كي تكتمل شروط التسوية

كي تكتمل شروط التسوية

الثلاثاء - 19 شعبان 1438 هـ - 16 مايو 2017 مـ رقم العدد [14049]
حنا صالح
كاتب لبناني

تحرص موسكو على انتهاز الفرص، وتقديم المبادرات التي توحي بأن أولوية القيادة الروسية، إنجاز التسوية للأزمة السورية، وهي منذ زمن بعيد حسمت ألا حلّ عسكرياً للأزمة السورية. سقطت مبادرة وقف النار، وخلطت ضربة الشعيرات الأوراق، وحسمت واشنطن بأن لا مكان للأسد في أي تسوية، فطرحت موسكو مبادرة المناطق الأربع «المنخفضة العنف»، أو المناطق الآمنة التي سبق للأميركيين أن تحدثوا عنها، والتي كانت تركيا أول من نادى بها.
الحرب المديدة في سوريا وعلى الشعب السوري، أتعبت كل المنخرطين بها، وكما نالت من السورين نالت من الجميع، لذا قوبل المقترح الروسي باهتمام فاق المتوقع، لأنه لأول مرة يتم التطرق إلى حظر الطيران، وحماية حدود المناطق المشمولة بالخطة، وأيضاً فتح باب العودة أمام ملايين اللاجئين والنازحين. وباختصار، هذا المقترح إذا طُبِّق بالفعل، فإنه الأول الذي يصون الدم السوري، ويعطل بنسبة كبيرة مخطط السيطرة الإيرانية، الذي يقوم على الاقتلاع والتهجير والتغيير الديموغرافي... وكان مثيراً للاهتمام أن موسكو التي أدرجت المشروع في سياق السعي لإنجاح التسوية السياسية في جنيف، أعلنت من آستانة أن نجاحه يفتح الباب أمام خروج الإيرانيين!.
إلى أصوات المعارضة السورية التي رفضت أن تكون إيران جهة ضامنة للاتفاق، وهي الجهة التي تقود الحرب على الشعب السوري، والأصوات التي أبدت الحذر حيال عدم وجود خرائط للمناطق المعنية وحدودها، وكذلك القوى التي تضمن الأمن وتنفيذ الاتفاق، أبدت واشنطن رفضاً علنياً حيال الدور الإيراني، وكان لافتاً أن الجنرال ماتيس وزير الدفاع الأميركي طرح الأسئلة، لأن الشيطان يكمن في التفاصيل.
ذهب لافروف إلى واشنطن، في أول زيارة لمسوؤل روسي على هذا المستوى منذ عام 2013، متسلحاً باتفاق شبيه بما كانت الإدارة الأميركية الجديدة قد تحدثت عنه، ولقي ترحيباً واسعاً، ومتسلحاً بمسارعة الموفد الأممي دي ميستورا إلى الدعوة لجولة محادثات جديدة في جنيف هي السادسة، بعدما اعتبر اتفاق خفض العنف «يوفر بيئة ملائمة»، وأنه «خطوة واعدة في الاتجاه الصحيح»، منبهاً كذلك من أنه «ترتيبات مؤقتة» وليس الحل المنشود، ليحذر من تكرار سيناريو حلب في أكثر من مدينة إذا ما فشل هذا الاتفاق.
المحادثات الروسية - الأميركية كانت شاملة، ولا شك أن محادثات من هذا النوع، تناولت المواقف وحجم الأدوار لكل من الأطراف الإقليمية، وكذلك دول الخليج، حيث أول زيارة خارجية للرئيس ترمب ستكون للرياض قريباً، ويتخللها قمة عربية إسلامية أميركية. طبعاً شكلت الأزمة السورية منطلق المحادثات، فليس بالأمر البسيط خفض مستوى العنف والحديث عن عودة اللاجئين وتحضير أسس التسوية السياسية، وحضرت أيضاً الأزمة الأوكرانية واتفاقية مينسك والعقوبات على روسيا وسواها من القضايا الدولية.
واضح، أن موسكو التي تمسك بقوة أكثر أوراق الأزمة السورية، تسعى مع واشنطن لصفقة شاملة وتحاذر أي صفقة جزئية، وهذا نهجها منذ إدارة أوباما. موسكو تدرك، ويدرك الرئيس بوتين الذي احتفل وحيداً بذكرى التاسع من مايو (أيار)، يوم النصر، أن وحدها صفقة من هذا النوع تخرج روسيا من العزلة، وتفوز تالياً بالدور الدولي الممكن. العلاقات بين البلدين استعادت كما يبدو حرارة جزئية، لكن الصفقة مع الأميركيين ليست على الطاولة، وها هو الرئيس ترمب خلال استقباله الوزير لافروف يحثُّ موسكو على «كبح نظام الأسد وإيران وأتباعها»، مما يعني أن التوافقات ستتأخر أكثر مما تظن موسكو، سواء للتباين الواسع بين موقفي البلدين حيال أكثر القضايا، أو حتى لأسباب أخرى، بعد إقالة مدير «إف بي آي» على خلفية التحقيقات بما قيل إنه التدخل الروسي بالانتخابات الأميركية. كل هذا يفضي إلى أن الروس سيتمسكون أكثر بأوراق القوة لديهم، وهي إلى وجودهم الواسع غرب الفرات، ورقة الوجود الإيراني وورقة بقاء بشار الأسد، وقد عبر عن ذلك الوزير لافروف بقوله إن إطاحة القذافي وصدام فاقمت أوضاع ليبيا والعراق!
من آستانة إلى جنيف، لا بديل عن المباحثات لأنها بالنهاية طريق التسوية، ولا حل للأزمة السورية إلاّ الحل السياسي، وهو يتطلب وجود أطراف سورية، وما بقاء الأسد الذي استقدم أبشع قوى التطرف لقتل السوريين، وتهكمه من أن جنيف مجرد لقاء إعلامي، إلاّ بسبب تشرذم المعارضة وتفسخها وغياب فاعليتها مما حوّل الائتلاف إلى تجمع مقفل لا فاعلية له. وقد تكون الفرصة متاحة اليوم، لاستعادة الائتلاف لدوره وفعاليته، بعد انتخابه رياض سيف رئيساً، وهو السياسي المعارض منذ زمن لنظام الاستبداد، وقد يكون التغيير في قيادة الائتلاف، استجابة لأصوات كثيرة وبداية لمواجهة الأخطاء، وطريق استعادة الثورة لكل الحيثيات السورية، وطي صفحة مرحلة الطروحات الإقصائية المتطرفة، ونسج علاقات مغايرة مع الداخل ومع الفصائل المسلحة، وتقديم المشترك وصولاً لقيادة موحدة سياسية - عسكرية فاعلة، كي يستعيد الشعب السوري الكيان الأبرز لقيادة المعارضة... وبقدر ما تكون خطوات الائتلاف جدية، تكون مناطق خفض التصعيد قابلة للاستمرار كملاذ آمن وترتيب مؤقت على طريق التسوية السياسية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة