الخطوة الأولى في طريق السلام

الخطوة الأولى في طريق السلام

الجمعة - 8 شعبان 1438 هـ - 05 مايو 2017 مـ رقم العدد [14038]

دعونا نواجه حقيقة أن الواقع السياسي الحالي جعل الاتفاق النهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين غير قابل للتنفيذ الآن. ولذلك، فالإسرائيليون في حاجة إلى التركيز على إيجاد الظروف المواتية على الجانبين، لجعل التوصل إلى الاتفاق أمراً وارداً في المستقبل.
ومن المؤكد أن زيارة وزير الدفاع الأميركي، جيم ماتيس، إلى إسرائيل، الشهر المقبل، واللقاء بين الرئيس ترمب والرئيس الفلسطيني محمود عباس، سوف يؤديان إلى محادثات جديدة.
لكن حتى في حال حدوث ذلك، فاستمرار المباحثات الآن سيكتب له الفشل بكل تأكيد، وربما سيؤدي إلى نتائج عكسية. فجميع المحاولات السابقة لإجراء مباحثات مباشرة وثنائية انتهت بالفشل، وغالباً ما اندلع العنف بعدها. ولذلك فكل محاولة فاشلة ستساهم إلى المزيد من انعدام الثقة، وانعدام التفاهم العميق بين القادة على الجانبين، مما سيؤدي إلى تلاشي الأمل بين الإسرائيليين والفلسطينيين في تحقيق السلام يوماً ما.
باختصار، تعطلت عملية السلام، لكن يبقى حقيقة أن حل الدولتين يمكن أن يصون الحلم الصهيوني في إقامة دولة يهودية ديمقراطية آمنة. فدولة موحدة لن تحتفظ بيهوديتها حال هيمن عليها العرب الذين يشكلون غالبية السكان، ولن تكون ديمقراطية في حال حكمت الأقلية اليهودية الأغلبية العربية، وبدلاً من ذلك ستكون أرضاً خصبة لحرب أهلية طويلة.
ولذلك، فإن ضمان تحقيق اتفاق سلام شامل يجب أن ينحى جانباً الآن، ليصبح الهدف الأهم هو الإبقاء على أمل حل الدولتين. ويجب أن يكون الهدف العاجل هو إنجاز ترتيبات عاجلة لتهدئة حالة العداء، وتمهيد الأجواء لمناخ سياسي ونفسي ملائم على الجانبين، بطريقة تسمح بالتفكير في حل الدولتين في الأيام المقبلة.
فقادة الأمن في إسرائيل أعدوا برنامجاً من أجل تلك الترتيبات - وقادة الأمن يشكلون شبكة تتألف من 270 جنرالاً متقاعداً، ممن خدموا في أعلى المناصب في الجيش والشرطة والاستخبارات الإسرائيلية. وسوف تؤدي مقترحاتهم العملية إلى تحسن الأمن في إسرائيل على وجه السرعة، ومنع تدهور الأوضاع لضمان إجراء مفاوضات حل الدولتين، وتعزيز مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية. وفي الوقت نفسه، سيؤدي ذلك إلى تحسين الأحوال المعيشية والاقتصادية للفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية وغزة، ويمكن وضع ذلك موضع التنفيذ الآن.
سيسمح البرنامج للمستوطنين اليهود في الضفة الغربية الآن بالبقاء في أماكنهم، إلى حين الوصول إلى اتفاق نهائي، بيد أن البناء في أماكن غير تلك التي تضم وحدات سكنية، ويسكنها 80 في المائة من المستوطنين، سيكون محظوراً، وستعترف إسرائيل بأن 92 في المائة من أراضي الضفة الغربية، الموجودة شرق الحاجز الأمني، سيجري ضمها إلى الدولة الفلسطينية التي ستتأسس في المستقبل.
وستعمل إسرائيل على سد الثغرات الموجودة في ذلك الحاجز الأمني، لكنها أيضاً ستغير اتجاهه في بعض المناطق، وذلك لتقليل الخسائر في الأرواح في الجانب الفلسطيني.
وإن استندنا إلى النجاح الذي تحقق حتى الآن في التعاون الأمني بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فسوف توسع الشرطة الفلسطينية نطاق تغطيتها تدريجياً لتشمل 700 ألف فلسطيني، ممن لا يتمتعون حالياً بحماية الشرطة. ولكي يتحقق ذلك، يجب إعادة تعيين بعض المناطق الخاضعة للسيطرة الأمنية والمدنية الإسرائيلية الكاملة في الضفة الغربية (نحو 10 في المائة من الأرض)، ووضعهم تحت سيطرة السلطة المدنية والإدارية الفلسطينية الكاملة، مما يؤدي إلى المزيد من وحدة الأرض الفلسطينية.
ومع ملاحظة المراعاة الحالية للمصالح الإقليمية بين الإسرائيليين والدول العربية، فسوف تقبل إسرائيل مبادرة السلام العربية التي طرحت عام 2002، مع بعض التحفظات، كقاعدة للمفاوضات في المستقبل.
ويمكن أن تتبني إسرائيل مثل تلك الخطوات، وغيرها من الإجراءات، اليوم بصورة مستقلة، إذ إن ذلك لن يعقبه تفتيت لأي مستوطنات أو إجلاء لجنود إسرائيليين قبل التفاوض بشأن أي اتفاق. كذلك ستمنع تلك الإجراءات التقهقر والعودة لكابوس الدولة الواحدة، حتى إن أدت إلى تحسين الأوضاع الأمنية في إسرائيل.
ورغم أن مقترح القادة العسكريين لن يؤدي إلى تسوية نهائية الآن، فسوف يزيد ذلك من الثقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في أن السلام الدائم أمر وارد وممكن الحدوث، حال تحسنت الأحوال المعيشية اليومية. وبالنسبة للإسرائيليين، سيقلل المقترح من وقوع عمليات ضدهم. وبالنسبة للفلسطينيين، فسوف يحسن المقترح من حال الاقتصاد ومستوى المعيشة اليومية، ليس فقط بجعل أراضيهم أكثر قرباً من بعضها بعضاً، لكن أيضاً بتعزيز دور الشرطة الفلسطينية في حماية أمنهم.
وبالنسبة للطرفين، فإن تجميد التوسع في المستوطنات من شأنه تعزيز الأمل في إمكانية الوصول إلى اتفاق بشأن حل الدولتين.
بالتأكيد، فإن تحسن مناخ المحادثات سيسهل من المفاوضات على المسارين: المسار الأول بين الإسرائيليين والفلسطينيين للانفصال ليصبحوا دولتين، والمسار الثاني بين إسرائيل والدول العربية لتطبيع العلاقات، وتعزيز بنية الأمن الإقليمي.
تدرك مجموعة القادة العسكريين أن تحقيق ذلك لن يكون سهلاً، حيث سيسعى المحرضون من الجانبين إلى منع تنفيذ حل الدولتين. ومع ذلك، فإن مد فترة الهدوء، وتقليل نقاط الاحتكاك، سيقلل من قدرة هؤلاء المفسدين على التأثير السياسي، وعلى التأثير في الرأي العام. ومع مرور الوقت، سيسهم المناخ الجديد في تمكين القادة من التصدي لعمليات التحريض، والمضي قدماً في التفاوض للوصول إلى اتفاق نهائي، يدعمهم في ذلك رغبة شعبية للعيش في دولتين، وإيمانهم القوي بإمكانية تحقيق ذلك.
وسوف تفعل الولايات المتحدة الكثير لتنفيذ هذه الخطة، ولتشجيع إسرائيل على تنفيذها، ولدعوة الفلسطينيين والعرب المعتدلين إلى التعامل مع إسرائيل باتخاذ خطوات مماثلة تجاهها.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة