مشكلة أوروبا مع الإسلام

مشكلة أوروبا مع الإسلام

الخميس - 18 جمادى الآخرة 1438 هـ - 16 مارس 2017 مـ رقم العدد [13988]
المهاجرون والإسلام والمسلمون باتوا قضية في قلب الجدل السياسي والانتخابي في عدد من الدول الأوروبية، إن لم يكن في الدول الغربية بشكل أوسع. من هولندا وفرنسا وألمانيا التي تعيش حمى الانتخابات، إلى بلجيكا والنمسا والمجر، وغيرها من دول القارة العجوز، يدور جدل واسع حول موضوعات الهوية والاندماج، ويجري النفخ في مناخ الإسلاموفوبيا باستخدام هاجس الأمن والإرهاب.
الانتخابات الهولندية التي جرت أمس سلطت عليها الأضواء بشكل غير مسبوق، بسبب الصعود اللافت لحزب الحرية اليميني المتطرف وزعيمه المثير للجدل غيرت فيلدرز. هذا الرجل جعل برنامج حزبه الصادر في صفحة واحدة فقط يتمحور حول وعوده بإغلاق جميع مراكز المهاجرين في البلاد، وحظر دخول المهاجرين من الدول الإسلامية، وإغلاق المساجد في عموم هولندا، وحظر القرآن. وعلى الرغم من أنه يتبنى في برنامجه الخروج من عضوية الاتحاد الأوروبي، فإنه عندما شعر بأن الناخب الهولندي ليس مستعداً بعد لهذه الخطوة، جعل التركيز الأكبر في خطابه على موضوع المهاجرين وما يعتبره «الخطر الإسلامي» على أوروبا وهويتها. وقد نجح بالفعل في فرض خطابه على الأجواء الانتخابية؛ مما اضطر رئيس الوزراء مارك روتي وحزبه الليبرالي إلى تبني لغة أكثر تشدداً في موضوع المهاجرين والهوية الوطنية، إلى حد نشر إعلان على صفحة كاملة بالصحف الهولندية اختتم بدعوة المهاجرين إلى الاندماج، وبجملة فيها تحد: «كونوا طبيعيين، أو ارحلوا».
انتخابات هولندا تعتبر اختباراً مهماً لظاهرة صعود اليمين المتطرف، وخطاب العداء للمهاجرين، والتخويف من الإسلام والمسلمين. فحزب فيلدرز ليس الوحيد الذي يلعب على المشاعر الشعبوية، وتحريك موضوع الدفاع عن السيادة والهوية الوطنية، والتخويف من «الخطر الإسلامي». ففي فرنسا تلعب ماري لوبان، زعيمة حزب الجبهة الوطنية المتطرف، على هذه القضايا أيضاً في إطار حملتها لانتخابات رئاسة الجمهورية التي ستنطلق جولتها الأولى أواخر الشهر المقبل. وفي ألمانيا يأمل حزب «البديل لألمانيا» الشعبوي المتطرف في توظيف خطاب العداء للمهاجرين، خصوصاً من الدول العربية والإسلامية، ضد المستشارة أنغيلا ميركل التي فتحت الأبواب أمام المهاجرين خصوصاً من سوريا وأفغانستان، قبل أن تضطر إلى تقييدها بعد الهجمات الإرهابية التي شهدتها البلاد وتنامي أجواء الشك والعداء إزاء المهاجرين.
السؤال هو: هل هناك «خطر إسلامي» بالفعل على أوروبا وهويتها ومجتمعاتها؟
في مقالي الأسبوع الماضي تناولت مسألة التهويل والتضخيم والانطباعات الخاطئة حول «الخطر الإسلامي» على أوروبا، واستغلال أحزاب اليمين المتطرف والعنصري للصور النمطية السلبية عن الإسلام والمسلمين للتكسب السياسي والانتخابي. هناك شواهد كثيرة على هذا الأمر، لكنني سأشير هنا إلى الاهتمام الذي حظي به الحكم الصادر عن المحكمة الأوروبية أول من أمس في قضيتين متعلقتين بالحجاب في مواقع العمل. فالحكم، وإن كان يتعلق بقضيتين في بلدين فقط هما بلجيكا وفرنسا، إلا أنه يعكس أجواء الجدل حول الإسلام والمسلمين في أوروبا.
المحكمة الأوروبية قضت بأن من حق أصحاب العمل والشركات حظر ارتداء الحجاب ما دام المنع لا يستهدف مجموعة معينة، بل ينطبق على كل العاملين، ويكون مضمناً في لوائح ونظم العمل، ويشمل كل مظاهر الزي التي ترمز إلى تعبير ديني أو سياسي أو فلسفي، بغض النظر عن الديانة أو المعتقد. الموضوع كان يتعلق أساساً بقضية الحجاب والجدل الذي يدور حولها منذ سنوات، لكن نظرة فاحصة للأمر ستدلنا على مشكلة التضخيم. فالمعهد البلجيكي لتكافؤ الفرص على سبيل المثال يقدر عدد السيدات اللاتي يرتدين النقاب في بلجيكا بنحو 215، بينما عدد اللاتي يرتدين الحجاب أكثر من ذلك، لكنه يقدر ببضع مئات وليس بالآلاف. وفي فرنسا التي تضم أكبر أقلية مسلمة في أوروبا (5 ملايين مسلم)، تشير التقديرات إلى أن نحو ألفي امرأة فقط يرتدين الحجاب الكامل. أما النمسا التي تبنت حكومتها في مطلع العام الحالي قراراً بحظر الحجاب في المؤسسات العامة مثل المدارس والمحاكم، فإن بعض التقارير أوردت أن عدد النساء اللائي يرتدين الحجاب أو النقاب ربما لا يزيد على 150 فقط.
التضخيم جزء من المشكلة يستغله المستفيدون من النفخ في أجواء المبالغة والتخويف، ويسهم فيه المسلمون أيضاً؛ ذلك أن المسلمين يمثلون أقلية في أوروبا لا تتجاوز 5 في المائة في مجملها، لكنهم في أغلب الأحيان يعيشون في تكتلات وتجمعات في أحياء ومدن بعينها، ينقلون معهم في كثير من الأحيان عاداتهم وتقاليدهم، فيبدون كما لو كانوا أكبر من أعدادهم الحقيقية. أضف إلى ذلك، أن هناك مشكلة اندماج لا يمكن إنكارها، وتحتاج إلى معالجتها بصراحة وحصافة من الجاليات الإسلامية.
هناك جانب آخر من المشكلة يتعلق بأقليات متشددة وسط المسلمين، لكنها عالية الصوت، وتمكنت من اختطاف المشهد لتسهم بشكل كبير في إثارة المخاوف وتغذية الخطاب المبالَغ فيه عن «الخطر الإسلامي على أوروبا»، وهذا موضوع ربما يحتاج إلى عودة أخرى.

التعليقات

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
16/03/2017 - 04:09

استاذ عثمان ميرغنى
1- المسلمون اصبحوا فى ورطة الآن بعد ان رسخ فى نفوس اميركا والدول الغربية ان هناك رباط وثيق الصلة بين المسلمين والارهاب الذى يقع فى كل مكان فى العالم لدرجة ان لفظ مسلم اصبح مرادفا للفظ ارهابى بل اصبح كل من يتكلم العربية ارهابى , وهكذا تسبب الارهاب الذى تعانى منه الدول العربية فى جعل شعوب هذه الدول منبوذة من اميركا والدول الغربية واصبح المسلمون منبوذين من جميع دول العالم غير المسلمة وهذه كارثة اذ معناها شل حركة المسلمين فى العالم واعتبارهم غير مرغوب فيهم لا لذنب ارتكبوه ولكن لمجرد انهم يدينون بالاسلام وكأن الاسلام اصبح وصمة عار فى جبين كل مسلم واعتقد انه لايمكن ان تسير الامور فى العالم بصورة طبيعية خاصة اذا علمنا ان ربع سكان العالم تقريبا مسلمون لذلك فانه لابد من وقفة لفقهاء وعلماء الاسلام لمواجهة هذا المخطط الجديد ووقفه

فؤاد مصر
البلد: 
مصر
16/03/2017 - 04:10

يتابع
2- وتغيير هذا المفهوم الخاطىء والمغلوط والاستعانة بالآية الكريمة " ولا تزر وازرة وزر اخرى " وان الجريمة والعقوبة شخصية يقتصر اثرها على مرتكبها ولا يتعدى اثرها احدا سواه هذه نقطة هامة تحتاج الى تركيز شديد والا لكان اولى الناس بالصاق صفة الارهابيين بهم هم الصهاينة الاسرائيليون ولا اقول اليهود نظرا لجرائم القتل الوحشية التى يرتكبونها فى حق الشعب الفلسطينى المسالم صاحب الارض وكذلك الاميركان انفسهم نظرا لحوادث القتل المنتشرة بينهم هنا وهناك بدون سبب خاصة بين طلبة وتلاميذ المدارس ونحن نؤمن تماما بانه ليس معنى ان اميركيا ارتكب جريمة قتل عشوائية ان كل الاميركان قتلة وارهابيين ويجب ان يؤمن الاميركان والغربيين بذلك ليس معنى ان طائفة من البشر الخارجة على القانون وعلى كل الاديان ترتكب جرائم ارهابية فى حق الشعوب العربية

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
16/03/2017 - 04:12

يتابع
3- ذاتها ليس معنى هذا ان كل المسلمين قتلة وارهابيين بل ان المسلمين حقا يعتبرون هؤلاء الارهابيين من الخوارج الذين خرجوا عن الاسلام وفى النهاية اقول لرؤساء وحكومات الدول الاوروبية لا تتسرعوا فى الحكم على المسلمين فالمسلمون بخير وعلاقاتهم بالعالم كله على احسن مايرام وسوف تثبت لكم الايام ذلك اما الارهابيون فان المسلمين انفسهم يكافحونهم لتخليص العالم من شرورهم

منصور حنا
البلد: 
مونتريال-كندا
16/03/2017 - 04:39

تحليل عميق للمشكلة من جميع جوانبها، وباقتضاب، وأعتقد أنه ثمة مشهد مخيف وخطير من الحروب الدينية، في العالم. الخوف والتوجس من أسلمة اوروبا ليست أمورا جديدة، وقد حذر منها مفكرون ومؤرخون وكتاب وأدباء غربيون، ولكن الجديد هو استغلال اليمين الشعبوي المتطرف لهذا الخوف لنيل مكاسب انتخابية وسياسية، كما في فرنسا (مارين لوبين) أو هولندا (غيرت غيلدرز)، أو ألمانيا وغيرها، فضلا عما يحصل في الولايات المتحدة الأميركية. ويقابلها شعبوية اردوغان الذي يهدد اوروبا التي لم تنس بعد الاحتلال العثماني وحصاره للعاصمة فيينا، يضاف الى المشهد المخيف الحروب الدينية في الشرق الأوسط (السنية الشيعية). الخوف هو ان يقود التطرف في الغرب إلى عمليات ارهابية تجاه المسلمين، ولم ننس المنظمات الارهابية التي ظهرت في اوروبا في ستينات وسبعينات القرن الماضي. ارهاب يقابله ارهاب.

رشدي رشيد
16/03/2017 - 07:03

بسبب الاعمال الارهابية في اوروبا وخصوصا في ألمانيا من قبل المحسوبين على المسلمين لإشعال الشرارة لتقوية الإسلاموفوبيا في اوروبا وبالتالي إعطاء الزخم للأحزاب اليمينية للوصول الى السلطة، أي انه هناك تنسيق غير مباشر مع الطرفين وهذا بحد ذاته عليه علامة استفهام كبيرة حول مَن يقف خلف هؤلاء الارهابيين ولمصلحة مَن؟؟؟؟؟

Dr. Sayeed Ahmad Almusharrafi
البلد: 
United Arab Emirates
16/03/2017 - 07:19

في الهند، فاز حزب بهارتيا المتطرف، وألحق هزيمة نكراء بجميع الأحزاب اليسارية بكل ألوانها وأطيافها، وذلك فقط بسبب الضرب على أوتار المشاعر الدينية لدى الشعب الهندوسي الذي يشكل الأغلبية المطلقة في البلاد، وتخويفه من الإسلام والمسلمين.
فلترقد الديمقراطية في قبرها -قريرة العين أو سخينتها- إلى الأبد!

تحياتي،،

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة