يا ليته لم يتزايد

يا ليته لم يتزايد

الخميس - 27 جمادى الأولى 1438 هـ - 23 فبراير 2017 مـ رقم العدد [13967]

لو كنتُ جنديًا لكنتُ أخْيب جنود الله على الأرض، لأنني لا أريد أن أكون يومًا قاتلاً ولا مقتولاً، وأسوأ هدية تلقيتها في حياتي هي (مسدس) من رجل توسّم بي الألمعية، فأمسكته بيدي المرتجفة وأنا أسأله: أعمل فيه إيه؟! فخطف المسدس من يدي وهو يقول: توكل على الله - أي اخرج من غير مطرود.
التراث الإنساني ممتلئ بالحروب والقتل، من عهد (قابيل وهابيل) حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه الكلمات، وما حصدته الحربان العالميتان في القرن العشرين من أرواح الملايين أفدح شاهد على ما أقول.
غير أن هناك حربًا دارت على البشرية لم يكن فيها سيوف ولا رماح ولا نبال ولا مدافع، وعاثت بالأرض لمدة عامين، وخلاصتها:
إنه في يناير (كانون الثاني) عام 1348 أبحرت ثلاث سفن محملة بالتوابل من الشرق في طريقها إلى ميناء (جنوا) الجميل، وما إن وصلت إلى الشاطئ حتى غادرها كثير من البحارة، وفعل الشيء نفسه عدد من الفئران تسلقت الجبال، واختلطت بفئران المدينة، وبعد بضعة أيام شاهد الناس في الشوارع عددًا كبيرًا من الفئران النافقة، ولم يُثِرْ هذا الحادث اهتمام أحد؛ ففي العصور الوسطى كانت شوارع المدن تعج بالقاذورات، والخنازير تتمرغ في أوحال الشوارع، وتتغذى، مع الفئران، على العفن الذي يُقذف من المنازل في عرض الطريق.
وتفشى وباء (الطاعون)، أو ما يُسمى بالموت الأسود، وتقول المراجع إنه لم يكن في وسع الأطباء احتمال العدوى، مما جعل كثيرين منهم يرفضون علاج الضحايا، إذ كان مجرد الاقتراب من المريض يؤدي إلى الهلاك.
وانتشر الوباء في أوروبا مثلما تشتعل النار بالهشيم، ابتداء من إيطاليا إلى شعوب إسكندنافيا مرورًا بكل شعوب أوروبا التي قضى على (80 %) من سكانها.
ثم انتقل بالسفن والقوافل حتى وصل إلى بغداد ومصر وكل سكان الصحارى، ومنه إلى بلاد فارس والهند والصين، وكانت (الفئران) هي الجنود المجندة، التي عجز الإنسان عن أن يقف في طريقها.
والمعجزة أن ذلك الوباء الذي انتشر فجأة، انحسر كذلك فجأة بعد عامين أسودين، وإلى الآن لم يعرف أحد كيف انحسر، غير أن مشيئة الله قادرة على كل شيء.
وفي القرن التالي دخلت أوروبا في مرحلة من أعظم مراحل التاريخ، وهي (عصر النهضة)؛ كان الجنس البشري قد تلقى أكبر طعنة في تاريخه، وكانت النتيجة أنه توقف ليستعيد قوته، ويدخر حيويته، ثم يقوم بوثبة إلى ارتفاع عظيم.
ومع ذلك لم يحمد الإنسان ربه ويعتبر، بل عاد إلى هوايته (الخالدة) بالحروب، بينه وبين بني جنسه.
والغريب أنه بعد ذلك الوباء، تزايد النسل بين الشعوب إلى ثلاثة أضعاف، ويا ليته لم يتزايد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو