الخميس - 27 شهر رمضان 1438 هـ - 22 يونيو 2017 مـ - رقم العدد14086
نسخة اليوم
نسخة اليوم 22-06-2017
loading..

معادلة الحكم في تونس

معادلة الحكم في تونس

الأحد - 6 جمادى الآخرة 1438 هـ - 05 مارس 2017 مـ رقم العدد [13977]
نسخة للطباعة Send by email
لكل حقل سياسي خصائص معينة، تحدد سيرورة الفعل السياسي فيه، وكيفية تشكله، والأطراف الفاعلة فيه أكثر من غيرها. ومن المهم جداً التعرف إلى هذه الخصائص إذا ما أردنا فهم كيفية تبلور الفعل السياسي في بلد ما، خاصة تلك الخصائص التي تعطينا فكرة عن بنية الحقل السياسي. وهنا نشير إلى أن مفهوم الحقل الذي ابتكره عالم الاجتماع الفرنسي الراحل بيار بورديو مفهوم مركزي في الحقول الاجتماعية كافة، بما في ذلك الحقل السياسي الذي يجعل الصراع أكثر دينامية وانكشافاً ومكاشفة، مقارنة بالحقول الاجتماعيّة الأخرى.

في هذا السياق العام من الانتباه إلى الخصوصيات المختلفة للحقول السياسية، نتوقف عند خاصية مهمة من خصوصيات طبيعة الحكم في تونس. وهو ما سيساعدنا في فهم بعض التوترات التي تحصل من حين لآخر في الحقل السياسي التونسي.

إن النقطة المهمة والمفتاح لفهم طبيعة الحكم في تونس، تتمثل في الإقرار بالوزن السياسي المؤثر الذي يتمتع به الاتحاد العام التونسي للشغل. وهو أعرق منظمة نقابية في تونس وفي أفريقيا، أسسها المناضل المرحوم فرحات حشاد.

فلا سبيل للحكم دون الأخذ بعين الاعتبار وزن الاتحاد العام التونسي للشغل، وكل رئيس حكومة يريد أن يعمل بأقل ما يمكن من احتجاجات اجتماعية مهنية، لا مفر بالنسبة إليه من ضبط توافق وعلاقة تقوم على الوفاق مع الاتحاد العام التونسي للشغل.

وحتى في مرحلة ما قبل الثورة، كان الشرط دائماً حالة السلام مع الاتحاد، رغم أن هذا الأخير عانى من الحكم الشمولي ومر بفترات تدجين حقيقية.

غير أن الدور الذي لعبه في الإطاحة بالنظام السابق ودخوله على الخط في اليومين الأخيرين لما قبل 14 يناير (كانون الثاني) جعله يُجدد مضمون مشروعيته السياسيّة، ويستفيد من مناخ الحرية الذي فرضته الثورة وكان من أهم إنجازاتها، بلفت النظر عن الانحرافات التي تعرفها هذه الحرية في بعض الأحيان.

وفي الحقيقة نجحت منظمة الاتحاد العام التونسي للشغل في استعادة مصداقيتها، ويمكن القول إنها اليوم تعد الطرف الأقوى في الحقل السياسي التونسي، وهي من لعبت دوراً في تهدئة الوضع في تونس بتأطيرها لعملية الحوار التي أخرجت تونس من عنق الزجاجة، والتي نالت بفضلها جائزة نوبل للسلام.

المشكلة اليوم أن الاتحاد - من جهة - تأكدت له أهميته وفكرة أنه صاحب الحل والعقد في تونس. وبلفت النظر عما إذا كان هذا الشعور انحرف عن طريقه وأصيب بالانتفاخ أو لا، فإن المؤكد أيضاً أن الاتحاد يستمد قوته من قواعده الشغيلة، ولا يستطيع أن يذهب بعيداً مع الفريق الحاكم في التنازلات؛ لأن في ذلك إضعافاً حقيقياً له في علاقته بقواعده التي لا قوة له خارجها.

من جهة ثانية، فإن الحكومة التونسية تعيش ضغوطات اقتصادية حقيقية، وبالكاد تحاول الاجتهاد لحل المشكلات الراهنة والديون المتراكمة، ومعالجة تداعيات تدهور الدينار التونسي، وتأثير ذلك على الميزان التجاري، الأمر الذي يجعل استجابتها لمطالب الاتحاد العام التونسي للشغل محدودة جداً وأحياناً مستحيلة. بمعنى آخر، فإن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها تونس، ستجعل الطرف الحاكم والاتحاد العام التونسي للشغل في حالة توتر مستمرة، ولن يهدأ هذا التوتر إلا بتحسن أحوال الاقتصاد التي بمقتضاها يمكن للحكومة أن تتفاعل إيجابياً مع مطالب الزيادة في الأجور في المفاوضات الاجتماعية.

ولعل إقالة الوزير عبيد البريكي مؤخراً، الذي يعد من الوجوه البارزة في الاتحاد، قد أثارت حفيظته، وتمت قراءتها من طرف الاتحاد كرسالة سلبية، خاصة أنه تم تعويضه بكفاءة من منظمة الأعراف الذي انسحب بدوره، كي لا يسهم في تشنج الوضع.

بيت القصيد: الحكم في تونس يقوم على طرفين أساسيين؛ الأول النخبة السياسية الحاكمة، والثاني الاتحاد العام التونسي للشغل.

وكلما كانت العلاقة بين هذين الطرفين يغلب عليها التوافق والتفاهم، ينعكس ذلك آلياً على تراجع الاحتجاجات الاجتماعية، وأيضاً يكون مؤشراً قوياً على الحالة الاقتصادية للبلاد.

ولكن تشهد العلاقة اليوم بين هذين الطرفين توتراً، من الصعب تحميل المسؤولية فيه إلى طرف دون آخر؛ فالحكومة لا تستطيع التعاطي إيجابياً مع مطلب الزيادة في الأجور، خاصة أن ذلك من شروط صندوق النقد الدولي التي تفاعل معها نسبياً الاتحاد، كي لا يضع الحكومة في مأزق. وربما هي في اللحظة الراهنة أكثر تأزماً، بعد أن عبر صندوق النقد الدولي في الأسبوع المنقضي عن تراجعه في تحويل الجزء الثاني من القرض المتفق عليه، ناهيك عن ضغط منظمة الأعراف.

وفي نفس الوقت أيضاً، نفهم لماذا لا يستطيع الاتحاد العام التونسي الذهاب أكثر في التوافق السياسي والتهدئة؛ لأنه سيخسر بكل بساطة مصداقيته عند قواعده، وهو يفهم ضغط الحكومة عليه وكأنه يندرج في إطار إضعافه، وهو ما يعد في الحقيقة ضد أي طرف حاكم في تونس؛ لأن وجود مؤطر قوي يتمتع بالمصداقية أفضل من احتجاجات غير مؤطرة.