إلى وزارة الدفاع في عام 2011 التي أصبح وزيرها اليوم، وأشرف أثناء وزارة والده للدفاع على مكتبه.
لذلك، ليست الوزارة جديدة على الأمير الشاب، فقد عمل مع والده على تطوير عمل الوزارة الإداري، وجعلها في شفافية أمام جهات الرقابة الحكومية، بل وكانت خطوات والده الإصلاحية والقيادية ورحلاته الدائمة لبعض الدول مدرسة أخرى في التعامل والإدارة.
يعد الوزير الأول من أحفاد مؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبد العزيز الذي يتسنم الوزارة الأقوى في البلاد بعد أكثر من نصف قرن، والثالث من بين الأحفاد في تاريخ الوزارة، لكنه في الزمن والمرحلة الاستثناء، حيث يأتي للوزارة وهي في أوج قوتها بفضل تنظيمها الكبير وجيش بفروع عسكرية متطورة من بين جيوش المنطقة والعالم.
وارتحل القائد الشاب في المناصب، ودخل مجلس الوزراء بأمر العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله في عام 2014 ليكون وزيراً للدولة وعضواً في مجلس الوزراء إضافة إلى عمله رئيساً لديوان ولي العهد الأمير سلمان آنذاك ومستشاراً له.

مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية
لوالده الملك سلمان، إيمان بالشباب وبالكفاءات، إضافة إلى خبرة إدارية تمخضت من سنوات عمله الإداري التي بدأها قبل أن يبلغ العشرين، فكان سريع القرارات حازم الأمر بشأنها، بعد أن ألغى مجالس عدة، واكتفى بمجلسين أحدهما للشؤون السياسية والأمنية، ومجلس آخر للشؤون الاقتصادية والتنمية، جعل المجلس الأخير في عهدة الطموح محمد بن سلمان، كثير المهام سريع الإنجازات.
يرأس الأمير محمد، أكبر مجلس بعد مجلس الوزراء الذي يرأسه الملك سلمان، ومعه وفيه يحمل الأمير آمال شعب سعودي كبيرة، غالب ما تقتصر عليه اهتماماتهم هو الشؤون التنموية، ابتداء بالصحة والإسكان والبلديات، وهي مثلث يمس أكثر السعوديين، مروراً بالعمل والتعليم والنقل والطاقة والإعلام.
تقليص الفجوة في التنظيم وتحقيق التطلعات حول كل ما يمس حياة الناس تقع تحت عين محمد بن سلمان، برئاسته للمجلس الذي يضم غالب وزراء الدولة، ويتوقع معه أن يكون خريطة طريق لبدء مرحلة تنمية واستكمال إنجاز بعض التعثر في مشاريع سابقة.

أيقونة القانون والدفاع
تحديات كبيرة، من التنمية والاقتصاد، إلى الدفاع، حيث مرابط الدفاع بيديه، وأمامه تحديات الذود عن وطن، كان قوياً في مجابهة المتغيرات على مدار أكثر من ثمانين عاماً، وجعله مستمراً في القوة والحماية واستكمال خطوات تطويره التي بدأها وقطف بعض ثمارها في فترة وجيزة إبان فترة والده خلال أعوام أربعة.
متخصص القانون الأمير محمد، يؤمن بالشباب، ويعرف معهم التعامل وخلق الريادة وحل المعضلات، لتكون بلاده علامة الحضور إقليمياً ودولياً، فقد انتفضت القيادة السعودية خلال أسبوع، وحققت قفزات استثنائية في تولي الشباب ذوي الكفاءات مسؤولية الملفات المعقدة، لأنها ستحكي غداً عن قصة شباب، دخلوا كيان العمل الحكومي للتطوير، ومسارعة الإنجاز.
محمد بن سلمان، الذي لفت الكثير من صحافة العالم، وجعلته محور حديثها، علمت أنه بالعمر القصير، مر بالكثير من الأحداث العريضة، فهو يمر مغلقاً الأسماع، لا يكترث بالكثير مما يقال أو سيقال، لأن من آمن بقدراته ملكين، سيكون وقود العبور نحو المستقبل.

عرّاب «رؤية 2030»
في أبريل (نيسان) 2016، كانت السعودية على موعد إعلان قوة المستقبل، حيث وافق مجلس الوزراء على وثيقة رؤية السعودية 2030، التي تقوم على أركان ثلاثة وتشكل مزايا حصرية، لا تجد المنافسة، فالسعودية تعد العمق العربي والإسلامي بوجود الحرمين الشريفين، والموقع الاستثماري المحرك للاقتصاد حيث تشكل موارد إضافية للبلد، وآخرها الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمملكة، بوصفها تربط ثلاث قارات مع بعضها البعض، معتبراً الأمير أن هذه الأسس تسهم في صياغة هيكل جديد للبلاد الذي يتطلب التنظيم العالي وليس الإنفاق العالي.
وكان الأمير راعياً لها، ومتابعاً أيضاً بصفته رئيساً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، قطاعات أعيدت هيكلتها، ودمج بعضها، بعد أن بنت فكرتها العامة عبر الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، حول التغييرات في السياسة الاقتصادية والاجتماعية السعودية وقعا على جرد الواقع الداخلي السعودي، وتشخيص الفراغات التي يعاني منها. فالكثير من الخطوط العريضة لرؤية السعودية 2030 أصبحت علامات معروفة للكثيرين وتشمل حملة لتعزيز الكفاءة داخل الحكومة ودوراً أكبر للقطاع غير النفطي وتغيير طريقة إدارة الدولة للاحتياطيات الأجنبية لزيادة العوائد.

مهندس العلاقات مع زعماء العالم
يوصف الأمير محمد بن سلمان بأنه مهندس العلاقات السعودية - الأميركية، وخصوصا أن اجتماعه مع ترمب في البيت الأبيض في مارس (آذار) الماضي مهد لزيارة ترمب التاريخية إلى السعودية، كما أنه أسس أول قناة تواصل بين البلدين، وبعد كانت له زيارة شهيرة إلى موسكو التقى فيها الرئيس بوتين واجتمع معه وناقشا ملفات مهمة.
إلى ذلك, أعاد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز الذي اختير ولياً للعهد في السعودية أمس تشكيل التحالفات الخارجية للمملكة، من خلال رؤية جديدة تتوازى مع حجم البلاد الإقليمي والعالمي، وتواكب الأهمية الدينية والاقتصادية والسياسة.
وشكلت جولات ولقاءات الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز منذ تعيينه ولي ولي العهد تطوير العلاقات السعودية مع القوى العالمية والدول الناشئة، حيث أعاد إحياء العلاقات السعودية - الأميركية، وذلك عندما التقى في مارس (آذار) الماضي بواشنطن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كأول مسؤول إسلامي وعربي يزوره بعد الانتخاب، خصوصاً أنها جاءت بعد مرور العلاقة بين البلدين بفترة تباعد إبان فترة حكم الرئيس السابق باراك أوباما، الأمر الذي توج بإعلان الرئيس ترمب اختيار الرياض أول محطة في الزيارة الخارجية الأولى له رئيساً للولايات المتحدة الأميركية.
كما استطاع الأمير محمد بن سلمان تعزيز العلاقة مع روسيا من خلال زيارة التقى فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نهاية مايو (أيار) الماضي، الذي أكد أن البلدين يجريان اتصالات على المستويين السياسي والعسكري، كما يوجد تعاون في مسائل تسوية الأزمات، في المقابل أشار ولي العهد السعودي إلى وجود كثير من النقاط المشتركة بين البلدين، ولفت إلى آلية واضحة لتجاوز كل الخلافات الموجودة.
كما زار الأمير محمد بن سلمان، اليابان، وأجرى محادثاتٍ مع الإمبراطور أكيهيتو وكبار المسؤولين اليابانيين، نتج عنها توقيع 11 مذكرة تفاهم لبناءِ تعاونٍ متين، في مجالات عدة والآفاق التي تخدم رؤيةَ 2030.
وأعرب إمبراطور اليابان أكيهيتو في لقائه بولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن تقديره لدور السعودية القيادي في تحقيق أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، وكذلك الترحيب والعزم على شراكة في «رؤية المملكة 2030»، وبحث فرص التعاون الثنائي بين البلدين.
إضافة إلى أنه زار فرنسا في يونيو (حزيران) من العام الماضي، والتقى الرئيس السابق فرنسوا هولاند والصين في أغسطس (آب) الماضي، وقابل الرئيس الصيني شي جين بينغ، وهي الزيارة التي شهدت توقيع عشرات الاتفاقيات خلال الزيارة بما يدعم رؤية السعودية 2030.
ولم تقتصر زيارات ولي العهد السعودي على الدول العالمية، إذ كان يزور دول المنطقة باستمرار في إطار مهام لبحث قضايا مشتركة وزيادة التعاون المشترك، حيث تصدرت دول مجلس التعاون الخليجي زيارات الأمير محمد بن سلمان، يُضاف لها زيارته إلى مصر عدة مرات والأردن وغيرهما من الدول العربية والإسلامية.
هذه الزيارات أعطت فكرة عن شكل السعودية الجديدة، وشرح طريقة عملها، ودور المملكة المؤثر في القضايا العالمية والإقليمية، الأمر الذي تُوِّج بدعم الدول العالمية لوجهة النظر السعودية في كثير من تلك القضايا والأحداث.

مواصلة النماء
أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، صباح أمس (الثلاثاء)، أوامر ملكية شاملة، جاء أبرزها اختيار الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولياً للعهد إضافة إلى منصبه في وزارة الدفاع والمهام الموكلة إليه، خلفا للأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز.
وجاء القرار بعد موافقة هيئة البيعة، بأغلبية من المصوتين الأربعة والثلاثين، لرجل السعودية الثاني، الذي مهّد وأعاد النبض في قلب الحياة التنموية في البلاد، بالحياة والتجدد، في عهد والده الملك سلمان، بدماء جديدة وخبرات إدارية، لتغذية جسد المشروع الأساسي في البلاد، رغم كل التحديات التي تغلّبت عليها المهارة السعودية في إدارة الملفات.

إقرأ أيضاً ...