ما بعد حلب: الحلول التجميلية استمرار للحرب

ما بعد حلب: الحلول التجميلية استمرار للحرب

الأحد - 26 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 25 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13907]
حنا صالح
كاتب لبناني

بانتهاء معركة حلب انتهت حقبة مفصلية من تاريخ الثورة السورية. هناك هزيمة وهناك انتصار. وكل هذا القتل للمدنيين، ودمار الحواضر والدساكر، واقتلاع أهل المدن والبلدات بعدما تحولت إلى خراب... كل ذلك، معطوفًا على انفجار البركان المذهبي ورمي أجيال بفم التطرف، يهدد حتمًا بانفلات إرهاب جديد قد يكون الأكثر بشاعة من كل ما خبرناه وسمعنا عنه، ما يفسر الاندفاعة الروسية لبدء العملية السياسية.
ولأن الدور الروسي في الانتصار هو الطاغي، سارعت موسكو التي تفادت المستنقع السوري وتحاذر استمرار الحرب، إلى خطوات عملية لتأكيد أن أوان التسوية السياسية قد حان. وأعطى اجتماع موسكو الذي جمع روسيا مع تركيا وإيران، وهي الأطراف الفاعلة على الأرض السورية، إشارة قوية للانطلاق. البقية معروفة، فقد تحدثت موسكو عن خريطة طريق، أيدتها أنقرة وطهران، واستعادت بعض أبرز الإيجابيات التي شددت عليها المؤتمرات السابقة، من جنيف إلى فيينا، مثل التشديد على وحدة الأراضي السورية، التي وزعتها الحرب مناطق نفوذ، والدعوة لدولة تعددية علمانية، أي أن الدول الثلاث تدعو لنقيض نُظمها السياسية (...) وحددت الأسبوع الثاني من يناير (كانون الثاني) موعدًا لاجتماع آستانة في كازاخستان، معتبرة أنه بمثابة متابعة لـ«جنيف».
ربما تستطيع الأطراف الثلاثة، بما لها من نفوذ واقعي في الميدان، تقرير «حل ما»، لكن التحدي هو هل سيكون قابلاً للحياة، أيًا كان حجم القهر وحصار التجويع والقتل؟ ولأن موسكو مدركة أن حجم المصالح التي تسعى لتحقيقها، تتطلب حياكة خريطة من مسارين؛ عسكري وسياسي، تُهيئ الإطار للصفقة الكبرى مع واشنطن، ولا تسقط أدوار الأطراف الإقليمية ولا الأوروبية، فضلاً عن الداخلية، بدأت العمل باتجاهين: الأول حشد الأطراف السورية المشاركة، والثاني السعي لتوسيع الحضور الإقليمي والدولي والأممي.
قبل أشهر كثيرة على بدء معركة حلب، نشطت موسكو في إقامة «مروحة» من الاتصالات، شملت كثيرًا من المعارضين، وبعضهم قادة سابقون للمجلس الوطني والائتلاف، وكثيرًا من الضباط في الجيش الحر. ومنذ فترة تتم بمساهمة تركية، مفاوضات عسكرية في أنقرة بين الضباط الروس وقياديين في فصائل عسكرية، شملت لأول مرة مسؤولين من «أحرار الشام»، ما يؤشر إلى أن المشاركة في مفاوضات آستانة، ستكون واسعة، أخذًا في الاعتبار تفكك المعارضة السياسية، وإقرار الفصائل - على اختلافها - عدم قدرتها على تغيير المشهد السوري. ومع إضافة ممثلي النظام وكل فريقه، قد توجد شرائح اجتماعية، تعبّر نسبيا عن تنوع المجتمع السوري وتعدده. لكن إذا ما تأكد أن الهيئة العليا للمفاوضات لن تشارك، سواء بقرار منها أو من الداعين، فالنقص في التمثيل سيكون نوعيًا، ويحمل رسالة إقليمية سلبية للمؤتمر.
الرئيس بوتين الذي كان قد كشف النقاب من اليابان، عن أن كل ما جرى في حلب، تم وفق التفاهم الروسي التركي، الذي أُبرم في قمة بطرسبورغ في التاسع من أغسطس (آب) الماضي، وأنه آن الأوان لبدء العملية السياسية، عاد يوم الجمعة الماضي (23 الجاري)، ليعلن أن أولوية المفاوضات «اتفاقية وقف إطلاق النار على كامل الأراضي السورية»، بعد ذلك مباشرة «تبدأ مفاوضات حول التسوية السياسية». لفت قوله إلى استعداد روسيا لتطوير الصيغة الثلاثية، بحيث يتم «ضمان مشاركة الأردن والسعودية ومصر في المحادثات»، مضيفًا أنه لا يجوز «تسوية مثل هذه المسائل من دون دور للولايات المتحدة».
من الواضح أن موسكو التي بدت، وقت كانت أوروبا تحت وطأة تسونامي اللجوء، وكأن تدخلها العسكري مُجاز من أميركا والغرب، وقدمت نفسها كقوة كبرى ضد الإرهاب، وإن لم تواجه «داعش» إلا جزئيًا، تسعى اليوم لإقناع الجميع، بجدوى مفاوضات آستانة، وأنها لن تألو جهدًا في مسعاها لتحضير الأرضية لاتفاق سياسي كبير. لكن التحديات والعقبات كبيرة، فإذا كانت المعارضة لم تدرك جيدًا بعد دروس حلب، ولم تجر المراجعة الضرورية، فإنه من المبكر القول إن أطراف اجتماع موسكو يملكون تصورًا واحدًا لما بعد معركة حلب.
ثابت أن المنحى الجديد يكرس نفوذًا متفاوتًا لأطراف اجتماع موسكو، لكن روسيا المنتصر الرئيسي، التي منحها وجودها ودورها في سوريا، المدى الكبير لتمددها العسكري والسياسي وزاد من تأثيرها الإقليمي والدولي، تعرف أن التلاعب بالتسوية السياسية، هو أشبه بوصفة لحرب مفتوحة، ربما تخدم رغبات لم تعد مضمرة لدى طهران، لكنها تُورط موسكو وتُغرقها.
الخيارات الحقيقية محصورة، فالتسوية، وهي الممر الحقيقي لوقف الحرب، تفترض البدء ببلورة حجم التغيير في النظام السياسي، والملامح الحقيقية للفترة الانتقالية، وكيفية توزع السلطة وأولها الأمنية. وكل المحاولات التجميلية التي يراد منها تغطية بقاء الأسد لما بعد الفترة الانتقالية، يعني تجاهلاً متعمدًا للبحث بحلول سياسية حقيقية للأزمة التي قادت للانتفاضة والثورة. وسيعني ذلك تحفظ الدول القادرة عن المساعدة المتنوعة، لوضع سوريا على طريق استعادة الروح والدور والمكانة، أي على وجه التحديد أميركا وأوروبا والسعودية ومعها دول الخليج، وكرة النار الآن في مرمى روسيا دون سواها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو