الحجاب والدعاية السياسية لمانويل فالس

الحجاب والدعاية السياسية لمانويل فالس

الأحد - 17 شهر ربيع الثاني 1438 هـ - 15 يناير 2017 مـ رقم العدد [13928]
د. آمال موسى
كاتبة وشاعرة تونسية
التّونسيون مستاؤون من تصريحات رئيس الوزراء السابق مانويل فالس التي جاءت على لسانه في القناة الفرنسية الثانية، إذ قال ما مفاده بأن الحجاب مفروض في تونس مثلما هو الحال في إيران، مضيفًا أن النساء اللاتي فرض عليهن الحجاب يناضلن من أجل نزعه.
وفي الحقيقة، فإن أكثر شيء سلبي في هذه التصريحات هو أنها فاقدة للمنطق وصادرة عن مسؤول في بلد كان من أهم بناة قيم العقلانيّة. إضافة إلى أن النخب السياسية الفرنسية بحكم التاريخ والاستعمار والعلاقات ملمة بأبعاد التجربة التونسية وتفاصيلها ممّا يحصن أي مسؤول من الوقوع في تقويمات تعكس جهله بالسياق التونسي وبأركان مشروعه التحديثي.
ذلك أن الجمع بين إيران وتونس في الموضوع الذي طرحه لا يستقيم بالمرة بلفت النظر عن الموقف؛ فالإشكال في اختلاف السياقين والتجربتين.
كما أن الحديث عن الفرض والإجبار يجانبه الصواب في واقع التجربة التونسية، خصوصًا أن الفرض كما نفهمه يتعلق بسلوك دولة، وهو ما يكذبه الواقع التونسي ويفنده بالحجج والوقائع، إذ الدولة راعية تاريخيًا لملف حرية المرأة منذ بناء الدولة الوطنية وإلى اليوم.
وبالنظر في هذه التشوهات على مستوى المنطق، فإن تصريحات فالس التي تبدو ظاهريًا غير مدروسة وغير مُفكر فيها قد أنتجت صدمة في أوساط النخب التونسيّة. من ذلك أن البرلمانيين عبروا عن احتجاجهم وقاموا بالإمضاء على عريضة تضمنت احتجاجًا ومطالبة بالاعتذار للتونسيات.
المشكلة أن علاقة مانويل فالس تشطب فرضية جهله بالسياق التونسي: فهو رئيس وزراء فرنسا إلى حدود الأيام الأخيرة التي أعلن فيها عن استقالته من أجل التفرغ لحملته الانتخابية الخاصة بالانتخابات الرئاسية التي ستلتئم في شهر مايو (أيار) المقبل.
ولا تنسجم تصريحاته في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أثناء مشاركته في «الندوة الدولية لتونس 2020» مع ما قاله في القناة الفرنسيّة الثانية، إذ كان من المتحمسين لتحويل ديون تونس إلى مشاريع تنموية، كما أشاد قبل خمسة أسابيع وفي المناسبة نفسها بحداثة تونس، وقال إن تونس الحديثة أثبتت أن الإسلام ديمقراطي، وأنها بلد قادر على التقدم وضامن للحريات والثقافة. بل إنه كان مساندًا قويًا لتونس أثناء العمليات الإرهابية التي استهدفتها وأطلق كرد على الهجوم على متحف باردو حملة: «كلنا تونسيون».
إذن المنطق لا يقبل بالمرة بفرضية عدم إلمام فالس بالتجربة التونسية في مجال المرأة، خصوصًا أنه جمع بين متناقضين إسلاميين: تونس دولة مسلمة استطاعت بفضل تراكم تجربة إصلاحية فكرية دينية قائمة على الرؤية المقاصديّة للإسلام أن تكون رائدة في مجال حقوق المرأة وحريتها التي تمكنها من الإسهام الحر والواعي والفاعل في الانخراط في المشروع الاجتماعي التونسي بشكل عام، في حين أن إيران بلد آيديولوجي بامتياز، وملف المرأة عندها لم يفتح إلى حدّ الآن.
لقد جمع فالس بين متناقضين ووضعهما في الاتجاه نفسه، وهو في حدّ ذاته خطأ كان وراء الاستياء التونسي ولم يفهم أحد محلّه من الإعراب السياسي.
ولكن إذا أسقطنا فرضية الجهل بالسياق التونسي، كيف إذن يمكن قراءة تصريحات السيد مانويل فالس؟
عندما نضع في الاعتبار أن فالس سيخوض الانتخابات التمهيدية بعد أقل من عشرة أيام، وأنه استقال من منصب رئاسة الوزراء ليعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرى في مايو المقبل، إضافة إلى أنه من المتحمسين لمشروع حظر الحجاب في فرنسا، فإن التصريحات المشار إليها التي بدت منزوعة المنطق والسياق تصبح إشارات عن مضامين حملته الانتخابية، حيث إنه تعمد الخلط العشوائي لجس النبض وخلط الأوراق.
من ناحية أخرى، فإن كل سياسي عندما يخوض امتحان الانتخابات الرئاسية يكون معنيًا في المقام الأول والأخير بالداخل: أي بالشعب الفرنسي الذي سيصوت له.
بمعنى آخر، فإن مانويل فالس خلع جاكيت رئيس الوزراء ولبس بديلاً له جاكيت مترشح للرئاسة يغازل الأصوات الانتخابية إلى حين لحظة نتائج الانتخابات في مايو المقبل.
ولكن حتى إذا سلمنا بفرضية انخراط تصريحات فالس ضمن البروباغندا السياسية لحملته الانتخابية، فإننا لا نعتقد أنها بالتصريحات المساعدة له، باعتبار أنها تتقاطع نسبيًا مع خطاب اليمين المتطرف، الذي لا يميز بين البلدان الإسلامية، ويتعاطى معها كجمع في صيغة المفرد. إضافة إلى أنّها تصريحات تُسقط من اعتبارها الجالية المسلمة في فرنسا التي تقدر بقرابة خمسة ملايين أو أكثر.
من ناحية ثانية، فإن التوقف عند هذه المواضيع بالذات فيه انحراف عن المشكلات الرئيسية ذات الصلة - بالأساس - بالتنظيمات التكفيرية الإرهابية، لا سيما أن الإرهاب أصبح عدو الجميع، وفي المقام الأول العالم الغربي.
لقد دشن مانويل فالس حملته الانتخابية بالمغالطات، والحال أن اعتماد خطاب واضح وجريء ومنطقي ضد حاملي لواء ثقافة القتل والإقصاء والماضوية المميتة هو الأسلم، وهو ما سيدير له الأعناق في الداخل والخارج. ولا نعتقد أن توظيف مسألة الحجاب ستكون لصالحه ولصالح الإشكاليات الدولية العالقة اليوم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة