بعد كل حادث إرهابي

بعد كل حادث إرهابي

الأحد - 26 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 25 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13907]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

نغضّ أعيننا، بعد كل حادث إرهابي، ونحن نلقي تحية الصباح على جيراننا حين نلتقيهم في مصعد العمارة، أو حين نواجه بائعة الخبز في الحي. نحن، خلق الله العاديين، الذين لم تلمس أصابعهم سلاحًا ولا ارتكبوا جريمة. نغضّ الطرف ونحزن ونشعر بالذنب لأننا من الملايين الكثيرة المهاجرة التي تحمل تسمية «عرب أوروبا». نصبح، مرّة جديدة، هدفًا للنظرات المستريبة، سواء أكانت حقيقية أم من وهم تصوراتنا. وقد حدث هذا عشرات المرّات؛ منها حين دهس شاب من عندنا عشرات المحتفلين بالعيد الوطني الفرنسي في مدينة نيس، وحين فتح مَن ينتمون إلى أمّتنا النار في مسرح ومقاهٍ في باريس، وأزهقوا أكثر من مائة روح. وآخرها واقعة دهس متسوقي هدايا أعياد الميلاد في قلب برلين.
بعد كل حادث، تطحن وسائل الإعلام وتعجن وتفرد وتضيف التوابل وتكرر كلمتي «الإسلام» و«الإرهاب» على مدار الساعة، في كل نشرات الأخبار، حتى رسخ في وعي المستمع أنهما متلازمتان. أنت مسلم أو عربي، إذن أنت مشبوه. ولا ينفع أن تكون أبيض أشقر. إن لكنتك تفضحك. ومكان ولادتك ملتصق بك. واسمك يدلّ عليك، وعلى أولادك وبناتك. الكل في دائرة الشكّ. وما عادت تجوز السخرية من أولئك الذين يتخلون عن أسمائهم العربية، حين يحصلون على جنسية فرنسية. صرنا نفهم كيف تخلع «صافية» الاسم المسجل في شهادة ميلادها وتصبح «صوفي». وكيف يقبل «علي» بأن يُنادى «ألان». إنهم معذورون. فقد خففوا عن أبنائهم حرج نظرات الاستفهام ونقمة الاستبعاد من الوظائف التي هم بها أجدر.
بعد كل حادث إرهابي يصبح الهواء ثقيلاً في الشارع، وفي وسائط النقل، والمجمعات التجارية، والمطارات، والنوادي الرياضية. ويعود الأولاد والبنات العرب والأتراك والباكستانيون من المدارس والجامعات، وفي أعينهم سؤال حائر: ما ذنبنا نحن؟ ذنبهم أنهم سمر البشرة سود العيون. وحين يكون الإرهابي مُلاحقًا من كل الأجهزة في أوروبا، فإن الكل يتفحصهم ويدقق في سحناتهم، يستوقفهم ويطلب هوياتهم، لعل وعسى. لكن يبقى الخطر الأكبر في الغضب الذي يتراكم في الصدور ويعمي بصائر الضعفاء والجهلة منهم. كيف ترد على ابنك حين يقول لك إن الغرب فتح بوابات الجحيم على نفسه يوم أشعل الشرارة في بلداننا وتركها تحترق؟
بعد كل حادث إرهابي يقف عدد من أئمة المسلمين في أوروبا لكي يتبرأوا ممن يقتل النفس التي حرّم الله قتلها ظلمًا، ولكي يكرروا أن العقيدة سمحة تجنح للسلم، وأن لا فرق بين البشر إلا بالتقوى. نيات طيبة ما عادت تخفف من وطأة التفجيرات والعمليات الإرهابية. وأين؟ في البلدان التي فتحت أبوابها للمهاجرين ومنحتهم السقف والتعليم والعلاج، ويسّرت لهم العيش الآمن أفضل من ذاك الذي عانوا منه في أوطانهم وبين أهلهم.
بعد كل حادث إرهابي تخفت أصوات السياسيين المعتدلين في روما وباريس ولندن وبرلين وفيينا وبروكسل ومدريد وغيرها، ويعلو زعيق زعماء أقصى اليمين. إنهم ما عادوا يتحرجون من تطرفهم. وهم يطالبون، علنًا، بطرد اللاجئين وحرمانهم من الامتيازات الاجتماعية والضمان الصحي وإغلاق الحدود أمام المسلمين تحديدًا. لا أحد يطالب بطرد الصينيين البوذيين أو التاميل الهندوس. ولا أحد يضيق بالموجات الآتية من شرق أوروبا، وبينها عصابات ومافيات حوّلت فرنسا إلى مسرح مفتوح للسرقات وعمليات السطو المسلّح.
بعد كل حادث إرهابي تتجه أصابع الاتهام إلى أبناء جلدتنا، قبل أي تحقيق، حتى لو كان التفجير بفعل تماسّ كهربائي أو عبوة غاز. وتحتدم مشاعر الإشفاق والأسى في الصدور حين تقف والدة المشتبه به وأبوه وأشقاؤه أمام الكاميرات ليؤكدوا أنه لم يكن متطرفًا، والدليل أنه يراقص الفتيات ويشرب الخمر. وبعد كل حادث إرهابي نشعر بالقهر وبالحزن، نحن جموع عرب أوروبا الذين لم نؤذِ نملة، ونعمل جاهدين في كل أنواع المهن، الرفيعة والوضيعة، لكي نعيش ونكسب لقمتنا بعرق الجبين ولا نموت ويموت جيراننا بالحقد الأعمى لمرضى نفسيين صاروا واجهة لأمتنا.
بعد كل حادث إرهابي، نعيش قلق انتظار حادث جديد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو