حزن «يوما»

حزن «يوما»

الأربعاء - 21 شعبان 1438 هـ - 17 مايو 2017 مـ رقم العدد [14050]
محمد رُضــا
صحافي متخصص في السينما

ذات يوم من ربيع 1985 كنت في زيارة لولاية أريزونا. المناسبة كانت دعوتي لحضور تصوير فيلم أميركي عنوانه «غرام مورفي»، من بطولة الراحل جيمس غارنر مع مشاركة الممثلة سالي فيلد. قدت السيارة من مدينة ميسا، إحدى ضواحي عاصمة الولاية فينكس، مجتازاً بلدة شاندلر في اتجاه جنوبي.
حال تجتاز البلدة تصل إلى مفترق طرق أصغرها حجماً طريق يمتد بخطين فقط (ذهاب وإياب). إذ تباشر القيادة في هذه الطريق ترتفع على جانبيها الصخور التي سبقت أعمارنا وأعمار أجدادنا بآلاف السنين، وهي لا تزال جالسة في مكانها مثل شاهد صامت على من سبق من في العيش فوق هذه الأرض. بعد أكثر من نصف ساعة من القيادة، مررت خلالها على واحدة من تلك المقاطعات الاحترازية التي أنشئت للمواطنين الأميركيين الأصليين (الهنود الحمر). تبدو القرية مهجورة وهي ليست كذلك. منازل مبعثرة وحانات سيؤمها الرجال ليشربوا وينسوا ثم يؤمونها في اليوم التالي لأنهم تذكروا.
عند وصولي بلدة فلورنس التي كان يتم التصوير فيها تابعت ما يدور لنحو ساعة، ثم حان وقت الغداء فدخلت مع أفراد الفيلم إلى المطعم الذي تم حجزه. هناك وجدت نسخة من Arizona Republic الصحيفة اليومية الأكثر انتشاراً هناك. في إحدى صفحاتها الداخلية قرأت عن وفاة آخر فرد من قبيلة يوما Yuma يتقن لغة القبيلة.
«يوما» هو اسم بلدة تقع في الجنوب الغربي، ليس بعيداً عن المكسيك، (وكانت موضوع عدة أفلام وسترن) وهي، ككثير من أسماء المدن والولايات الأميركية (ومنها ميامي وداكوتا مثلاً) لا تزال تحتفظ باسم القبيلة الهندية التي سكنتها.
شعرت بحزن عميق حين قرأت هذا الخبر. شعرت بأنني شهدت على موت لغة، تماماً كما ماتت مئات اللغات الأخرى منذ أن عرف الإنسان النطق.
بعد سنوات أتيحت لي مراجعة أبحاث بخصوص اللغات البائدة والحية على السواء. تبين أن عدد لغات العالم اليوم يبلغ 6912. لا علم بكم كان عددها قبل آلاف السنين، لكن عدد اللغات التي هي على شفير الانقراض مخيف؛ أي نحو 516 لغة حالياً.
هناك لغة اسمها تاكي تاكي (في دولة سورينام)، عدد كلماتها هي الأقل بين كل اللغات الباقية؛ إذ لا يزيد على 340 كلمة. أما أكثر اللغات في عدد كلمات فهي الإنجليزية بنحو ربع مليون كلمة.
وقبل أيام وجدت كتاباً صدر حديثاً من جامعة أكسفورد عنوانه «صنع قاموس أكسفورد اللغوي» (The Making of the Oxford English Dictionary) وهو كتاب قيمته تعلو كثيراً على سعره (40 جنيهاً)، فهو بحث في تاريخ أعرق القواميس الإنجليزية، ذلك الذي بدأ بقرار من قبل جمعية بريطانية اسمها «جمعية دراسة اللغة» (Philological Society) سنة 1857. وهو القاموس الذي ما زال يتجدد ويتوسع ويضم إليه - عبر التنقيب والبحث المستمرين - الكثير من الكلمات والمصطلحات الحديثة.
ربما لا خوف على لغتنا العربية من الانقراض اليوم أو في الغد. لكن عندما أمر بعائلة عربية تصر على أن تتحدث فيما بينها باللغة الإنجليزية، يشوبني الشعور الحزين نفسه. أسميه «حزن يوما». من المهم أن يتحدث الإنسان أكثر من لغة، لكن من باب العلم وليس من باب الاعتقاد أن في ذلك حضارة مكتسبة وحداثة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة