«انتصار» الديكتاتور... كي لا يترسخ

«انتصار» الديكتاتور... كي لا يترسخ

الأربعاء - 15 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 14 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13896]
حنا صالح
كاتب لبناني

الحرب على شرق حلب، وقد دخلت مراحلها الأخيرة، قد لا تكون النهاية للحرب في سوريا. فكل التطورات الميدانية، التي تشي باكتمال «سوريا المفيدة»، لن تحجب عمق الأزمة السابقة للحرب، التي تعمقت وأضحت أكثر خطورة، بسبب الحرب وويلاتها بالذات. وما من مبالغة بالقول إن الذين ذاقوا الويلات قتلاً واقتلاعًا، وملأوا المنافي، هم اليوم قنابل موقوتة.
صحيح أن الاجتماع السوري قبل مارس (آذار) 2011 كان على الأعم في حالة استسلام للاستبداد، وكانت سوريا عمومًا «مملكة الصمت» على حد التوصيف الذي أطلقه رياض الترك. لكن انفجار البركان السوري، وضع كل إرث الاستبداد على حافة الانهيار، فما كان من الحاكم على قصر المهاجرين والبطانة المحيطة به، إلاّ الذهاب إلى «الحل الأمني».. ودفعه فشل نهجه، لاستقدام كلِّ صنوف الميليشيات الطائفية التابعة للحرس الثوري، لسحق شعبه وتدمير سوريا، بوهم ترسيخ الاستبداد ولو على جماجم مئات الآلاف، وكان الفشل والخزي بانتظارهم، فجرى فتح الأبواب أمام روسيا، والبقية معروفة بعد التدخل الروسي الذي ترافق مع إنجاز موسكو تفاهمات إقليمية شملت إسرائيل والأردن وتركيا والأكراد داخليًا.
الحاكم السوري المبتهج بالدمار المخيف في حلب، وبالتغيير في الديموغرافيا عبر عمليات توطين جارية على قدم وساق، مع تواصل عمليات اقتلاع الناس، من داريا وكل الغوطتين إلى حمص واليوم حلب، رأى «تحسنًا وانسجامًا بالتركيبة السكانية».. مما يعني أنه يربط ديمومة حكمه بهذه الصورة التي تنهض على تشريد ملايين من الأكثرية السنية، ويقوم المخطط الحالي بتنفيذه على الحيلولة دون عودتهم مستقبلاً. لكن مهلاً، كلما تقدم هذا المنحى، على الديكتاتور أن يخاف ويخشى، لأنه رهينة توازن جديد وصفقة آتية ولا ريب.
اليوم لا جدال في أن المعارضة السورية، ائتلافًا ومنصات وفصائل مسلحة... إلخ، فاتتها رؤية إبعاد التدخل الروسي وراهنت على غرقه في المستنقع السوري، لذلك لم تقيّم كما ينبغي، كثيرًا من المقترحات الروسية، مما فوت عليها التقاط كثير من الفرص التي كان يمكن بها، دون الجزم، توفير كثير من الدماء والدمار. هذه المعارضة لم تسعَ، وربما لم تحاول (بشهادة ميشيل كيلو وآخرين من رموزها)، إعادة النظر في خطابها وفي توجهاتها، بل استمرت تطلق مواقف خشبية منفصلة عن الواقع المتغير، كما أنها لم تبذل الجهد الكافي لتوحيد صفوف الفصائل المسلحة والمقاتلين، بل استمر جزء رئيسي منها، في تغطية موبقات بعض المتطرفين، معتبرة، عبثًا، أن كل بندقية مرفوعة تدعم مشروعها المواجه للديكتاتورية، فيما هذه الجماعات تحركت وفق أجندات خاصة سرعت العسكرة وخطفت الثورة وشرذمتها. لذا كان طبيعيًا ألاّ ترى المنحى النوعي للوضع في شرق حلب، بعد التفاهمات الروسية التركية في أغسطس (آب) الماضي، عندما باتت حلب بحكم الساقطة عسكريًا.
بمعزل الآن عن مواجهات ما زالت تدور في أحياء قليلة، فإن مرحلة ما بعد حلب قد بدأت وهي تحمل أبعادًا مختلفة. فموسكو وفي خطوة لها بُعد استراتيجي، نقلت من الشيشان إلى مسرح العمليات في سوريا وحدات برية، وتحاصر إدلب بالنار من الجو، وعينها على دور في استعادة الرقة من «داعش»، قد تنظر إلى معركة حلب بوصفها المحطة الأكبر في تدخلها العسكري تُتيح لها الذهاب إلى حل سياسي، ومجمل المتابعين يتفقون على أن القيادة الروسية وبعد التجربة، لم تظهر أي وهم برهانٍ على الحل العسكري. يقابل ذلك، أن طهران التي تدفع في العراق بـ«الحشد» باتجاه تلعفر، كجزء من مخططها الهادف إلى وصل شمال العراق بحلب، مما قد يكرس وقائع معقدة. طهران هذه التي لم تتستر على طموحاتها التوسعية، ربما ستضغط انطلاقًا من معركة حلب لتجنب الحل السياسي. وبأي حال ما من أرض اتسعت لاحتلالين.
في اجتماع أصدقاء سوريا، ولو من باب غسل الأيدي، نصح الوزير كيري هيئة التفاوض بالذهاب إلى جنيف والنضال هناك. والنصيحة تتزامن مع وجود أكثرية دولية ضاغطة لإطلاق المفاوضات مجددًا، وتلتقي مع رغبات روسية كامنة ببدء جني ثمار تدخلها الإجرامي الذي غيّر مجرى الأحداث، وهذا الأمر معبره الإلزامي رسْم إطار لتوافق مع واشنطن كما مع الأوروبيين ودون استثناء دول الخليج منه، ويشمل صفقة إقليمية ودولية، تبدأ من سوريا ولا بد أن تضمن الثمن الذي تريده الإدارة الأميركية الجديدة الرافعة شعار استعادة عظمة أميركا.
المسار الآتي طويل ومتعرج، والمعارضة السورية مطالبة الآن بخطاب مطمئن لكل المكونات السورية، وتسريع استعادة وحدتها وإثبات حجمها التمثيلي، وضرورة أخذها لكل المستجدات بالاعتبار. الوقائع تجاوزت «جنيف واحد» وكثيرًا من القرارات الدولية، وكذلك «الهيئة الانتقالية»، لا بل إن الجهات المؤثرة أقرب إلى تقبل بقاء الأسد في السلطة لفترة ستكون خاضعة لكثير من التجاذبات، والثمن أو النجاح الممكن، هو وقف شامل للنار، إذا تحقق، سيكون منطلقًا لوقف الاقتلاع والتهجير والبحث بعودة النازحين واستعادة الناس بعض الأمل، مما سوف يعكس أوزانًا جديدة داخل سوريا ويحاصر مخطط التوطين، وإلا يكون «انتصار» الديكتاتور مفتوح الأفق، على حرب مديدة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو