«تسوية» سورية مرحلية

«تسوية» سورية مرحلية

الأحد - 10 شعبان 1438 هـ - 07 مايو 2017 مـ رقم العدد [14040]
حنا صالح
كاتب لبناني

يروي قادة من المعارضة السورية، أنه أمام إصرارهم خلال مباحثات في موسكو مع الوزير لافروف، على تنحي الأسد شرطاً لبدء المرحلة الانتقالية، فاجأهم مستضيفهم بالقول: يتنحى، ولكن كيف وبمن ستتولون السلطة، وهل لديكم تصور عن مآل الوضع السوري بعد ذلك (؟!!).
في عام 2017 لم يعد من الصورة التي تتشكل منها المعارضة اليوم أي رابط مما كان قبل أربع سنوات. بين معارضة سياسية وفصائل، اتسعت شقة الخلاف وتعمق التوتر، وتبدلت صورة المفاوض، وإن قيل إن الوفد شامل وموحد، فالكل مدرك أن الدور انحسر، والسيطرة تدنت، والمعارضة السياسية على وجه التحديد، لم تعد تتحكم في أي من أدوات الصراع فوق الميدان السوري... والحقيقة تقال، باتت المفاوضات الجادة حول سوريا تتم بين الآخرين، ولا مشروع لحلٍ في سوريا إلا بتوافق الكبار، واشنطن وموسكو، ويصبح المطلوب من السوريين الموافقة عليه، بعدما رسمت الأطراف المختلفة المتدخلة بالشأن السوري خرائط نفوذٍ فيما بينها. بمجرد إلقاء نظرة متفحصة على الجديد، يتأكد أنه بعيداً عن المواقف المتضاربة، وقبل أن تبلور أميركا استراتيجية متكاملة، حيال المنطقة وبالأخص تجاه سوريا، تم طرح كل القضايا التي يتوقف عليها إيجاد «التسوية»، التي توقف الحرب التي بلغت مستويات مخيفة، تسوية – صفقة مرجح أن تتجاوز سوريا تبدو موسكو مستعجلة لإتمامها، وليست الإدارة الأميركية بعيدة عنها.
في هذا السياق، تعتبر الجولة الجديدة من مفاوضات آستانة، محطة أساسية، ولا سيما بعد المفاجأة الروسية التي تقضي بالدعوة إلى تثبيت وقف النار؛ انطلاقاً من تكريس المناطق الأربع التي تهيمن عليها الفصائل المسلحة مناطق آمنة ومحمية. بعبارة أخرى مناطق نفوذ محلية، وهي إدلب، شمال حمص، الغوطة الشرقية وجنوب سوريا، على أن يتم اختيار الدول التي ستشارك في قوات تنتشر حول هذه المناطق، وتساهم في وضع حدٍ فوري للعنف، وتضمن تحسين الحالة الإنسانية، مع إمكانية عودة الكثير من النازحين، يستتبع ذلك إطلاق معركة طرد «داعش» و«النصرة» بدعم ومشاركة من قوى المعارضة. هذا المقترح الروسي، الذي يقطع مع التعديات وأعمال العنف والتهجير، يلتقي مع التوجه الأميركي لإقامة مناطق آمنة في الشرق والجنوب مباشرة بعد استعادة الرقة من «داعش»، وإنهاء وضع دير الزور، بحيث يُقطع كل اتصال بري بين ميليشيات الحرس الثوري في العراق وسوريا.
كل ما تقدم يعني أن الوضع يتجه على الأرجح نحو حلول مرحلية بصفتها تكريساً مؤقتاً لإدارات محلية تتبع للقوى المسيطرة، تعمل بإشراف القوى الكبرى حتى يحين أوان الحل المتكامل، وحتى لا يكون هناك أي لبس؛ فالجديد بعيد عن العناوين السابقة للحل وبينها المرحلة الانتقالية، لكن الإيجابية الأساسية لهذا المنحى إذا نجح، تكون في تكريس وقف النار الذي يعد الآن أبرز مطالب السورين. وربما يكون هذا التطور الأبرز على جدول المباحثات المرتقبة بين الوزيرين لافروف وتيلرسون في الألسكا بعد أيام، في وقت يبدو معه أن العلاقات الروسية - الأميركية استعادت بعض حرارتها..
التطور الجديد ترافق والصراع الدموي في الغوطة الشرقية، وهو إن اتخذ جزئياً شكل المواجهة مع «القاعدة» التي تحمل تسمية «هيئة تحرير الشام»، فإن هذه المجموعة لم تتضخم، لولا توظيفها من جهات خارجية، ولولا رؤية قاصرة لدى أكثر أطياف المعارضة، رؤية استمرت طويلاً، ومحورها أن كل بندقية مرفوعة إنما تخدم الثورة لأنها «تستهدف» الديكتاتورية... مع الإشارة إلى أن الطرف الثاني في المواجهة، الذي أطلق النار الأحد على المتظاهرين السلميين، ليس الجهة التي تحمل قيم الثورة وتقاتل من أجل العدالة لسوريا، وكل الخشية أن يؤدي هذا الصراع إلى إسقاط المنطقة من الداخل؛ ما سينعكس سلباً على مجمل المعارضة السورية، التي لم تحاول بعد القيام بأي مسعى إنقاذي، يمر حتماً في بلورة المشترك مع كل الأطياف السورية في المعارضة والفصائل داخل الائتلاف وخارجه، أساساً لاستعادة وحدة المعارضة، ويتطلب حتماً أجندة أخرى لسوريا ديمقراطية تعددية، تبلور المسائل الملحة لاستعادة الوسط الكردي، الذي يريد التيقن من أن ما يتم تداوله يحفظ للأكراد هويتهم الثقافية، ويُمكِّنهم من لعب دورهم كاملاً في قيادة سوريا الجديدة وإعادة بنائها، ويوفر بالتالي الأساس الصلب لتطويق تطلعات شوفينية لدى أوساط كردية كثيرة، بما ينهي إيجاباً المظلومية الكردية، ويمنع الربط مع ما يُعدُّ مظلومية الأكراد في تركيا.
سوريا مناطق نفوذ آمنة ومحمية، مسألة في الأفق وربما القريب، وقد تكون خطوة حاسمة باتجاه قيام مجلس عسكري توضع بين يديه سلطات واسعة، إلى هياكل حكم تضم المعارضة مع الحكم الحالي، ويعمل بدعم وإشراف القوى الكبرى روسيا وأميركا. لكن الحل الحقيقي سيبقى معلقاً نتيجة الفراغ السياسي، وغياب المعارضة عن الفعل. هناك مسؤولية على المعارضة لملء الفراغ المفزع بأسرع وقت، والمبادرة بيدهم، لاستئناف التحرك السلمي أداة إنقاذ الشعب السوري وثورته؛ لأن البديل هو تقزيم لسوريا المقسمة مناطق نفوذ، ومع استمرار ألد أعداء الحل، بشار الأسد وأركان حكمه وقوى الهيمنة الإيرانية، فإن التسوية المرحلية ستكون عرضة للاهتزاز، ومعها تشهد سوريا مرحلة جديدة من الاقتتال العبثي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة