فرنسا تفوز وأوروبا تنتعش ولكن...

فرنسا تفوز وأوروبا تنتعش ولكن...

الأربعاء - 13 شعبان 1438 هـ - 10 مايو 2017 مـ رقم العدد [14043]
حنا صالح
كاتب لبناني

انتهى حبس الأنفاس في فرنسا، ومعها كل أوروبا، بفوز منقطع النظير، حققه مرشح الوسط الشاب إيمانويل ماكرون رئيساً لفرنسا، بأكثر من 66 في المائة بقليل من أصوات المقترعين الفرنسيين. إنه فوز ساحق فاق أكثر التوقعات تفاؤلاً، إذ من أصل 97 مقاطعة في الداخل وخمسة ما وراء البحار، لم تفز مرشحة «الجبهة الوطنية» مارين لوبان إلا بثلاث (با دوكاليه وآيسن وكورسيكا). هذا الانتصار الكبير ما كان ليتم لولا يقظة فرنسية عارمة، تمكنت من إقامة أكبر حاجز انتخابي، ولو من دون الجبهة الجمهورية، بوجه يميني شعبوي متطرف، استغل صعوبات حقيقية تحيط بحياة كثير من الفرنسيين، فأوحى أنه الحلّ، وأنّ حلّهُ يكمن داخلياً في اعتماد أبشع أشكال العنصرية والتطرف ورفض الآخر المختلف، وخارجياً بالانعزال عن الاتحاد الأوروبي واليورو ونحو 60 سنة من العمل الأوروبي المشترك.
ماكرون بات الآن الرئيس الفرنسي الثامن للجمهورية الخامسة، وفوزه الباهر الذي تحقق عبر كسر الانقسام الفرنسي التقليدي الذي كان يمثله اليمين الجمهوري واليسار الاشتراكي، شكل انتصاراً أكيداً للديمقراطية الفرنسية، وتمسكاً بقيم الجمهورية، وبشّر بإعادة تظهير الوجه الحقيقي لفرنسا في العالم... لكن هذا الفوز لا يخفي بروز مفارقات كبيرة؛ أولها أن الخاسرة مارين لوبان بحصولها على 33.9 من أصوات المقترعين، أي ما يزيد على عشرة ملايين صوت، ومع حزب شمولي حديدي وانتخابي متماسك، ومع كسر الحظر السياسي والإعلامي عنها، تكون قد باتت الزعيمة الكبرى للمعارضة على مستوى فرنسا. ومن هذا الموقع، دعت في خطاب الإقرار بالهزيمة، لتجديد نفسها بصورة كاملة على طريق التحول لقوة جديدة، كي تفوز في الانتخابات التشريعية بعد شهر من الآن. لافت هنا أن لوبان حصلت على نسبة محترمة من ناخبي اليمين التقليدي في المدن والبلدات المتوسطة والصغيرة، بالإضافة إلى تأييد أوساط ريفية واسعة من المزارعين الذين عانت مصالحهم من المزاحمة وضعف الحماية، كما كرست انتقال أوساط عمالية واسعة إلى صفها.
وثانياً أنه مع امتناع قياسي تجاوز 25 في المائة من الناخبين ووجود نحو 11.5 في المائة من الأوراق البيضاء، وهم على الأعم قوى راديكالية وأيضاً شبابية، يتبين أن هناك أكثر من ثلث الناخبين هم من الرافضين، ويشكلون الوجه الآخر للجبهة الوطنية، وإلى هؤلاء توجه المرشح الراديكالي جون لوك ميلنشون بالدعوة لعدم إضاعة أي صوت في الانتخابات التشريعية في النصف الأول من يونيو (حزيران) المقبل.
هذا الانقسام في فرنسا، بين يمين متطرف وصل للذروة، ووسط نجح بشكل باهر في جمع تيارات الاعتدال في اليمين واليسار ليشكل القوة الأعرض بين الفرنسيين، ويسار راديكالي عاد إلى الساحة أقله بعد رئاستي ساركوزي وهولاند المُخيبتين للآمال، هذا كله صورة عما يجري في أكثر الديمقراطيات الغربية. نعم ما زالت ماثلة في الأذهان نتائج الاستفتاء في بريطانيا وخروجها من الاتحاد الأوروبي، ونتائج الانتخابات الأميركية التي أوصلت للرئاسة الأكبر في العالم دونالد ترمب، وقبله ظاهرة برني ساندرز الذي حاز أكثر من 17 مليون صوت في الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين. وما لم تُؤخذ اليوم في فرنسا كل دروس الرئاسيات بالاعتبار وتُعالج، فإن هذا الكابوس قد يتجدد بعد خمس سنوات من الآن.
الرئيس الفرنسي المنتخب ماكرون، الذي لم يقرر فوزه مصير فرنسا وأي وجه سيكون لها أوروبياً وعالمياً وعلى ضفتي المتوسط وحسب، بل مصير كل الاتحاد الأوروبي، والسوق المشتركة، وتاريخ مشترك منذ اتفاقية روما، لمّح في خطاب النصر للتحديات الماثلة. صحيح أن أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية وتباعاً، لم تعد أوروبا الاستعمارية، وفي العقود الأخيرة خرجت من كل ذلك التاريخ، و«من التاريخ وباتت إحدى ضواحي الإمبراطورية الأميركية»، كما قال أخيراً المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه. هذا يرتب ضرورة الدفع لتوازن سياسي جديد وإمكانات عسكرية، وعمليات خلق وتجديد تكنولوجي تعطي أوروبا الموحدة، (تحتل المرتبة الثانية اقتصادياً في العالم بعد خروج بريطانيا)، صورة مغايرة ونموذج يُقتدى به، مما يحتم تخلياً عن أوجه من العجرفة، التي ميزت النهج الذي فرضته برلين ومعها بروكسل على كل الآخرين، فانعكس تكاسلاً فاقم تحديات زاحفة، إن في الريف الفرنسي الزراعي مثلاً، أو أمام أزمة المهاجرين المسلمين خصوصاً، التي نجح المتطرفون بوضعها بشكل فج، بوجه مواطنين يعانون من البطالة (نحو 3 ملايين) أو من نوعية فرص العمل للشباب.
من الدفاع عن دور الاتحاد الأوروبي ووحدة مصيره والسعي للتجديد، والتأكيد أن فرنسا ستكون في طليعة المعركة العالمية ضد الإرهاب، لأن ضمان أمن الفرنسيين لا هوادة فيه، قال الرئيس ماكرون في خطاب النصر: «أتفهم انقسامات بلدنا التي دفعت البعض للتصويت للتطرف»، وأضاف: «مسؤوليتي حماية الفئات الأضعف». عنوانان سيشكلان كما يبدو، أبرز محاور عمل الإليزيه والحكومة التي ستُعلن بعد أيام، وأمامها تحدي بناء صدقية وانتزاع ثقة، لا بديل عنهما للفوز بأغلبية برلمانية، تُمكن ساكن الإليزيه الجديد، من وضع أجندته في التطبيق، مما قد يسرع من إنجاز مهمة وقف انحدار عرفته فرنسا أقله في العقد الماضي وأدى لإحباط الفرنسيين، الذين أغرقهم بالأوهام اليمين المتطرف وكذلك اليسار المتطرف. وهنا التحدي كبير أمام ماكرون وحكومته وحركة «إلى الأمام» التي أسسها، وهي تفتقر للأدوات التي تمتلكها الأحزاب الأخرى لخوض الانتخابات البرلمانية... وما لم يتم استقطاب جدي، فإن خطر المساكنة حقيقي ونتائجها مخيفة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة