افتتاحية الخاتمة

افتتاحية الخاتمة

الاثنين - 8 جمادى الآخرة 1438 هـ - 06 مارس 2017 مـ رقم العدد [13978]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
كان يقال في فرنسا، وفي العالم: «إن (الموند) هي الجريدة التي تسبغ الاحترام على الصحافة الفرنسية». صدرت 1945، في وقت كانت فيه صحف باريس مهتمة بالرشوة وتأييد جميع الفرقاء المتقاتلين في أوروبا، مرة واحدة، وكل تأييد بحجم. أو بالأحرى، بوزن.
غيّرت «الموند» باستقلاليتها ومهنيتها، موقف القارئ من الصحف والصحافة. فقد كان مبيع الصحف اليومية يرتفع نهار الخميس عندما تنشر نتائج «اليانصيب الوطني»، أو اللوتو، لكن «الموند» صارت صحيفة كل الأيام وجميع المحترمين. وصار مديروها وكتّابها ومحرروها مرجعية الرأي والخبر. ولم يعد ينطبق على جميع أهل المهنة قول ديغول الغاضب، إن الصحافيين «مجموعة من المخربشين الذين يعطون أنفسهم الحق في توزيع المر والخل، أو الحليب والعسل».
عندما أصبحت «الموند» دفة الرأي العام الغالبة في الداخل، وجريدة فرنسا الدولية في الخارج، تجمعت القوى المالية اليمينية لإصدار صحيفة تنافسها، أو تؤدي إلى إغلاقها. وتأسس عام 1956 رأسمال قدره 40 مليون دولار لإنشاء «لو تون دو باري». ونجحت الصحيفة الجديدة في اجتذاب ثمانية محررين من «الموند». وكان صدورها في 63 يوماً و63 عدداً، وبقيت «الموند» رمزاً من رموز فرنسا ومن رموز المهنية والموضوعية بين صحف العالم.
لكن الزمن ينقلب على الصحافة في كل مكان، وعلى «الموند» أيضا. ولا تزال طبعاً أولى صحف فرنسا وأهمها ومرجعيتها السياسية، داخلية وخارجية. فما من صحيفة أخرى تدّعي هذا الموقع، لكن زمن «الموند» الماضي لم يعد موجوداً. ليس ذلك ذنبها، أو خطأها، بل خطأ المنتهيات: أيضا لم يعد هناك شيء يدعى «الحقبة الجميلة»، ولم تعد هناك أشياء تدعى «أغاني البولفارات»، ولم يعد الأزواج الفرنسيون يذهبون إلى المسرح لكي يضحكوا من أنفسهم. ولم يعد قصر الإليزيه ينتظر ما هو رأي «الموند» فيه، وإذا ما كانت ستؤيد حزبه في الانتخابات.
طرحت مرة سؤالاً على سعيد فريحة، من نوع تلك الأسئلة التي يطرحها الناشئون: «هل تغيرت باريس، أم نحن من تغير؟»، ورد بإجابة من نوع تلك الأجوبة التي يعطيها الساحقون: «هي ونحن». كنت أمضي وقتاً طويلاً في قراءة «الموند»، الحدث والمقال الساخر، والمراسلين الكبار، والافتتاحية الحاملة دوماً مواقف إنسانية عادلة وصادقة وعابرة للآفاق الصغيرة. ويؤسفني الآن في اليوم التالي أن أتذكر أنني نسيت شراءها أمس البارح، وأن أشعر أنه لم يعد من ضرورات النهار في باريس شراء نسختي منها.
نهائيات الحقب. كنا نتعلم من «الموند» ونستقي، ونحاول التقليد، ونقرأ افتتاحيتها كمن يقرأ في كتاب العلم. الآن يسمح «المخربشون» لأنفسهم بإطلاق صفة «الافتتاحية»، على ما تبدو أنها خاتمة المهنة.

التعليقات

أمين ظافر
06/03/2017 - 03:49

مِهْنَةُ الْمِحْنَةِ الصَّحافة في فَرَنسا عُنوانها (البَطَّةُ المَربوطة/ لو كانار أنشينيه le canard enchainé) تصدر مُذ 5 تُموز 1916م

ناظر لطيف
06/03/2017 - 04:16

مقال رائع شكرا لك

بو راشد البحريني
06/03/2017 - 07:41

نقرأ في كتاباتك احاسيسك ونستشعرها ولكن من واجبنا ان نقول لك اننا نتطلع لمقالك في كل يوم تماما كما كنت تتطلع لإشراقة "لموند" والصحيح هو ان الزبد يذهب ويبقى ما ينفع الناس.. لذلك تبقى كتاباتك لتنفع الناس واما الزبد فيذهب عندما يفقد قيمته..شكرا لك

حسن محمد غلاب
البلد: 
المغرب
06/03/2017 - 10:43

لوموند أو غيرها من اليوميات والجرائد الإنجلوسكسونية الرصينة والرائدة يصعب التكهن (الكل يتوفر على النسخة الإليكترونية) بمآلاَتها في هذا الزمن الأغبر. اجيال اليوم والأجيال السابقة كانت وتظل بحاجة مسيسة لهذه المطبوعات الساحرة ولا نستطيع تصور قصَّ حبل الصُّرة بيننا. لكن لايمكن ان لا نتصور اجيالا من زمن قادم غير معلوم الوصول، والله اعلم ،العنوان ، سيجترح وسائل وقنوات لن تشبه في شيء عالم الصحافة الحالي وليس من حقنا مصادرة حقهم في هذا.
الصحافة بكل أصنافها وصلتنا، كعرب، كالمعتاد،متاخرة. لكن منا من تدارك الامر بجلب تقنياتها؛ اعني تقنيات الافتتاحية الايديتو الأبواب الثابتة المقالة... وكانت المحاكاة باقتدار.
اتساءل لماذا نستورد من الغرب والشرق المتطور والناجح الابتكارات والاشياء البائتة يعني عندما تبرد وتشبع برد؟
لماذا لا نستقدمها سُخْنَة؟

حسن محمد غلاب
البلد: 
المغرب
06/03/2017 - 11:02

لماذا لا نستقدمها سُخنَة؟
في التكنولوجيا في احدث الأساليب الزراعية في الصناعة في الاجتماع في السياسة في الديموقراطية...؟
استوردنا الصحافة ونجحت الى حد ما. لكن أين القارىء ؟ لكي اقرأ يجب ان اتعلَّم أوليات القراءة. القارىء يصنع.
شكرًا أستاذ على هذا الموضوع الشيق.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة