المنظّر الدموي المغمور

المنظّر الدموي المغمور

الخميس - 16 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 15 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13897]

في عام 2015، أصدر تنظيم داعش فيديو تدريبيًا واحدًا من سلسلة بعنوان «دماء الجهاد». لولا مشهد قصير لفصل تدريسي يأخذ فيه المدرّس المشاهدين في جولة تعريفية على المنهج العقائدي الذي تتم تعبئة مجنّدي التنظيم الجدد به، لكان المقطع غير لافت بتاتًا بمشاهده المكثفة من التدريبات البدنية والرماية وحركات الكاراتيه. بينما هو يستعرض في سردٍ سريع بعضًا من أهم مواضيع «فقه الجهاد» التي يتم تدريسها، يمكن رؤية مجلد سميك فوق أحد مكاتب الفصل الدراسي الذي يتسع لقرابة عشرين طالبًا. على الرغم من أن قلة من خارج الدوائر «المتطرفة» ستتعرّف على هذا المصنّف، فإنه يعد أهم مرجعيّة فقهيّة لـ«داعش» ومنظّريه، يحدّد لهم قواعد اللعبة، ويعودون إليه لتبرير أكثر أفعالهم وحشيّة وقسوة.
إن الغموض والإثارة تحيطان بحياة المهاجر، الرجل الذي لديه رصيد ثري من المحاضرات الصوتيّة (يمكن الاستماع لها على مدى أيام). المؤكد والذي لا شك فيه على كل حال أن هذا «القاعدي» القديم من جيل «الجهاد» الأفغاني، مصري الجنسية، كان له تأثير كبير على تطوّر الفكر المتشدّد خلال الأربعة عقود الماضية. من الصعب حقًا المبالغة في التأكيد على أهميته في هذا السياق، فمن دون تأثيره الفكري يصعب تصوّر وصول تنظيمي داعش أو القاعدة إلى حيث هما اليوم.
لفهم حقيقة أهمية وتأثير المهاجر، يجب العودة إلى بدايات ما اصطلح على تسميته بـ«الحركة الجهادية العالمية» في أفغانستان ثمانينات القرن الماضي. هناك، في أحضان تلك البيئة مختلطًا مع أمثال أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، تشكّل تطرّف وتشدّد المهاجر محاربًا معهم تارة، وبحسب شهادة مصطفى حامد استراتيجي نظام «طالبان»، حاشدًا ضدّهم تارةً أخرى. في قمة تشدّده آنذاك، كان المهاجر يرى «طالبان» متساهلة ومفرّطة، لدرجة أنه في إحدى المرات رفض السماح لابن لادن بالدخول للمعسكر التدريبي الذي كان يديره في «خلدن».
على الرغم من نزعته التمرّدية في البدايات، فإن المهاجر في النهاية خفّف من تشدّد مواقفه ليعود إلى أحضان «القاعدة» ورضاه، ويصبح أحد أهم وأبرز قياداته العلمية. خلال ذلك الوقت - نحو عام 2000 - كان اجتماعه الجوهري الأول مع أبو مصعب الزرقاوي، الرجل الذي يظل حتى اليوم أهم شخص في تاريخ «داعش» المادّي.
من الواضح أن المهاجر ترك انطباعًا قويًا لدى الزرقاوي. ففي بيان أصدره عام 2005 على سبيل المثال، استخدم الزرقاوي أعمال المهاجر وأحال إليها لشرعنة الاستهداف العشوائي للمدنيين المسلمين في العراق. الإعجاب لم يتوقف عند هذا الحد، فبحسب ميسرة الغريب، أحد رفقاء قائد «القاعدة» في العراق، فإن الزرقاوي كان يود لو أن المهاجر يأتي إليهم ليتولى مسؤولية الهيئة الشرعية التي شكلها حديثًا هناك، وشدد على جعل أهم كتابين له من النصوص الأساسية للتدريس في معسكرات تدريب «القاعدة» في العراق (أحدهما - فقه الدماء - هو نفس الكتاب الذي أشرنا إليه في مقدمة هذه المقالة).
بالنسبة لـ«القاعدة» في العراق، فإن أعمال المهاجر كانت تمثل الإطار النظري خلف تطبيقها العملي. ومن الممكن النظر إلى المهاجر على أنه العقل الآيديولوجي خلف وحشيّة الزرقاوي وعنفه المتطرّف، ومهما حصل، فإن مساهمته الفكرية في هذا التيار ستبقى وتعيش طويلاً بعد موته.
مؤلَّف المهاجر الذي يناهز 600 صفحة، وتتعدد موضوعاته بين تأملات حول أفضلية قطع الرؤوس، والتعذيب أو التغريق للأسرى، إلى تنظير حول مشروعية الاغتيالات واستخدام الأسلحة البيولوجية، سيظل بكل تأكيد أحد أهم عناصر ومكوّنات المنظومة الفكرية والعقائدية لـ«داعش» - وأيًا كان ما سيأتي بعدها - كطريقة يمكن من خلالها جعل كل فعل تقريبًا مباحًا في حال أمكن تفسيره أو تخريجه على أنه في مصلحة «الجهاد»، حسب تفسيرهم السقيم له.
يمكن رؤية ذلك على سبيل المثال في سياق مساهمة المهاجر فيما يتعلق بالعمليات الانتحارية، التي ميّزت وصبغت عنف جماعات «السلفية - الجهادية» لأكثر من عقد الآن. بحسب المهاجر، فإن الانتحار لقتل الآخر الكافر أو المرتد لا يعد جائزًا شرعًا فقط، ولكنه جدير بالثناء والاحتفاء أيضًا، بغض النظر عن نتيجته.
لم يكن المهاجر أول من رأى مشروعية هذه العمليات من داخل تيار العنف والتطرف، فهناك آخرون ذهبوا للرأي نفسه، أشهرهم المعلّم السابق للزرقاوي - أبو محمد المقدسي. الفرق أنه بينما أبدى الآخرون توجّسًا من فتح الباب على مصراعيه أمام هذه العمليات، ألقى المهاجر بأغلب الشروط والقيود في مهب الريح. كان تنظير المهاجر مقنعًا للزرقاوي، الذي - بحسب شهادته عن نفسه - لم يكن يرى شرعية هذه العمليات، لدرجة أنه استشهد به كالسبب الوحيد خلف تبنّيه الكامل لهذا التكتيك المثير للجدل في عقد الـ2000. بمقتطف من حديث الزرقاوي هذا، الذي كتبه ردًا على اتهامات معلمه السابق المقدسي، افتتح «داعش» طبعته الخاصة من كتاب «فقه الجهاد»: «ثم عندما خرجنا من السجن، وذهبت إلى أفغانستان مرة أخرى، التقيت بالشيخ أبي عبد الله المهاجر، وجرى حديث بيننا في حكم العمليات (الاستشهادية)، وكان الشيخ يذهب إلى جوازها، وقرأت له بحثًا نفيسًا في هذه المسألة، وسمعت له أشرطة مسجلة في ذلك، فشرح الله صدري لما ذهب إليه، ولم أتبنَ جوازها فقط، بل بتُّ أرى استحبابها».
منذ ذلك التحوّل الآيديولوجي الواضح، لم يلتفت الزرقاوي ولا ورثته إلى الخلف، واستمرّوا في التوسّع بالاعتماد على أعمال المهاجر لتطبيع استخدام العمليات الانتحارية، لدرجة أنها أصبحت اليوم أهم وسيلة عسكرية - دفاعية أو هجومية - يستخدمها تنظيم داعش.
إن الطريقة التي نظّر بها المهاجر بسيطة - فقد قدّم مخرجًا «شرعيًا» يمكّن كل راغب من الالتفاف حول النص القرآني الواضح المحرّم لقتل النفس. إن موقفه يتمحور في صلبه حول «النيّة والقصد» خلف الهجوم. فالانتحار بنيّة إنهاء المعاناة والآلام، حسب قوله، لا يجوز، لأنه يفترض عدم الرضا واليأس من رحمة الله. أما إذا كانت النيّة «لإعلاء ونصرة» الدين، فإن نفس الفعل يصبح جائزًا ومشرّفًا.
هناك فقهاء أيضًا ذهبوا لما ذهب إليه المهاجر بخصوص مشروعية هذا النوع من العمليات (ما دامت النية صحيحة، وأن يكون اللجوء إليها كحل أخير في حالة حرب قائمة، وأن تكون المنفعة أو الفائدة منها على المسلمين جليلة وعظيمة). ولكن إضافة المهاجر تمثّلت في خفضه سقف ما يمكن اعتباره «منفعة». بالنسبة إليه، لا يلزم أن تكون النتائج مغيّرة لميزان الحرب لصالح المسلمين لجواز هذا النوع من الهجمات، فيكفي أن يرغب المهاجم في الموت للسبب «الصحيح». من السهل رؤية كيف يمكن لهذه المرونة التامة أن تخدم وتعمل في صالح التنظيمات المتطرفة مثل «داعش» و«القاعدة».
على أي حال، لا يمكن التأكيد بما فيه الكفاية على أهمية المهاجر ومساهمته الفكرية والآيديولوجية للتيار المنتمي إليه، التي ستستمر بلا شك في تشكيل مسار جماعات العنف لسنوات مقبلة.
أخيرًا، يجدر التنويه بأن غارة أميركية استهدفت في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أبو عبد الله المهاجر في إدلب سوريا، مما أدى إلى مقتله. على الرغم من التطابق في الكنية والجنسية (كلاهما مصري) والتاريخ «الجهادي» (كلاهما سبق له «الجهاد» في أفغانستان في الثمانينات)، فإن المترجح لدينا أنهما شخصان مختلفان، مما يعني أن المهاجر المعني بهذه المقالة لا يزال حرًا على قيد الحياة.
ملحوظة: نشر هذا المقال للمرة الأولى باللغة الإنجليزية في مجلة «The Atlantic» في 4 ديسمبر (كانون الأول) 2016.


* د. عبد الله بن خالد بن سعود الكبير: زميل باحث زائر بالمركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي - جامعة كينغز كوليدج لندن. أستاذ مساعد بكلية العلوم الاستراتيجية بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية.
تشارلي وينتر: زميل باحث بالمركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي - جامعة كينغز كوليدج لندن.
ملحوظة: نشر هذا المقال للمرة الأولى باللغة الإنجليزية في مجلة The Atlantic قبل أيام.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو