أمازون وتنويع النشاطات التجارية

أمازون وتنويع النشاطات التجارية

الاثنين - 25 شهر رمضان 1438 هـ - 19 يونيو 2017 مـ رقم العدد [14083]
د. عبد الله الردادي
باحث سعودي متخصص في الإدارة المالية
أعلنت شركة أمازون عن نيتها شراء سلسلة متاجر «هول فود» الأميركية للأغذية بمبلغ يقارب 14 مليار دولار، مقتحمة بذلك مجال بيع المنتجات الغذائية، في صفقة يعدها البعض تغييرا في استراتيجية أمازون، ويعدها البعض الآخر امتدادا لفلسفة أمازون في تنويع سلعها ونشاطاتها التجارية وتأكيدا على معنى السهم في شعارها الذي يربط الحرف الأول من الأحرف الهجائية بالحرف الأخير منها. بدأت أمازون في منتصف التسعينات موقعا إلكترونيا لبيع الكتب، وتطورت الشركة وتوسعت نشاطاتها مع الوقت حتى أصبحت اليوم تبيع أكثر من 200 مليون منتج في أكثر من 35 قسما للبيع. توسع أمازون وتنويعها لمجالاتها لا يعد غريبا في عالم الأعمال الذي يعد التوقف عن التوسع بداية الإفلاس.
تتعدد أسباب تنويع الشركات لنشاطاتها بحسب أوضاع الشركات نفسها، فقد يكون التنويع انعكاسا للحالة الاقتصادية الإيجابية للشركات، فبدلا من أن تقوم بعض الشركات بالتوسع في نفس نشاطها الأصلي، تبدأ بممارسة نشاط جديد، ويكون هذا التغيير عادة باستقراءٍ للمستقبل الاقتصادي ومدى نجاح الأنشطة التجارية في المستقبل. وقد يكون التغيير أيضا انعكاسا لحالة اقتصادية سلبية، ففي حين تقلص بعض الشركات حجم استثماراتها تفاديا للإفلاس، يقوم البعض الآخر بالبحث عن نشاط تجاري جديد، خاصة إذا كان فشل النشاط السابق ناتجا عن تغير احتياجات السوق. وفي جميع الحالات، فإن التنويع في النشاط التجاري يعد قرارا استراتيجيا للشركة بإمكانه إيصالها لبر الأمان قدر إمكانه وضعها في مهب الريح.
ويعتمد قرار التنويع أو التغيير في نشاط الشركة بشكل كبير على معرفتها بقدراتها واطلاعها على احتياجات السوق، وقد لا يكون عمر الشركة عنصرا أساسيا في اتخاذ هذا القرار، فقد قامت الكثير من الشركات بتغيير نشاطها بعد إنشائها بسنوات، وتكثر الأمثلة على ذلك، فمتاجر «تيفاني» للمجوهرات كانت في بداياتها تبيع الأدوات المكتبية، ولم تبدأ في بيع الحُلي إلا بعد تأسيسها بخمسة عشر عاما. أما شركة «ننتيندو» اليابانية فكانت متخصصة في بيع أوراق اللعب نهاية القرن التاسع عشر , ومع ضعف الإقبال على أوراق اللعب في بداية ستينات القرن الماضي قامت الشركة بعدة محاولات فاشلة لدخول أسواق مختلفة مثل الشبكات التلفزيونية وسيارات الأجرة إلا أنها نجحت في عام 1966 في مشروع ألعاب إلكترونية كان بداية نجاحات كثيرة في هذا المجال منذ ذلك الوقت وحتى وقتنا الحالي. وعلى النطاق العربي، يتشابه نموذج أمازون في تعدد السلع كثيرا من نموذج مكتبة جرير السعودية، التي بدأت متجرا للكتب في الرياض نهاية السبعينات وتوسعت إلى ما يزيد عن خمسين معرضا تقوم ببيع المطبوعات والألعاب والإلكترونيات.
وقد لا يكون التنويع في النشاطات ناجحا بكل حال، فشركة توشيبا تشكل مثالا حيا للفشل في تنويع النشاطات التجارية، فقد قامت الشركة اليابانية العملاقة في عام 2006 بالإعلان عن نيتها الدخول في مجال الطاقة المتجددة، وعن بدئها شراء مفاعلات للاستثمار في الطاقة النووية، وعلى مدى سنواتٍ خمس، قامت الشركة بالتوسع في هذا المجال، إلا أن كارثة فوكوشيما في اليابان عام 2011 كانت بداية الفشل لتوشيبا في هذا المجال. فالتسريبات النووية في فوكوشيما أنذرت جميع الدول المعتمدة على الطاقة النووية باحتمالية كوارث مشابهة، وقلصت بعدها الكثير من الدول اعتمادها على الطاقة النووية، مما جعل مهمة توشيبا أكثر صعوبة في بيع الطاقة المستثمرة حول العالم. خبرة الثمانين عاما في مجال الإلكترونيات لم تسعف توشيبا في الخروج من هذا المأزق النووي، مما يجعلها تواجه خطر الإفلاس في الوقت الحالي.
إن في تنويع النشاطات التجارية إغراءً لكثير من رجال الأعمال الذين نجحوا في مجال معين فيحاولون إيجاد تحدٍ جديد واقتحام مجالات أخرى انطلاقا من نظرتهم الخاصة لعالم الأعمال ولعل أقرب مثال على ذلك، المحاولات المستمرة من غوغل وأوبر للسبق في إنتاج السيارات الذاتية القيادة، فالأولى تدخل هذا المشروع كونها إحدى أكبر شركات التقنية حول العالم، والثانية تدخله لتطوير العمل في مجال سيارات الأجرة. وتنطبق الكثير من هذه العوامل على حالة أمازون، فهي قد توسعت في نطاق المتاجر الإلكترونية بشرائها الموقع الإماراتي «سوق دوت كوم» قبل عدة أشهر، واستمرت في تنويع نشاطاتها التجارية لمتاجر الأغذية. وهي حتما ستستخدم شبكاتها الإلكترونية للبيع واللوجيستية في التوزيع لدعم متاجرها للأغذية. شراء أمازون لهذه المتاجر طرح الكثير من التساؤلات عن مستقبل قطاع التجزئة الأميركي، فأمازون استطاعت بقوة متاجرها الإلكترونية، السيطرة على مبيعات الكتب والإلكترونيات في الولايات المتحدة، مسببة بذلك الكثير من الخسائر لقطاع التجزئة في هذين المجالين، وبدخولها الآن عالم الأغذية ينظر الكثيرون إليه بصفتها تهديدا حقيقيا لمتاجر الأغذية الأميركية بشكل خاص، ولشركات قطاع التجزئة بشكل عام التي بدلا من أن تتنافس فيما بينها، ستضطر لمحاربة منافس جديد، بإمكانيات جبارة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر