«اعتدال» يحاصر الفكر المتطرف

«اعتدال» يحاصر الفكر المتطرف

الثلاثاء - 26 شعبان 1438 هـ - 23 مايو 2017 مـ رقم العدد [14056]

خلال ثلاثة أيام مضت، حشدت الرياض جمعاً من رؤساء دول وقادة العالمين العربي والإسلامي. 54 دولة استضافتها العاصمة السعودية لحضور قمة إسلامية عربية على شرف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي زار الرياض خلال هذه المدة، وحققت زيارته ما لا يمكن حصره من أهداف سياسية واقتصادية وأمنية، وحتى شخصية، بالنظر إلى نظرته السابقة حول الإسلام والمسلمين، وكيف تحول اليوم إلى رجل يتسم بالواقعية والحكمة والبراغماتية في رؤيته لقضايا المنطقة.
ومع التنظيم المذهل خلال الثلاثة أيام هذه، كانت الرياض متأهبة لاستقبال المئات من الشخصيات السياسية والاقتصادية والوفود الإعلامية. وبدأت حركة العمل الدؤوب منذ ساعة وصول الرئيس وأسرته وحتى ساعة مغادرتهم، في جدول عمل حافل باللقاءات والزيارات وتوقيع اتفاقيات مهمة.
كلمة «تاريخية» التي وصفت بها الزيارة وما خرجت به، تتضح في أكثر من جانب، بدءاً باختيار الرئيس عاصمة بلاد الحرمين الشريفين كأول بلد يزوره بعد توليه الرئاسة، وهو تحول كبير وواعد في موقف الولايات المتحدة تجاه المنطقة. كما اختار أن ترافقه أسرته؛ زوجته السيدة الأولى، ومستشاراه ابنته وزوجها. وهي رسالة فيها كثير من الدبلوماسية والإرادة لعقد تقارب وصداقة حقيقية على أساس المصالح المشتركة مع المملكة بشكل خاص، ودول العالم العربي والإسلامي بشكل عام.
أحد أهم ما أسفرت عنه الزيارة هو تدشين مركز مكافحة الفكر المتطرف «اعتدال»، الذي تم الإعداد له منذ عامين بإشراف ولي ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان. المركز عالمي، لا يحمل جنسية محددة، كما هو حال التطرف الذي لا جنسية له. إدارته من خلال مجلس يضم 12 شخصية من مختلف الجنسيات يتمتعون بالخبرة في مكافحة الخطاب الإعلامي المتطرف، ويعمل بنظام حوكمة عالي المستوى وفق المعايير الدولية. المركز هو ترجمة فعلية لخطاب الرئيس دونالد ترمب في القمة العربية والإسلامية، الذي ركز فيه بشكل كبير على ضرورة اتحاد الدول لمكافحة الفكر المتطرف والمتطرفين في كل أنحاء العالم.
خلال تدشين المركز، استمع الرئيس الأميركي مع مضيفه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وقادة الدول، إلى آلية عمل المركز، وأقسامه، ومهامه التي تركز على رصد وتحليل الأطروحات المتطرفة في وسائل الإعلام الاجتماعي أو الإعلام عامة وبلغات مختلفة، ويعمل خلف شاشات حواسيبه طواقم من الشباب والشابات السعوديين. وهو ولا شك عمل مهم سيحدث فرقاً كبيراً في واقع مكافحة الإرهاب، وسيرفع عبئاً ثقيلاً عن كاهل إدارة برامج التواصل الاجتماعي، خاصة «تويتر» و«فيسبوك»، التي شكل استخدام الإرهابيين عليها مسؤولية كبرى، خاصة مع ضغط الحكومات التي تطالب إدارة كلا الموقعين بحجب الحسابات المتطرفة.
«تويتر» و«فيسبوك» وغيرهما من المواقع تعتبر أن مهمة ضبط الحسابات التي تشيع التطرف ورصدها أمر شاق، ويكاد يكون من المستحيل أن تتم هذه العملية على المستوى المطلوب الذي تتوقعه الحكومات. وكان جورج سلامة رئيس الساسة العامة والعلاقات الحكومة لشركة «توتر» في قطاع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ذكر خلال كلمته في منتدى «مغردون» قبل يومين، أن الموقع حجب خلال عام 2016 فقط، 125 ألف حساب مخالف، وخلال أشهر وصل العدد إلى 600 ألف. رقم هائل يشير إلى قدرة الفرد الواحد من المتطرفين على التعامل مع هذه المواقع وعمل أكثر من حساب واحد بغية تبليغ رسالته، ومنها على سبيل المثال الحسابات التي استهدفت المملكة خلال الأيام الماضية، بعضها من داخل المملكة ومعظمها من خارجها، تعمل لحساب منظمات ودول غير راضية عن قمم الرياض الثلاث ومخرجاتها، وهو أمر متوقع بالنظر للنجاحات التي تحققت في العاصمة السعودية.
مركز الاعتدال الذي تم تدشينه، سيقوم بدوره في متابعة ورصد الحسابات المتطرفة، ويقوم بتحليل محتواها، باستخدام مقومات تقنية عالية التطور تعالج المحتوى وتصنفه خلال ثوان من لحظة نشر التعليقات على الشبكة المعلوماتية. المتطرفون بدأوا في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي منذ بدأت بالانتشار بين الناس وكثر مستخدموها، كوسيلة سريعة للوصول للشباب والتأثير عليهم، وبكل أسف فقد نجحوا إلى درجة كبيرة في تجنيد كثير من الشباب والشابات عبر القارات، خاصة أولئك الذين يعانون من مشكلات اجتماعية أو أزمات نفسية، أو من المراهقين الصغار الذين تأخذهم الحماسة والانفعال، سريعي التأثر بأجندة المتطرفين التي تبدأ معهم بلغة اللين واللطف والترغيب والتشجيع، والوعود بالحياة الرغيدة الخالدة.
اليوم سيجد الإرهابيون أنفسهم محاصرين بأجهزة الرصد، بكل لغة يتواصلون من خلالها، لكن المهمة الرئيسية لمركز «اعتدال» تتمثل في اقتناص الخطاب الذي يحرض على الإقصاء أو تحقير المعتقدات الأخرى أو ذمها، أو التهديد المباشر أو غير المباشر للمختلفين فكرياً، سواء محلياً أو من داخل أي دولة في العالم؛ لأن الإرهاب درجات مثل السلم، نهايته العنف، لكن الدرجة الأولى منه خطاب التحريض وبث الفرقة وتصنيف الناس وفق معتقداتهم ومذاهبهم. هذا السلوك الذي مورس لعقود من الزمن في مجتمعاتنا انتهى إلى التشرذم والتحزب ونشر الكراهية، فكان من السهل أن تتدحرج كرة الكراهية هذه وتكبر مع زيادة الطروحات المتشددة والغلو، وانتشارها لتكون بالنهاية آيديولوجيا حادة متطرفة غير قابلة للحياة.
لقد أصبح الإرهاب هماً عالمياً وتهديداً مباشراً لكل دول العالم التي تسعى لحياة كريمة لشعوبها، وأصبحت الدول الداعمة أو الممارسة للإرهاب معلومة ومعرضة لغضب الشعوب المسالمة، مثلما هي معرضة للعقوبات الدولية.
وبعد كلمة الرئيس الأميركي التي اتسمت بالشفافية والواقعية والمسؤولية والاستعداد للتعاون بكل السبل لإرساء السلام والازدهار في المنطقة، نستذكر عبارته العظيمة: «مسيرة السلام تبدأ هنا، في هذه الأرض المقدسة»، فإننا اليوم، كمسلمين بشكل خاص، علينا العبء الأكبر في مواجهة الإرهاب، كوننا الأكثر تضرراً منه، ولأنه عنف يمارسه المتطرفون باسم الدين الإسلامي الذي ننتمي إليه.
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة