الحوار مؤشر تحضر

الحوار مؤشر تحضر

الثلاثاء - 12 شعبان 1438 هـ - 09 مايو 2017 مـ رقم العدد [14042]
محمّد النغيمش
كاتب كويتي

سألني مقدم برامج بتلفزيون أبوظبي الأسبوع الماضي، في ملتقى الإعلام العربي (الحوار الحضاري) عن أسباب تدني مستوى الحوار في الوطن العربي، فكانت إجابتي أن الظواهر الاجتماعية لا تعود عادة لسبب واحد بل لأسباب عدة.
وبعد تجربتي في نشر ثلاثة كتب عن فنون الحوار، وإقامة كثير من الدورات والمحاضرات وورشات العمل، في محاولة للارتقاء بحواري وحوار الآخرين، عبر تسليط الضوء على أفضل الممارسات العالمية، أستطيع القول إن أحد أسباب المشكلة يكمن في أننا نظن أن حوارنا يتطور مع مرور الزمن من دون الحاجة لأن نبذل جهداً في تحسينه. وننسى أن الحوار مهارة نطورها بمزيد من التقويم اليومي، وجلد الذات، ومزيد من القراءة، ومنح الآخرين آذاناً صاغية حتى نفهمهم جيداً قبل أن نقفز بعجالة إلى مرحلة الرد.
أرى أن الحوار يتطور حينما يدرك المرء أنه لا يحتكر المعلومة، وأن هناك فارقاً كبيراً بين الرأي والحقيقة. فحينما يقول إن القاهرة أجمل من تونس، فهو في الواقع يعبر عن رأي عرضة للاختلاف. أما حينما يقول محدثنا إن بغداد تقع في قارة آسيا، فهو يسرد حقيقة لا يجب أن تجابه باعتراض وإلا تحولت نقاشاتنا إلى جدال عقيم. وهذا جزء مما يحدث حولنا، حيث نستنزف طاقاتنا في رفض البديهي أو تسطيح الموضوعي، فندخل في صدام مع كل من يحاول أن يستخدم عقله.
ولا أرى أننا سوف نرتقي في الحوار ما دمنا نقدم العاطفة على الموضوعية، وازدراء الرأي الآخر على قبوله. ولن نرتقي ما دام المدرس في فصله يعزز في نفوس الطلبة بسلوكه أنه أفهم منهم، وينسى أنه أمام جيل فتحت أمامه خزائن المعلومات بضغطة زر. فما يقوله المدرس قد يبحث عنه الطالب فوراً في هاتفه ليجده كلاماً غير دقيق أو خالياً من المصادر أو سطحياً. وهذا الكم الهائل من المعلومات يجعلنا أمام أجيال مختلفة يجب أن نرهف لها السمع جيدا، لنرى ما في جعبتها من جهة، ولنعلمها من جهة أخرى أدب الحوار، وهذا كله يجعل مهمة الطفل صعبة في منزل يعج بالفوضى الحوارية، الأمر الذي يفاقم مشكلته حينما يكبر؛ لأنه لم ير نموذجاً يحتذى في أدب الحوار.
مهما كانت أسماؤنا ومناصبنا «رنانة» فإنها لا تعكس تحضرنا مقارنة بأسلوبنا في التحاور. ذلك أن الحوار الراقي هو مؤشر حقيقي من مؤشرات التحضر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة