الحرب في التفصيل لا في العنوان

الحرب في التفصيل لا في العنوان

السبت - 10 شعبان 1438 هـ - 06 مايو 2017 مـ رقم العدد [14039]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
تشارك العناوين في الجريمة الكبرى ضد ضحايا الحروب... تحول القتلى إلى أرقام، وتهمّش أخبار الجنازات والمجاعات، وتحيل كل شيء إلى رتابة، ولا يعود وقت للحزن والعطف. ثم يأتي زمن جائر ولا نعود نقرأ حتى العناوين. ويصغر وقع الجريمة كلما كبرت واتسعت. وكلما زاد فحشها، ازداد الصمت عليها، وتفاقم التواطؤ، وتعمق توحش الاثنين.
يجب أن يوقظنا شيء ما إلى أن ما يصيب هذه الأمة ليس ما نقرأه في العناوين في حصاد الأيام. هناك عذابات لا ترد في الإحصاء، وآلام لا تذكرها العناوين، وفواجع يعيشها الأحباء وهم يهربون من مكان إلى مكان، ومن معركة إلى معركة.
اقرأ في «لندن ريفيو أوف بوكس» ما كتبه موفدها إلى الموصل: «بعد شهرين من (داعش)، أصبح أهلها يترحمون على أيام النظام السابق». في البداية عامل «داعش» الأهالي معاملة طيبة، ثم راحوا يعدمون الأقليات، ويصادرون البيوت، ويضطهدون الأطباء والمهندسين، لأن علومهم كافرة.
الفرقة العراقية الخاصة التي تخوض حرب الموصل، أسسها ودربها الأميركيون، ولا تتلقى أوامرها من الجيش. كل مجموعة منها تحرر ما مجموعه 250 متراً في اليوم بعد قتال ضار، من منزل إلى منزل، ومن بيت طيني إلى فيلا. وكل ليلة تنام المجموعات في مكان. وما إن تحرر بقعة، حتى يخرج الأهالي المرتعدون من مخابئهم طالبين النجدة. غير أن أكثرهم يتصرف كأنه خائف من عودة «داعش».
«فجأة، يتعالى الصراخ: مفخخة قادمة. مفخخة قادمة. يهرب الجنود، ويهرب الجميع، والسيارة تتقدم، فيما يبقى جندي واحد في موقعه يطلق عليها النار دون تراجع. وفي النهاية يصيبها ويفجرها قبل أن تصل إلى الناس. ويحدث ذلك تقريباً كل يوم. وأصبح الجميع يتلفت بصورة دائمة خوف أن تكون مفخخة قادمة ناحيته».
في مشهد آخر «ضابط المجموعة يصدر الأوامر بالراديو. اهجموا. اهجموا. لكن أحدهم يقول في صوت منخفض: لن أذهب. لن أذهب». ثم يقول في الراديو بصوت عال: سيدي، لقد قتلوا الملازم للتو. إنهم يطوقوننا من كل الجهات، إلى أين تدفعون بنا؟ فيجيب القائد بالراديو: ماذا كنت تتوقع؟ أن يرشوا عليكم الورود؟ هذه حرب. حرب».
لكن الجندي يظل في مكانه متكئاً على بندقيته، ثم يصرخ: «قل للواء أن يأتي إلى هنا، ثم نتبعه جميعاً. فجأة يسمع صوت انفجار ضخم». وبالفعل جاء اللواء بعد ظهر ذلك اليوم محاطاً بالصحافيين والمساعدين في سيارات مصفحة، ووقف أمام الكاميرا يعلن تحرير تلك المنطقة: «وفيما هو يتحدث، حلقت فوق المكان (درون) تابعة لـ(داعش)، فاقتيد اللواء بعيداً».
مجرد يوم آخر، الحروب ليست فقط في العنوان. إنها في كل مكان.

التعليقات

بيسان
البلد: 
الرياض
06/05/2017 - 08:19

انها الحرب.. وكفى

عبد الحافظ الحوارات
06/05/2017 - 11:23

درون تابعة لداعش !! ، أظنها عبارة تختصر الكثير .

سميرة المهدي
البلد: 
france
07/05/2017 - 10:08

تفاصيل الحروب مليئة بالمآسي التي لا تروى، والتي يحصد ثمارها القادة حال الانتصار، ولا يتحمل عاقبتها إلا الضحايا حال الخسارة، المآسي تتكرر بشكل يومي طالما أمد الحرب لم ينته، وللأسف حولت وسائل الإعلام ويمكن القول منذ التغطية الإعلامية للغزو الأميركي للعراق عام 2003، حولت الضحايا إلى مجرد أرقام، والعشرات أصبحوا شيئا عاديا أمام المئات، بينما اليوم بتنا نكترث بالآلاف أكثر من المئات من الضحايا مع اتساع رقعة الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط، يبدو أن حلم انتهاء الحروب بات مجرد حلم غير قابل للتحقيق لينعم العالم بالسلام.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة