مذكراتهن

مذكراتهن

الأحد - 25 شعبان 1438 هـ - 21 مايو 2017 مـ رقم العدد [14054]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

في الأخبار أن هيلاري كلينتون تعكف على كتابة مذكراتها، وأن زوجها بيل يستفيد من تجربته في البيت الأبيض ليكتب رواية من نوع التشويق السياسي، بالاشتراك مع روائي محترف. لا جديد في الأمر. كل رؤساء أميركا السابقين يغادرون الرئاسة ليبيعوا مذكراتهم بمبلغ مليونيّ. وقد تمنيت، في فترة ما، لو تتاح لي فرصة الاستماع إلى فلان، أحد أشهر وزراء الخارجية العراقيين، وتحرير كتاب مذكراته. لكن الرجل ظل صامتاً ورحل ومعه أسراره.
المذكرات فعل شجاعة، إذ يقرر صاحبها وضع حياته بكل انتصاراتها وانكساراتها تحت النور، وإلا فإنه سيكون كتاباً في التنجيم. وقد نشر الصحافي بيير بيان كتاباً عن سيرة الرئيس ميتران، كشف فيه أنه كان في شبابه موظفاً في حكومة فيشي التي تعاونت مع الاحتلال الألماني لفرنسا. وظهر الكتاب في عهد ميتران ولم يحاول الرئيس الأسبق أن يصادره من المكتبات. والأغلب أنه هو الذي سرّب المعلومة للمؤلف. تلك كانت طريقة ميتران في فضح كل ما يتعلق به أثناء حياته، لكي لا يترك غيره ينبش بعد وفاته. بيدي لا بيد عمرو.
تصدر في عالمنا العربي أنواع من كتب السيرة والأطاريح الجامعية عن هذا السياسي أو ذاك. تتراوح ما بين الشغل الأكاديمي والنظر في مرآة النفس. وتبقى المذكرات التي كتبتها العربيات بأقلامهن، شحيحة. ولعل أكثرها جرأة وشفافية السيرة الذاتية للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان. هل ينبغي على المرأة، عندنا، التقدم في الشيخوخة لكي تنزع عنها رداء الخوف؟ هناك سيَر دبلوماسية محسوبة بالكلمة والفاصلة. وقد أصدرت جيهان السادات مذكراتها التي ترجمت إلى لغات كثيرة. ونشرت حنان عشراوي كتاباً عن حياتها ودورها في مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وكذلك فعلت ليلى خالد، أشهر فدائية فلسطينية وخاطفة طائرات. وفي سن الثمانين باشرت الطبيبة العراقية الرائدة سانحة أمين زكي (1920 - 2017) كتابة مذكرات أرفقتها بصور مذهلة. وهي اليوم مصدر مهم لدراسة مجتمعها وأحوال النساء فيه.
وهناك كتب المذكرات التي أصدرتها بلقيس شرارة. ومنها «جدار بين ظلمتين». كتاب سجلت فيه تفاصيل الأيام التي عاشتها مطلقة السراح، معنوياً، بينما كان زوجها المعماري العراقي رفعة الجادرجي وراء القضبان. وفيها قرأنا أنها كانت تأخذ له الطعام إلى السجن، عندما يسمحون، وتخبئ له، في قعر الترموس، الحلوى التي يحبّها. بينما كان هناك شائعة بأن وجبات المهندس المدلل كانت تصل إلى المعتقل بالطائرة من متجر «هارودز» الفخم في لندن. غالباً ما يسجل الرجال كبائر الأمور. يكتبون المانشيتات. بينما تتوقف النساء عند الزوايا الحميمة.
وأنا موعودة بهدية ثقيلة. الترجمة العربية، في 800 صفحة، لمذكرات الناشطة المصرية جلبيري أفلاطون التي عايشت شخصيات وأحداثا شهيرة، ما بين القاهرة وباريس. وكانت شقيقتها الرسامة والمناضلة النسوية أنجي أفلاطون (1924 - 1987) قد نشرت كتاباً بعنوان «من الطفولة إلى السجن»، يتمتع قارئه ويبتئس. أين كنا وأين أصبحنا؟ والبريد ما زال يحمل اللطائف، ومنها كتاب عن فتحية أحمد (1905 - 1975)، للباحث مُحب جميل، صدر عن «دار الجديد» في بيروت. من يعرف من أبناء الأجيال الجديدة فتحية أحمد؟ صوت نادر لطفلة اكتشفها نجيب الريحاني وقدمها على المسرح. متى؟ في زمن منيرة المهدية وأم كلثوم وأسمهان. كتب صالح جودت في «الكواكب» أوائل 1952: «أعرف كثيراً من بنات الفن، بل من هلافيت الفن، إذا تحدثن إليك، حدثنك عن سهراتهن في الأوبرج والحلمية بالاس، أما فتحية أحمد، إذا تحدثت إليك، فإنها تحدثك عن لحن بارع أو أكلة طيبة أو نكتة لامعة». خفت بريق المطربة بعد ثورة يوليو (تموز) ورواج الأغاني الوطنية. كان زمن عبد الحليم و«ريّسنا قال لنا». وحاولت فتحية أحمد اللحاق بالركب وسجلت للإذاعة بعض الأغنيات، منها «يا مصر ياللي ضي عينيّا». ألا تُذكّركم هذه العبارة بشيء؟ مذكرات ذات طراوة نلجأ إليها طلباً لنسمة وقت قيظ.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة