الخميس - 27 شهر رمضان 1438 هـ - 22 يونيو 2017 مـ - رقم العدد14086
نسخة اليوم
نسخة اليوم 22-06-2017
loading..

قطر ولحظة المكاشفة الحاسمة

قطر ولحظة المكاشفة الحاسمة

الثلاثاء - 25 شهر رمضان 1438 هـ - 20 يونيو 2017 مـ رقم العدد [14084]
نسخة للطباعة Send by email
كشفت الأزمة مع «الحالة القطرية»، والتي لا يزال العقلاء في الخليج يأملون أنها عَرض لداء أصاب الدولة في قطر منذ عقدين، وليس مرضاً لا يرجى برؤه كما يعّبر الفقهاء، أو بلغة سياسية لم ينل من بنية الدولة؛ عن تناقضات سياسية عميقة في المشهد السياسي العربي والإسلامي، والذي يمكن القول إنه يتعرض لأزمة فقدان منطق الدولة بمدلولاته السياسية، والذي بلغ ذروته مع الربيع العربي.
فقدان منطق الدولة الذي تعبر عنه «الحالة القطرية» ومعها المشهد السياسي، مفتاحه الازدواجية بين الديني والسياسي والإعلامي، وهي فضاءات كانت محددة المعالم وواضحة قبل لحظة الربيع على الأقل بشكل لا يمس جسد الدولة، إلا أن هذه الازدواجية التي نشهد ذروتها اليوم مع الأزمة القطرية أصبحت تهدد وبشكل خطير وغير مسبوق، مفهوم السيادة لدول المنطقة، في مقابل محاولات لعب أدوار توسعية واستقطاب المعارضة ودعم الأقليات، والتحالف مع الميليشيات، في تعبير عن فصل يعبر عن خريف سياسي تدشنه الدوحة بالتحول من استراتيجية التجاوز لمنطق الدولة في فترة الربيع إلى خطاب المظلومية السياسية، مع لحظة المكاشفة الخليجية التي وضعت حداً للتجاوزات في فترة سياسية حرجة تمر بها المنطقة.
وبعد مرور وقت قصير على رفع شعار المظلومية، انتقلنا إلى مرحلة جديدة يمكن وصفها بحالة «الاستقواء» بالخارج، لكن بالازدواجية نفسها، التي يبدو أن الحالة القطرية ممثلة في إعلامها قد أدمنتها.
أول هذه التناقضات هو محاولة القفز على تصريحات الرئيس الأميركي ترمب، بضرورة أن تتوقف قطر عن تمويل الإرهاب، بينما مترجم «الجزيرة» الفوري يرتبك ويزور الترجمة على الطريقة الإيرانية التي كانت مدعاة سخرية «الجزيرة» ذاتها، ليعلق مسؤول قطري بحسب «رويترز» على صفقة الأسلحة التي أبرمت في عهد أوباما، والتي صرحت الإدارة الأميركية بأنها مشروطة بالتقدم في ملف مكافحة الإرهاب، بأنها تدل على عمق العلاقات مع الولايات المتحدة. لكن صحيفة «الرأي» القطرية تذهب بعيداً لتنقل عن مسؤول الإعلام في تنظيم «أحرار الشام» أن ما حدث لقطر يؤزم الحالة السورية، ويخلي الساحة لإيران التي وصفها بـ«ألد أعداء الثورة السورية»، وأميركا بأنها «تتصرف بطريقة تجعل الجميع عبيداً»، في نسف للجذور العميقة التي لا تتأثر، على حد قول المسؤول القطري في تعليقه على صفقة الأسلحة، ثم تنقل عن القيادي ما تظنه قدحاً في موقف دول الخليج بقيادة السعودية، الذي هو اليوم موقف مبدئي من التنظيمات المسلحة في سوريا، والتي لا تعكس الحراك الحقيقي لثورة الشعب السوري، حيث يقول إن قرار المقاطعة (الحصار على حد وصفه) يؤكد على «عدم وجود داعم خليجي إلا قطر».
هذه التناقضات تعكس استراتيجية «النصرة» التي تستخدمها وسائل الإعلام في قطر بالمعنى الأصولي تماماً لجماعات الإسلام السياسي، ويتلخص المفهوم في اجتراح مواقف سياسية عابرة للحدود لمجرد التعبئة والحشد والتحريض، وهو ما يذكرنا بحالة الاشتباك والاصطفاف الآيديولوجي الذي شهدناه أيام الربيع العربي والفترة التي سبقته، حيث لعبت «قناة الجزيرة» آنذاك دوراً تأجيجياً عبر التدخل المباشر في سيادة الدول وتقويضها، والتحريض ضد أمنها، بل ونشر خطابات رموز الإرهاب والعنف من «طالبان» إلى «القاعدة»، وصولاً إلى «داعش»، وأذكر حلقة من برنامج «الاتجاه المعاكس» بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، استضافت الناطق باسم تنظيم القاعدة سليمان أبو الغيث، الذي قال في حلقة استضافت أيضاً أحد رموز المعارضة في لندن: «نحن في تأييدنا لابن لادن ننطلق من منطلق عقدي، ونعتبر ما ينادي به مطلباً شرعياً ملحاً، لا يجوز للأمة التأخر في الاستجابة له والعمل على تحقيقه». والحلقة موجودة إلى الآن على موقع القناة، واللافت أنها كانت أحد المراجع المهمة للكتاب الذي كان أشبه بسيرة تحفيزية لاستقطاب الأجيال القاعدية الجديدة «بن لادن مجدد الزمان» من تأليف أبي جندل الأزدي، وهو الاسم الحركي لفارس آل شويل، المطلوب الأمني القاعدي الذي تم إعدامه قبل سنوات.
التحالف بين الأصولية المسلحة والخطاب السياسي المؤدلج، الذي كان يجمع مزيجاً غير متجانس من القوميين واليساريين يتربعون على منصات «الجزيرة»، لا يجمعهم شيء سوى العداء لدول الخليج، والرغبة في انهيار حالة الاستقرار وتقويضها في دول الاعتدال العربي، تحت شعارات برّاقة، من المقاومة إلى الممانعة، وصولاً إلى ثورات الميادين التي وإن كسبت تعاطفاً لحظياً وساهمت في تشظيات عميقة في مفهوم الدولة، إلا أنها عكست عن أدوار خطرة لعبتها «الحالة القطرية»، وساهمت رغبة دول الخليج في الاصطفاف ونبذ الفرقة إلى التجاوز عنها باعتبارها مراهقة سياسية، إلى أن جاءت لحظة المكاشفة في 2014، وتمت استعادة قطر من الحالة القطرية بضمانات كبيرة، سرعان ما تم نقضها لاحقاً لتتضخم الحالة القطرية وتبتلع الدولة.
اليوم نشهد حالة من رد الدين مجدداً للحالة القطرية وقناة «الجزيرة»، والتدخل السيادي من قبل فرسان الأمس، إلا أن الفارق اليوم هو أن الظرف السياسي والتاريخي لا يسمح بإعادة تلك التجاوزات، ليس على المستوى الخليجي والعربي، بل حتى على المستوى الدولي، حيث تكشف أن ما قيل حينها من أنه حرية الرأي والرأي الآخر، في ظل مشروع الشرق الأوسط الجديد، لم يكن إلا ازدواجية سياسية غير محسوبة العواقب، ساهمت في تمكين الأصولية الصاعدة والمتمثلة في الإسلام السياسي، الذي تم تقديمه للعالم عبر «الربيع العربي» بديلاً للأنظمة السياسية.
رد الدين أخذ طابعاً أصولياً بلغة يائسة عالقة في التاريخ لا الواقع؛ فأحد قيادات حزب الإصلاح في اليمن يشبه المقاطعة بـ«حصار قريش للمستضعفين في شعب بني هاشم»، وهو التشبيه نفسه من الدكتور أحمد الريسوني نائب هيئة علماء المسلمين التي يرأسها القرضاوي، وثالث يكتب في مدونته على «الهافنغتون بوست» النسخة العربية التي تدار من الدوحة، أن انحياز الرئيس إردوغان يذكره بموقف النجاشي مع المهاجرين في العهد النبوي، في حين أنه في أبسط القراءة السياسية تدخل سيادي مرفوض على المستوى السياسي، لا سيما بعد إعلانه مسبقاً إرسال قوات دعم، والذي يدعو إلى الدهشة أن هذا التشبيه ليس من بنات أفكار المدون السياسي، بل قد سبقه إليه جدل في أروقة منتديات التنظيمات المسلحة المتعاطفة مع القاعدة، والتي كانت تبحث عن تخريج شرعي لمواقف إردوغان رئيس الدولة العلمانية في نظرها، وتأييده للإسلام السياسي، فقاسته على موقف النجاشي ملك الحبشة غير المسلم. هذا القياس، رغم طرافته وإعادة إنتاجه مجدداً، يعكس حالة العناق والاندماج اليوم بين الراديكالية الدينية والفكر السياسي المؤدلج، والذي للأسف تكثفه «الحالة القطرية» على نحو غير عقلاني.