مؤامرة كونية

مؤامرة كونية

الأربعاء - 3 جمادى الآخرة 1438 هـ - 01 مارس 2017 مـ رقم العدد [13973]
محمد رُضــا
صحافي متخصص في السينما
تصوّر لو أن ما حدث قبل يومين في حفل توزيع جوائز الأوسكار، عندما تسلم الممثل والمخرج وورن بايتي المغلّف الخطأ، فتم الإعلان عن فيلم آخر غير الفائز فعلاً، حدث في نهاية مهرجان عربي. تصوّر ماذا كان يمكن أن يحدث؟.
هناك ساد المنطق سريعاً. قام أحد منتجي فيلم «لا لا لاند»، الذي تم الإعلان عن فوزه خطأ، بالاعتذار بحرارة (ولو أن الخطأ ليس من عنده) وأعلن بصوته الفيلم الفائز «مونلايت»، وسارع بتهنئة الفيلم الفائز ومخرجه ومنتجيه بكل ود. بل عانق على المسرح المخرج وسط دهشة الجميع، ثم قبولهم ما حدث بتصفيق كبير ومناسب.
تصوّر السيناريوهات المحتملة لمثل هذه الغلطة في نهاية مهرجان عربي أو مناسبة مماثلة (ولو أن المناسبات المماثلة للأوسكار أو للغولدن غلوب أو للسيزار الفرنسي غير موجودة حتى الآن). للمساعدة على تكوين الصورة الغالبة، أو الاحتمال الأعلى لرد الفعل، ها هي بعض السيناريوهات:
* سيرفض المنتج أو المخرج الذي أعلن عن فوزه قبول النتيجة، ويعتبرها إهانة شخصية له، وقد يرفض النزول عن المسرح.
* سيغادر المنصّة متجهاً لباب الخروج، وقد يلتفت وراءه ويرمي القائمين على الحفل ببعض القذائف النارية.
* لن يسلّم أو يعانق الفائز ويتمنى له مزيداً من النجاح، بل سينظر إليه شذراً: «هل أنت أفضل مني؟».
وللأمانة المطلقة، هناك احتمال واحد أو اثنين في المائة، أن يتصرف بكل روح رياضية فيبارك من فاز بها ويشاركه الفرحة. يعتمد ذلك على حسن نشأته وثقافته ومستوى روحه الرياضية.
الغالب أيضاً أن من يمكن أن يقع له مثل هذا الوضع سينتقل للهجوم على المناسبة الاحتفالية ويصفها بكل نعوت عدم التنظيم، ويصف ما حدث بـ«المسخرة». بل قد يذهب البعض، من صحافيي الوسط الفني، للقول إنه هو «الفائز الحقيقي» أو «الفعلي»، مشككاً بلجنة التحكيم وبإدارة المهرجان ومستواها، وقد يذهب لوصف ما حدث بـ«المؤامرة».
هل ترون الفرق الشاسع بيننا وبينهم؟
خطأ واحد لأول مرة في تاريخ حفل الأوسكار، أي منذ 89 دورة، لم يكن يجب أن يحدث، لكنه حدث. لم تنهر جدران المكان ولا علا صوت المحتجين، ولا هاجم الخاسر الرابح أو المؤسسة صاحبة الحفل، بل تصرّف الجميع بمنطق وبسرعة.
ما إن وقع ما وقع، حتى تسلمتُ رسائل تصف ما حدث بأنه مؤامرة، مكيدة، خطّة لترويج الحفل (في لحظاته الأخيرة؟)… هذا هو تفكير بعضنا على الأقل. يا جماعة المسألة ليست هكذا على الإطلاق.
المسألة هي أن الحياة ثقافة. والمهمّة التي لا بديل عنها هي أن نزوّد أولادنا بها. نجعلهم أقدر على التحكم بالمتوارث من العواطف الجاهزة. ما نراه في الدكاكين والشوارع وفي مصاعد الكهرباء وفي حياة كل يوم عندنا يشي بعكس ذلك. الفرد عندنا يتصرف ولو أن الأولوية حق متوارث. هو نفسه الأول عنوة عن الجميع. حين يقود السيارة وحين لا ينتظر دوره. حين يحكّم ذاته معتبراً الاعتراف بالخطأ نقيصة تصيبه بسوء لو اعترف بها ولو لنفسه. هذه السلوكيات التي تبدو عادية، هي مساوئ لا يمكن الدفاع عنها، ناتجة عن فقدان ثقافة الحياة والتعامل مع الذات ومع الذوات الأخرى بالمنطق.

التعليقات

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
01/03/2017 - 04:34

استاذ محمد رضا
انت تتحدث اليوم فى موضوع حساس للغاية يتعلق بثقافة الاعتذار عن الخطأ , فصحيح اننا نؤمن بان الكمال لله وحده وان الله يغفر الذنوب جميعا الا ان يشرك به ونؤمن كذلك بقول رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه ان كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون , كل هذا صحيح وكلام جميل الا ان هناك من الاخطاء البشرية ماهو من الجسامة بحيث انه لا يغتفر كالفرض الذى افترضته فى صدر المقال ان تسلم جائزة من يستحق لمن لا يستحق , هذا خطأ جسيم لا يغتفر لماذا ؟ لان المفروض اننا فى مهرجان كبير ستوزع فيه جوائز كبيرة فلابد ان يسبر النظام على احسن صورة وان تراعى فيه الدقة المتناهية وتراجع فيه اسماء الفائزين بالجوائز مراجعة دقيقة للغاية ومن ثم فان احتمال وقوع مثل هذا الخطأ المفترض غير وارد على الاطلاق خاصة وان مثل هذا الخطأ قد يشكك فى سلامة النتائج والتلاعب

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
01/03/2017 - 04:53

يتابع
2- فيها او ان اللجنة قد اتخذت قرارا معينا ثم عدلت عن هذا القرار وستثار اقاويل وحكايات وقصص كثيرة بسبب هذا الخطأ , ثم ان ما يستتبع هذا الخطأ هو الاسوأ اذ ان تصحيح هذا الخطأ يستلزم سحب الجائزة ممن سلمت اليه خطأ لتسليمها لمستحقها صاحب الاسم الصحيح ولاشك ان هذا امر فيه اهانة كبرى لمن سلمت له الجائزة خطأ خاصة اذا كان من ضمن الجائزة قلادة او ميدالية وضعت فى عنقه فيتم رفعها منه وسط الحشد الكبير من الحاضرين وضيوف المهرجان مما يشكل بالنسبة له فضيحة بجلاجل , اما وقد انتهى الامر بقيام من سلمت له الجائزة بالخطأ بتسلينها لمن وقع عليه اختيار اللجنة بنفسه وتهنئته على الفوز فهذا التصرف يمثل قمة الروح الرياضية العالية جدا وتطبيقا لمبدأ الاعتراف بالحق فضيلة وحسن ان يحدث هذا فى زمن ضاع فيه الحق واختفت فيه الفضيلة

محمد رُضا
البلد: 
United Kingdom
01/03/2017 - 13:36

نظرياً كلامك صائب. لكن في التطبيق الأمور عدا ما يتبدّى. حسب مجلة معتمدة ومقربة من صنع القرار، شخصان فقط يعرفان من هو الفائز وأحدهما أعطى المغلف الخطأ للمعلِـن عن الجائزة. لدينا 6000 مصوّت ولا أحد منهم، ولا حتى منتجي الحفل أو رؤساء الأكاديمية يعرفون كيف اتجهت هذه الأصوات. ومع أنه من غير المستحب سحب جائزة (لكن ذلك تم وفق وفاق مثالي) إلا أنه من الخطأ الشنيع أيضاً أن يستلمها ما لم يتلقّـى غالبية الأصوات. ومعك، ما شاهدناه على المسرح يمثل قمّـة الروح الرياضية العالية التي أتمنى لو كنا نتحلى بها نحن قبل سوانا.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة