الذين يتربصون بالناس

الذين يتربصون بالناس

الثلاثاء - 21 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 20 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13902]

جاء في كتاب (الطبقات السنيّة في تراجم الحنفية): كان لـ(أبي حنيفة) جار بالكوفة إسكافي، يعمل طوال نهاره، حتى إذا أضواه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل معه لحمًا فطبخه، أو سمكة فشواها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب فيه الشراب غنى: أضاعوني وأي فتى أضاعوا/ليوم كريهة وسداد ثغر
فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت، حتى يأخذه النوم.
وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله، ويتضرر من غناء جاره، وفي إحدى الليالي فقد صوت الإسكافي، فسأل عنه فقيل له: لقد أخذه (العسس) وهو مسجون.
فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وركب بغلته واستأذن للدخول على الأمير.
فقال الأمير للحراس: ائذنوا له، واقبلوا به راكبًا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعلوا، وأوسع له الأمير في مجلسه، وسأله: ما حاجتك؟!
قال: لي جار إسكافي، أخذه العسس، هل يأمر الأمير بتخليته؟! قال: نعم. وأمر بتخليته.
فركب أبو حنيفة والإسكافي يمشي وراءه، فلما نزل التفت إليه وقال: يا فتى هل أضعناك؟! قال: لا، بل حفظت ورعيت، جزاك الله خيرًا عن حرمة الجار. ولم يعد بعدها إلى ما كان عليه - انتهى.
واليوم ما أكثر الجيران (وغير الجيران) الذين يتربصون بالناس، ويفرحون إذا مصيبة حلت بهم، ولنا في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (قدوة وسابقة)، فقد روى الشيخ (صالح المغامسي) إمام مسجد قباء في المدينة المنورة هذه الحادثة، وقال: إن أمير المؤمنين عمر، رضي الله عنه وأرضاه، مر بحائط للأنصار أي (بستان) وفيه شباب يشربون الخمر فتسلق السور ودخل عليهم فقالوا: يا أمير المؤمنين جئنا بواحدة (شرب الخمر) وأنت جئت بثلاث؛ تجسست والله نهى عن ذلك، وتسورت والله قد نهى عن ذلك، ولم تستأذن والله قد نهى عن ذلك، فعاد وهو يعلم خطأهم، لكن أكبر حجتهم لأنهم قارعوه بالقرآن.
وختم الشيخ كلامه بهذه الأبيات التي قالها الشاعر حافظ إبراهيم:
وفتية ولعوا بالراح فانتبذوا / لهم مكانًا وجدّوا في تعاطيها
ظهرت حائطهم لمّا علمت بهم / والليل معتكر الأرجاء ساجيها
قالوا مكانك قد جئنا بواحدة / وجئتنا بثلاث لا تباليها
فأتِ البيوت من الأبواب يا عمر/ فقد يزّن من الحيطان آتيها
ولا تجسس فهذي الآي قد نزلت / بالنهي عنهُ فلم تذكر نواهيها
فعدت عنهم وقد أكبرت حجّتهم / لما رأيت كتاب الله يُمليها
وما أنفت وإن كانوا على حرج/من أن يحُجك بالآيات عاصيها
ليس معنى ذلك أن يترك (الحبل على الغارب)، فردع السكارى والعابثين واجب على المجتمع كله، وليس على رجال الهيئة فقط.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو