الشعبوية الأممية... انتصار أم انكسار؟

الشعبوية الأممية... انتصار أم انكسار؟

السبت - 2 شهر رمضان 1438 هـ - 27 مايو 2017 مـ رقم العدد [14060]
إميل أمين
* كاتب مصري
قبل نحو ثلاثة أشهر على أبعد تقدير بدا وكأن مشهد بروز الشعبويات وعودة الراديكالية، ناهيك عن صحوة القوميات، قد أصبح التيار الغالب آيديولوجيّاً حول العالم، وهي مشاعر تعززت وتجذرت بعد حدثين كبيرين؛ الأول هو الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، والثاني هو انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مع ما واكب الاختيار من توجهات يمينية لم تكن تخفى على أحد في الداخل الأميركي.
والشاهد أن مسألة صعود الحركات الشعبوية تحتاج إلى المزيد من التفكيك والتحليل لمراجعة أسبابها، ذلك أن فريقاً من علماء الاجتماع والسياسة يذهب إلى أنها نتاج مباشر لارتداءات العولمة، وإفراز مؤكد لحالة الشوفينية المجتمعية، والخوف من ذوبان الهويات التاريخية، فيما فريق آخر جُلّه من رجال المال والأعمال، يرون أن السبب المباشر هو الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي ضربت العالم منذ عام 2008، ومن بعدها ارتدَّ الجميع إلى داخل حدود حمايته الجغرافية والعرقية، وكان من الطبيعي أن نرى عودة المحافظين الجدد المغرقين في اتجاهاتهم اليمينية في الولايات المتحدة، أو صعود نجم بعض الحركات في أوروبا، وفي المقدمة منها «الجبهة الوطنية» في فرنسا، بقيادة مارين لوبان، وفي إيطاليا حركة «النجوم الخمسة»، أما ألمانيا التي عاشت مرارة التطرف الآيديولوجي وخبرت آثاره الكارثية من النازية، فنجد لديها حركة «البديل من أجل ألمانيا» وهولندا علا فيها صوت النائب خيرت فليدرز بآرائه المغرقة في العنصرية.
في هذه الأجواء ليس سرّاً القول إن الإسلام والمسلمين، بل العرب على اختلاف أطيافهم وأطرافهم باتوا في مقدمة الأعداء لأصحاب تلك التيارات، الأمر الذي لا يدارونه أو يوارونه في برامجهم السياسية، أو دعاياتهم الانتخابية.
على أن علامة الاستفهام في هذا المقام: هل صعود الشعبويات واستشراء خطر القوميات اليمينية حول الكرة الأرضية قدر مقدور في زمن منظور؟
الثابت أننا عدة مشاهد جرت بها الأقدار أخيراً تأخذنا في إطار استشرافي مغاير للواقع الذي كان سائداً قبل بضعة أشهر، وفي هذا تغير جذري واضح ومثير، وإن كان يحتاج إلى تحليلات أو ربما تعليلات لتبيان أسباب الانقلاب ضد الشعبويات، وهل هي العلمانية الأوروبية والأميركية التي تحافظ على ذاتها أم أنه رصيد التنوير الذي يُخشَى عليه من طوفان الظلاميات الأصولية في طبعاتها الغربية.
لتكن البداية من فرنسا تحديداً، ذلك أن كابوس فوز زعيمة الجبهة الوطنية، كان يؤرق الفرنسيين والأوروبيين من جهة، وبقية العالم العربي والإسلامي من جهة أخرى.
غير أن خيارات الفرنسيين قدمت المرشح الشاب المستقل إيمانويل ماكرون على الجميع، وكأن الشعب الفرنسي أراد إيقاف المد الشعبوي الذي كان ليجتاح أوروبا العريقة على بكرة أبيها دفعة واحدة دون رحمة أو هوادة، لو عرفت لوبان طريقها إلى الإليزيه، ولو قدر لها أيضاً تنفيذ برنامجها (الشوفيني)، وفي المقدمة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، غير أن الفرنسيين كانوا أمناء إلى أبعد حدّ ومدّ لتراثهم الإنساني والعقلاني، حيث الحوار والجوار، عوضاً عن الشجار والافتراق.
المشهد الثاني الكبير المهيمن على الساحة الدولية بشكل عام والخليجية بنوع خاص، يتصل بزيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمنطقة الخليج العربي، والقمم الثلاث التي عقدها في المملكة العربية السعودية، الأيام القليلة الماضية.
كان الخوف كل الخوف أن يمضي ترمب، على نحو يزيد من مخاوف الإسلاموفوبيا، وهي وجهة أخرى لانعكاسات الشعبويات والقوميات اليمينية التي تضع العالم الإسلامي الذي يبلغ عدده ملياراً ونصف المليار حول الكرة الأرضية، في كفة واحدة مع بضعة آلاف على أقصى تقدير من المتطرفين.
إلا أن زيارته الأخيرة للمنطقة، والاتفاقيات التي أُرسِيَت، ونقصد بها الفكرية قبل الاقتصادية، لا سيما في مجالات مكافحة الإرهاب، أعطَتْ زخماً شديداً لروح التعايش، وبات المشهد يحمل ملامح من الأمل والرجاء في مرحلة مغايرة من التعاون الخلاَّق بين العرب والمسلمين، وبين الأميركيين والأوروبيين أيضاً، من أجل مستقبل أكثر إنسانية، تزدهر فيه أجيال تعرف معنى ومبنى «فرح اللقاء» بالآخر، وتتقلص فيه مساحات العداوات والعنف.
قبل المشهدين الفرنسي والأميركي، كانت هناك الانتخابات التشريعية الهولندية، التي اعتبرها البعض بالفعل «بارومتر الشعبوية»، الأوروبية، حيث اليمين الذي يزعمه فليدرز لم يتوقف عن الشحن العاطفي المضاد للأوروبيين وللمسلمين دفعة واحدة، وقد اتخذ من أزمة اللاجئين مدخلاً لإشعال مشاعر الكراهية والعمل على إشاعتها بين صفوف الهولنديين.
غير أنه ومن حسن الطالع تنكرت له الغالبية الهولندية، المعروفة بالتسامح وقبول الآخر، وفوتت عليه فرصة تشكيل حكومة، كانت ستزيد المشهد الأوروبي لا سيما مع تركيا الجار التاريخي الأقرب، تشنجاً، ووصولاً إلى الصراع اللفظي، والأسوأ كان وشك في الطريق.
والحال أنه إذا ذهبنا إلى النمسا ذاتها فسنجد رجع صدى لانسحابات الشعبوية بدرجة أو بأخرى، فقد حاولت الأصوات المتطرفة عينها بين صفوف النمساويين قيادة المشهد والفوز بالانتخابات الرئاسية، إلا أن النمساويين فَضَّلوا الرئيس المعتدل ألكسندر فان دير بيلين، الرجل الذي تحدث منذ أيام قليلة قائلا: «قد يأتي يوم أطلب فيه من النمساويات ارتداء الحجاب، تضامناً مع المسلمات إذا استمرت حملة الإسلاموفوبيا في البلاد».
هل الشعبويات في طريقها للانكسار؟
حتى وإن كان الطريق طويلاً، فإن حبَّ النماء والحياة لا بد أن يغلبا شهوة الفناء والموت... الانتصار الإنساني أكيد.

التعليقات

taher omer
البلد: 
uk
27/05/2017 - 00:03

استعداد الانسان للخير يهزم دوما نزعة الشر في الانسان. والشعبوية في الاونة الاخيرة ماهي إلا رد فعل الشعوب الاوروبية التي لم تخرج من التاريخ على نخبها الفاشلة. العالم يتخلق ليولد من جديد والاهم فيه معادلة الحرية والعدالة. عقل الانوار و ثمار الحداثة تمنع اوروبا من ان تنسى نزعتها الانسانية لذلك خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروربي وانتخاب ترمب وصعود اليمين المتطرف في فرنسا جرس انذار للنخب الفاشلة ونتيجته فوز ماكرون الذي يوضح أن نخب فرنسا قد أصبحت خارج التاريخ وانتخاب ماكرون يمثل نقطة انقلاب الزمان كما يقول أرنولد توينبي لحظة انقلاب الزمان حيث يولد الفلاسفة والحكماء والانبياء من حظ اوروبا انها يتوجها عقل الانوار.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر