احذروا «واتساب»

احذروا «واتساب»

الاثنين - 22 جمادى الآخرة 1438 هـ - 20 مارس 2017 مـ رقم العدد [13992]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
ليس مستغرباً أن يصبح «واتساب» بطل السجالات السياسية في لبنان، بعد أن كانت أصابع الاتهام توجه إلى «فيسبوك» أثناء التمرد العربي الثوري. فبعد الاحتجاجات الشعبية التي بدأت منذ أيام؛ اعتراضاً على قوانين تضيف المزيد من الضرائب على الناس، عقد نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري مؤتمراً صحافياً مع الرئيس سعد الحريري. قرأ الجميع الغضب المستشيط بادياً على وجه مكاري، وهو يقول أمام وسائل الإعلام: إن «جلسة إقرار سلسلة الرتب والرواتب التي تنتظرها 250 ألف عائلة لبنانية منذ عقدين، أطيح بها بسبب لائحة بالضرائب غير صحيحة، تم تداولها على (واتساب) على نطاق واسع، وتسببت بأجواء مشحونة في البلد». واتهم بشكل مباشر النائب سامي الجميل رئيس حزب الكتائب بنشر اللائحة. بدا الأمر مضحكاً للوهلة الأولى. هذه المرة الأولى التي نسمع فيها بشكل رسمي، أن «التطبيق الأخضر» اختراقي إلى هذا الحد، على غرار وسائل تواصل اعتبرت أكثر خطورة حين يستخدمها محتجون.
كان بدائياً «واتساب» حين اندلعت الثورة التونسية، ومن ثم المصرية والليبية، ولم يكن قادراً على إرسال الصور والفيديوهات والرسائل الصوتية وإجراء الاتصالات التليفونية المجانية. لكن «واتساب» هذا فعل ما لم يلحظه كثيرون، أثناء حرب ست سنوات طويلة ودموية، بين منطقتي «جبل محسن» و«باب التبانة» في شمال لبنان. كان المحرك لكل التجمعات المشاغبة، ولم يجازف الجيش بدخول مكان الاقتتال والبحث عن المسلحين إلا بعد قطع خدمة الإنترنت، لتحييد «واتساب» بصفته وسيلة رئيسية لبث الشائعات، والتحريض ضد الجيش. فثمة من يشترك في خدمة للإنترنت تشغّل «واتساب» وحده، بسعر لا يتجاوز 5 دولارات، مستغنياً عن كل الخدمات الأخرى، وهذه حال غالبية من يعانون ضيق ذات اليد، وهؤلاء هم من يحتجّون في الغالب.
اليوم صار بمقدور المشتركين في التطبيق الأثير للشعب الفقير، ويبلغ عددهم سدس سكان المعمورة، عمل مجموعات مغلقة والتحاور فيما بينهم. ومن استهان بهذا التطور، يمكن أن يقرأ نتائجه على الأرض اعتصامات ومظاهرات وتنسيقاً سريعاً، لم يسبق أن شهدنا له مثيلاً، إثر انتشار لائحة الضرائب التي لم يعرف يقيناً من الذي عمّمها. لكن نسي النائب مكاري أن الضرائب أول ما تغضب فقراء، الـ«واتساب».
فإذا كان «تويتر» قد راق للسياسيين، بمن فيهم رئيس أميركا دونالد ترمب الذي يعترف بفضله في إيصاله إلى البيت الأبيض، فإن ثمة في لبنان من النواب من أدمن عليه واعتبره نافذته ومنبره، ويستحق من الوقت أكثر مما يمنّ به على المجلس النيابي.
لكن «واتساب» بقي مفضلاً بين الجماهير العريضة، والتشكيلات البشرية التي نزلت بسرعة البرق في ساحة رياض الصلح للاحتجاج بعد أن وصلت إلى هواتفهم تفاصيل الرسوم الباهظة التي ستفرض عليهم، كانت في تنوعها، واختلاف انتماءاتها، شبيهة بصورة المجموعات «الواتسابية». تحركات عفوية لا تحتاج إلى من ينسقها، أو يهندس تجمهرها، أو حتى يشرح لها ما يجب أن تهتف به. وكأنما تلك الحوارات التي دارت في الأجهزة، قرّبت الأفكار وأنضجت المطالب سلفاً.
الطريف، أن الصحف كانت قد نشرت الكثير حول الضرائب الاثنتين والعشرين التي ستفرض على العقارات والطوابع والتبغ والجمارك وتذاكر السفر، والكهرباء والهاتف والإنترنت، وغيرها، ولم يحرك أحد ساكناً باستثناء القضاة الذين كانوا أول المعترضين على النيل من مكتسباتهم. وحذر خبراء ومحللون من نتائج ضرائب في وقت يزداد فيه الفقر، إلا أن الناس ما عادوا يعيرون حتى تلفزيوناتهم أو إذاعاتهم سمعاً، وانطووا على أجهزتهم يقرأون رسائلها المتدفقة. وكان يكفي أن يوزع طرف ما لائحة صغيرة ومبسطة باسم كل ضريبة ونسبتها على «واتساب»، حتى يتنادى الناس خلال دقائق ويتجمهروا ويرفعوا يافطاتهم، وصرخات حناجرهم، أمام مجلس النواب.
اللائحة التي انتشرت كالنار في الهشيم كانت بالفعل وراء تأجيل إقرار سلسلة الرتب والرواتب إلى أجل غير مسمى، بصرف النظر عمن وزعها ولأي غاية. لأن أعين المواطنين، بعدها صارت مفتوحة والفضول متأجج، لمعرفة عن كل ضريبة، ليس فقط نسبتها، وإنما كيف أقرّت، وأسماء النواب الذين صوتوا عليها، ونتائج هذه الزيادة على حياتهم. وثمة نواب من كتل متحمسة لإقرار الرسوم تغيبوا تحت ضغط الشارع، مما يظهر كمّ السخط الذي شعر به الناس.
هذا ليس تبرئة لـ«فيسبوك» أو «تويتر» الذي نشر على صفحاتهما بعض المواطنين وثائق مذهلة حقاً، في معرض اقتراحاتهم لمصادر لتمويل سلسلة الرتب والرواتب بدل زيادة العبء على الفقراء. أحدهم نشر جدولاً حول متوجبات 14 شركة كبيرة لم تسدد من الضرائب، وهي أرقام هائلة. وأضاف المغرد التعليق التالي: «هذه المبالغ وحدها تمول السلسلة». أما على «فيسبوك» فوزير الداخلية السابق، المحامي ذو الشعبية الكبيرة زياد بارود، يتابعه أكثر من 250 ألف مواطن، يشعل حملة ضد الرسوم الجديدة، تصل إلى حد اعتبار المجلس النيابي الممدد لنفسه مرتين، غير شرعي منذ 2013، ولا يحق له أن يفرض ضرائب عشوائية.
الجميع استساغوا اللعبة ومنخرطون فيها. هناك من يدرس السبل الأعمق تأثيراً، والأساليب الأكثر شعبية. لم يعد الأمر حكراً على شركات التسويق. صار كل ناشط خبيراً وكل سياسي يعد عدته ليكون الأمهر. لكن المسؤولين، كانوا حتى أيام مضت، لا يلقون بالاً لمخاطر تطبيق «كل الناس»، الذي يبشر بمستقبل واعد، تماماً كما المظاهرات الناقمة على سياسة التفقير والتشليح في لبنان.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة