فرنسا تواجه ألوانها

فرنسا تواجه ألوانها

الأحد - 10 شعبان 1438 هـ - 07 مايو 2017 مـ رقم العدد [14040]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

في نادٍ ثقافي وترفيهي صغير، في الدائرة 13 من باريس، مساء الجمعة، وقفت هيلين موريس، وهي مغنية خمسينية تقيم في الريف، تغني أشعاراً بسيطة وجميلة عن الحب والشوق والمرض والفقر والدفء الذي يستشعره المرء من حضور الآخرين، مهما كانت ألوانهم غريبة عن ألوانه. كان سارتر يقول إن الجحيم هم الآخرون. وهي عبارة شهيرة فات على مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف، أن تصادرها وترفعها شعاراً لحملتها.
من هم الآخرون في هذا البلد الأوروبي الذي يتباهى بحضارة الحرية والجمال ويسميها «الاستثناء الفرنسي»؟ إنهم هؤلاء الآسيويون الذين وفدوا من المستعمرات القديمة، ولم يكتفوا بافتتاح مئات المطاعم الصينية والتايلاندية والفيتنامية بل راحوا، في السنوات الأخيرة، يشترون المقاهي الباريسية الصغيرة والكبيرة، ساحبين من الفرنسيين واحدة من أشهر علامات «حلاوة العيش» على أرضهم. وهم هؤلاء الأتراك الذين يمتلكون المئات من شواغل الخياطة ودكاكين بيع الكباب. وهم أيضاً، الباكستانيون الذين علموا الفرنسيين على المذاق اللاذع. وهم المصريون الذين يفرشون بسطات الخضراوات في كل الأسواق الشعبية، وهم اللبنانيون الذي برزت منهم عدة أسماء «تجرأت» على اقتحام النادي المغلق للموضة الراقية واحتلال مواقع لها في جادة مونتين العريقة.
من ينكر أن فرنسا، بمهاجريها، صارت أكثر تنوعاً وجاذبية؟ إن الأجيال الجديدة من الآسيويين والأفارقة وبقية المهاجرين تحمل جنسية البلاد، وقد أصبحت واحدة من بناتهم وزيرة للتجارة الخارجية وللثقافة، ومثلها حملت نساء من المغرب والجزائر والسنغال حقائب وزارية في حكومات فرنسية. فمن هو هذا الآخر الذي تحتدم بسببه المعارك بين الأحزاب ومرشحي الرئاسة؟
من الواضح أن الخوف يتركز على المسلم. وهو ليس ذلك العامل الطيب الذي جاء من بلدان شمال أفريقيا لكي يسهم في تعمير البلد الناهض بعد حرب طاحنة واحتلال مهين. فقد مارس الجيل الأول من المهاجرين شعائر إيمانه كاملة دون ضجيج. ولم يكن تسييس الدين قد بدأ بشكل واسع كما هو اليوم، ولا عرف العالم إرهاباً باسم العقيدة. ثم أطلّ الخميني من ضاحية باريسية هادئة، واشتعل العالم بعد ظهوره وظهور مائة خميني يسانده أو يعارضه.
ترفع مارين لوبان راية محاربة القيم الإسلامية الظاهرة التي تراها مخالفة لقيم بلدها. وليس المرشح المنافس، إيمانويل ماكرون بأكثر رأفة. لكنه أعلن أنه مستعد، في حال فوزه، للقيام بخطوات قوية وفتح النقاش حول تداعيات حرب الجزائر التي ما زالت تقلق النسيج الاجتماعي في فرنسا. وفي حين ظلت تسمية تلك الحرب محظورة، يستعيضون عنها بأوصاف ملتبسة، مثل «اضطرابات» و«قلاقل» و«معارك»، فإن المرشح ذا الحظوظ الواسعة في الفوز يفضل أن يسميها «حرب الذاكرة». هل يمكن لفرنسا، دون الخوض في التاريخ المؤلم بكافة تجاوزاته، أن تتصالح مع ذاتها وتكون مستعدة لرؤية وجهها في المرآة؟ أن تقرّ بمظلومية أهل مستعمراتها السابقة وتتفهم نقمة أبنائهم وأحفادهم؟
قبل ثلاثة أيام، على مبعدة بسيطة من المسرح الذي غنّت فيه هيلين موريس وتغنّت بالتعايش وبدفء الآخرين، فاز خباز تونسي بالجائزة السنوية الكبرى لأفضل رغيف فرنسي. وبهذا فإن خبز القصر الرئاسي، سيكون من عمل الخباز العربي. ومثل الصينيين والباكستانيين والأتراك، يتوسع التوانسة في شراء المخابز ودكاكين الحلويات والبيتزا في فرنسا. هل تعرف مارين لوبان أنها حين تؤدي صلاتها الصباحية: «أعطنا خبزنا كفاف يومنا» أن رغيف مئات الآلاف من الفرنسيين معجون بأيدي مسلمين؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة