أوروبا تستعيد توازنها

أوروبا تستعيد توازنها

الثلاثاء - 12 شعبان 1438 هـ - 09 مايو 2017 مـ رقم العدد [14042]
مينا العريبي
مساعدة رئيس التحرير السابقة، عملت مديرة مكتب «الشرق الأوسط» في واشنطن بين عامي 2009- 2011 وهي الان رئيسة تحرير صحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية

شهدت باريس ليلة أول من أمس لحظة تاريخية بإعلان إيمانويل ماكرون الرئيس التاسع للجمهورية الفرنسية الخامسة. وعلى الرغم من أن الفرنسيين توجهوا إلى صناديق الاقتراع وبلادهم ما زالت تحت طائلة قانون الطوارئ، بسبب الاعتداءات الإرهابية التي استهدفت باريس ونيس، فإن خيارهم كان للاعتدال والانفتاح. وكان خياراً للاتحاد الأوروبي الذي جعله ماكرون في صلب حملته الانتخابية، على عكس منافسته ماري لوبان التي تعهدت بإعادة عملة «الفرنك» إلى جيب الفرنسيين. التحليلات حول فوز ماكرون تعددت، بين رمزية اختيار رئيس شاب في الـ39 من العمر، وهو الأصغر عمراً منذ تولي نابليون بونابرت الحكم، إلى تراجع تأثير الحزبين الفرنسيين التقليديين، الاشتراكي والجمهوري، وحلفائهما بين الناخبين. ولكن في نهاية المطاف، هذا الفوز ينعكس على أوروبا ويقلب المسار ضد التطرف اليميني الذي أخذ يمتد تحت غطاءات مختلفة، منها العنصرية ورفض العولمة التي يجسدها الاتحاد الأوروبي.
وعلى الرغم من أن منافسة ماكرون على الرئاسة ممثلة اليمين المتطرف لوبان حاولت تصوير انتخاب ماكرون على أنه خيار «الاستمرارية» في السياسات النمطية، فإن فوز ماكرون هو الإقرار بالحاجة إلى التغيير؛ إذ لم يمر على دخوله المعترك السياسي إلا فترة قصيرة ويعتبر من أجدد الوجوه على الساحة السياسية الفرنسية. وقد أدرك الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته فرنسوا هولاند أن بلاده تتوق للتغيير ولم يرشح نفسه للانتخابات. والتغيير في فرنسا كان رغبة الناخبين من ناحية المضمون الاقتصادي، والابتعاد عن الانتهازية السياسية التي أسقطت فرنسوا فيون، المرشح الذي اعتبر في بداية الحملة الانتخابية الأوفر حظاً في الفوز. وكانت الرغبة في التغيير وراء تقدم ماكرون على حساب شخصيات معروفة ترشحت للرئاسة مثل فيون، لكنها لم تكن رغبة في الانقلاب كلياً على أوروبا، مثل ما حدث في استفتاء المملكة المتحدة للخروج من الاتحاد الأوروبي العام الماضي.
وبعد المخاوف الجدية على مستقبل الاتحاد الأوروبي، جعل ماكرون هذه القضية محورية لحركته السياسية. واختيار ماكرون لأغنية «أود تو جوي»، التي تعتبر نشيد الروح الأوروبية، لتكون الأغنية التي انطلقت بها حفلة فوزه بالرئاسة، تؤكد أنه يرى نفسه قائداً لأوروبا. أما تهنئة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل له فقد جاءت عبر تصريح للناطق باسمها فور إعلان النتائج بأن «قرار الناخبين الفرنسيين عبارة عن التزام واضح بأوروبا». وفوز ماكرون يأتي ليخفف عن ميركل قبل الانتخابات الألمانية التي تسعى فيها للحصول على ولاية رابعة تاريخية في سبتمبر (أيلول) المقبل. وسيكون هذا الاختبار الحاسم لقدرة أوروبا على استعادة التوازن وترسيخ ميركل زعيمة ألمانية تاريخية، ومن أبرز قادة أوروبا الحديثة.
إن عام 2017 عام الانتخابات الأوروبية بجدارة، لتصبح الانتخابات شبه استفتاء على مستقبل التحالف الأوروبي، الذي ابتعد كل البعد عن وهجه عام 2012 عندما احتفل بفوزه بجائزة نوبل للسلام. وبعد خمس سنوات من تلك الجائزة، بدأت القارة عام 2017 في انتخابات هولندا، حين بات فوز رئيس الوزراء الهولندي مارك روود بالانتخابات التشريعية في مارس (آذار) الماضي مهماً في كبح جماح اليمين المتمثل بغيرت فيلدرز، المعادي للمسلمين والاتحاد الأوروبي على حد سواء. وكان ذلك أول اختبار قوي داخل الاتحاد الأوروبي للأحزاب المناصرة للاتحاد منذ تصويت بريطانيا على الخروج من المنظومة الإقليمية، وكانت المخاوف من أن تكون الانتخابات الهولندية محطة جديدة لتفكيك الاتحاد. وعلى الرغم من فوز روود، لم تكن هذه لحظة للاحتفال بين الأوساط المعتدلة الهولندية؛ إذ كانت المرة الأولى التي يصل فيها فيلدرز إلى موقع متقدم يسمح له بالمنافسة مباشرة على رئاسة الحكومة.
وبعد نجاح الهولنديين بالدفع ضد اليمين المتطرف في انتخابات مارس الماضي، ورفض غالبية الفرنسيين لليمين المتطرف، تنفست أوروبا الصعداء، لكن الخطر والتهديد للاتحاد الأوروبي لم يندثرا بعد. فقدرة لوبان على إحراز قرابة 11 مليون صوت، وظهور رئيس حزب الاستقلال، نايجل فراج، بصفته أحد أبرز الوجوه السياسية البريطانية، علامات تدعو إلى القلق لمن يؤيد الانفتاح الأوروبي، ويريد إبقاء الاتحاد الأوروبي قوياً. ومع فوز لوبان بـ34.5 في المائة من أصوات الناخبين الذين صوتوا في انتخابات أول من أمس، ستدفعها إلى زيادة جهودها للانتخابات التشريعية الشهر المقبل في مسعى لتوسيع نطاق نفوذها في الحياة السياسية الفرنسية، لتصبح ممثلة «المعارضة» الرسمية لماكرون، وإعلان اندثار الحزبين الجمهوري والاشتراكي كالحزبين الرئيسيين في فرنسا. أقرّ الرئيس الفرنسي المنتخب في خطاب النصر بأن هناك أسباباً شرعية دفعت البعض في أوروبا إلى «الخيار المتطرف» الذي تجسده لوبان، على رأس تلك الأسباب التراجع الاقتصادي في البلاد. وعليه تعهد ماكرون بأنه سيفعل كل ما بوسعه «كي لا يشعر هؤلاء بالحاجة إلى التصويت من أجل التطرف خلال السنوات الخمس المقبلة». وفي حال فشل بالالتزام بهذا الوعد، من المرجح أن تنتهز لوبان الفرصة مجدداً للعودة بشكل أقوى إلى المنافسة السياسية.
وخلال 4 أسابيع تشهد لندن انتخابات تشريعية من المتوقع أن تكرس موقع رئيسة الوزراء تيريزا ماي، التي تقود حملة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، بعد عام من الاستفتاء على «بريكست». وعلى الرغم من أهمية هذا الحدث، فإن الاتحاد الأوروبي يبدو متأقلماً مع هذا التطور، لتعود فرنسا في موقع الصدارة الأوروبية بعد انتخابات أول من أمس. ومع حرص ماكرون على الاتصال بميركل بعد دقائق من الفوز والتعهد بزيارتها قريباً، يعيد التحالف الفرنسي – الألماني التوازن لأوروبا وسط التقلبات التي لم تنته بعد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة