قراءة الواقع بالكثير من التأني

قراءة الواقع بالكثير من التأني

الثلاثاء - 5 شعبان 1438 هـ - 02 مايو 2017 مـ رقم العدد [14035]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

هنالك حالة أشبه باليتم أصابت اشتراكيي العالم الثالث في الصميم، بعدما اهتزت آخر القلاع الاشتراكية التي تستقوي بها زعامات أحزاب وتيارات اشتراكية في الدول العربية ودول العالم الثالث عموماً. وهذه القلعة هي «فرنسا الاشتراكية» التي ارتأى رئيسها الاشتراكي فرنسوا هولاند استعجال الانصراف خشية الانتكاسة في خوض غمار ولاية رئاسية ثانية، يضع من خلالها اسمه في لائحة الرؤساء الأقطاب في الجمهورية الخامسة إلى جانب الجنرال شارل ديغول والرئيس فرنسوا ميتران والرئيس جاك شيراك، وبذلك لا يعود مجرد رئيس عابر في تلك الجمهورية، التي ستطوي شراع سفينتها في الساعات الأخيرة من يوم الأحد المقبل عند إعلان نتائج الجولة الثانية مِن انتخابات الرئاسة الفرنسية، التي ظاهرها تتويج إيمانويل ماكرون رئيساً أول في الجمهورية السادسة، ومفاجأتها المحتملة تتويج مارين لوبان كأول امرأة تشغل منصب الرئاسة الأُولى في الجمهورية المتلألئة حرية وثقافة وفنوناً.
وعندما نشير إلى هذا الاحتمال، فلأن المشهد الأميركي ماثل أمامنا بعد انقضاء المائة يوم الأولى للرئيس دونالد ترمب، الذي استبعدت الاستفتاءات فوزه، فإذا بالناخب الأميركي وتحديداً المتردد من هذا الطيف الناخبي يدفع برجل الأعمال ترمب إلى كرسي رئاسة الولايات المتحدة، ويتسبب بصدمة للسيدة الأُولى السابقة هيلاري كلينتون التي كانت تُمني النفس بالفوز، وتُشفي بالترؤس غليلها من النزوة التي اقترفها زوجها بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي وفي المكتب البيضاوي، الذي مِن جملة محتوياته الحقيبة التي فيها مفتاح التفجير النووي في حال تطلَّب الأمر ذلك... وربما يتطلب من جانب الرئيس ترمب عملاً رادعاً وتفعيل حاملة الطائرات المأمورة قيادتها بالرد على تجربة نووية سادسة يريدها الزعيم الكوري كتحية للذكرى ا105 لميلاد جده، فضلاً عن أن كيم جونغ أون حفيد كيم إيل سونغ استصغر الشأن العسكري للولايات المتحدة، فبادل ترمب التحدي والتحذيرات.
وقال ذو التسريحة المتميزة الذي ترى الإدارة الأميركية أنه «مصاب بجنون العظمة» وتزداد الاحتمالات بتوجيه ضربة نووية إليه تحد من تجاربه الصاروخية الباليستية: «لن نتوسل السلام مع أميركا، وسننفِّذ أقسى عمل مضاد ضد المستفزين للدفاع عن أنفسنا بقوة السلاح. إن قواتنا الثورية مستعدة للقتال وإغراق حاملة الطائرات الأميركية التي تعمل بالطاقة النووية بضربة واحدة».
ولولا حُسْن النُّصْح من جانب الرئيس الصيني شي جين بينغ للرئيس ترمب خلال لقائهما في منتجع «مارلاغو» في ولاية فلوريدا الأسبوع الأول من أبريل (نيسان) 2017، لكانت اشتعلت الحرب بكل الوسائل في شبه الجزيرة الكورية.
كان الرئيس هولاند بعيد النظر، الذي جعله يؤثر ساعات من التأمل وتدوين المذكرات لاحقاً إلى جانب من البهجة الشغوف بها، على مغامرة التجديد وتعقيدات العمل الرئاسي والذبول المتزايد في صفوف الحزب الاشتراكي، وكيف أن طفرة بدأت تأخذ البُعْد المقلق متمثلة بأن التوافق بين رموز النخبة في الحزب بات على درجة من الاستحالة؛ لأن كلاً من هؤلاء إما يتطلع إلى الترشح، وإما أنه سيناور من أجل المنصب الثاني، أي رئاسة الحكومة، في العهد الآتي.
وإلى ذلك فإن السنتيْن الأخيرتيْن من عهد هولاند حفلتا إلى جانب العمليات الإرهابية بارتفاع نسبة البطالة والتداول في اقتراحات لم تخفف من وطأة الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي زادها إقلاقاً أن الديْن العام تجاوز تريليوني يورو، الأمر الذي يوجب مزيداً من الترشيد والإجراءات المؤلمة. وهذه كانت بنوداً وظفتْها أجدى توظيف مارين لوبان، متحاملة على الجموع المهاجرة والمستوطِنة فرنسا، وأكثرية هؤلاء من المثلث الجزائري - المغربي - التونسي، ومن دون أن تميز بين جوهر ديانة هؤلاء وبين ظاهرة التطرف لدى إسلاميين.
كما استند إلى هذه البنود والإجراءات ماكرون الذي بات يوصف بأنه رمز «المجتمع المصرفي». وبطبيعة الحال فإن مثل هذه الصفة تشكل نقاط جذْب مهمة إزاء حالات البطالة وارتفاع الديْن العام.
كان قرار الرئيس هولاند في شأن عدم الترشح صادقاً، وبدت النتيجة واضحة بعد إعلان نتائج الجولة الأُولى، وكيف أن الحزب بات صفحة من كتاب دوَّن الرئيس فرنسوا ميتران سطور صفحته الأخيرة، ثم بدأت عملية الذبول ونمو رموز العولمة في شخص إيمانويل ماكرون، والشعبوية في شخص مارين لوبان. نجمان ساطعان في سماء فرنسا الحزبية والسياسية، مقابل خسوف متدرج لليمين، الذي لا جديد عنده، واليسار الذي يصطف بجوار الذبول المتدرج للحزب الاشتراكي.
ربما هي أمثولة مفادها أن اليسار بأنواعه وتنوُّع مدارسه والاشتراكية والعمل الثوري عموماً بات وسيلة غير مرحب بها شعبياً، وأن المنضوين تحت هذا المثلث يصلحون كمعارضة، إنما مآلهم الإخفاق عندما يملكون السلطة.
وما جرى في فرنسا لجهة الإخفاق الصادم للحزب الاشتراكي ليس الدليل الوحيد على ما نقول، فهناك الذي يجري في فنزويلا، وكيف أن فقراء هذه الدولة العضو في «أوبك» مما يعني أنها بالثروة النفطية يمكن أن تعالج متطلبات الناس، هم في معظمهم الذين يتظاهرون ويشعلون الحرائق. وتلك مفارقة لافتة لأن التظاهر يتم ضد نظام دولة ثورية واشتراكية بدأت في زمن تشافيز، ويواصل من بعده رفيقه مادورو.
خلاصة القول، إن الذي أصاب الحزب الاشتراكي في فرنسا هو، أو يجب أن يكون، بمثابة جرس تنبيه لليسار العربي وشيوعييه والقوى الحزبية الاشتراكية من أجل قراءة الواقع بالكثير من التأني.
وتستوقفنا هنا خشية كبير الاشتراكيين العرب وليد جنبلاط، الذي اكتفى بتغريدة استبق، بتسجيلها كموقف، جولة الحسم، وجاء فيها: «لوبان لم تُهزم بعد، وميلانشون وما يسمى أقصى اليسار خطرون ووصوليون بلا مبادئ إلى حد الارتزاق». وهذه التغريدة المفعمة بالخشية مما هو آتٍ تنسجم مع خشية رفيقه وصديقه في الاشتراكية الرئيس هولاند، في ضوء الذي أصاب حزبه المخذول شعبياً في الجولة الأُولى، الذي ارتأى التحذير من أن فوز ماكرون على لوبان ليس مضموناً: «وليس شيئا هامشياً أن يصل اليمين المتطرف الذي يشكِّل مرة أُخرى خطراً على بلادنا»، ثم كرر التحذير بصيغة الطلب من وزراء الحكومة «بذْل ما في وسْعهم لإلحاق أكبر هزيمة ممكنة بزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان».
وقد يكون الداعي إلى التحذير تنحي لوبان عن زعامة حزبها من أجل إثبات أنها «مرشحة الشعب الفرنسي» وجذْب الشرائح الناقمة والمصدومة في الحزب الاشتراكي وأحزاب اليمين واليسار على حد سواء، وتكليف نائبها الستيني اللبناني الأب المغربي الأم الفرنسي المولد، جان فرنسوا جلخ، بترؤس الحزب إلى حين ظهور الخيط اللوباني من الخيط الماكروني يوم الأحد المقبل (7 مايو 2017) فإما نشهد استنساخاً فرنسياً للثاتشرية متمثلة بفوز لوبان رغم التحشيد المتنوع ضدها، وإما يرسو الرهان على استنساخ فرنسي أيضاً لـ«الميجورية» متمثلة بفوز إيمانويل ماكرون الأكثر شبهاً بجون ميجور الذي خلف ثاتشر وعلَّق عليه البريطانيون كثير الآمال، كونه من مجتمع المال والمصارف، لكن لعبة الأرقام التي يتقنها لم تدفع به ليكون من الرؤساء التاريخيين في الحياة السياسية البريطانية.
في كلا الأحوال وأياً كانت مفاجأة يوم الأحد 7 مايو بين المُهر الطارئ على السباق الرئاسي إيمانويل ماكرون، أو الفرس المقدامة مارين لوبان، فإن اشتراكيي فرنسا الذين كانوا سابقاً جياداً يُحسب حساب نواصيها وحوافرها، ويراهَن عليها في الحلبة، انتهوا متفرجين على هذا السباق، حالهم من حال قادة وزعماء اشتراكيين وثوريين في العالم الثالث عرباً وعجماً ولاتينيين، آن الأوان لكي يتعظوا. وفي الاتعاظ السلامة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة