العنصرية.. التهمة والبراءة

العنصرية.. التهمة والبراءة

الأحد - 20 جمادى الآخرة 1435 هـ - 20 أبريل 2014 مـ رقم العدد [12927]

خلال الصراعات التي يعيشها العالم العربي والإسلامي اليوم في أساسها المذهبي، بإمكانك التوجه إلى أي مكتبة عربية وتفحص رفوف أمهات الكتب. ستذهل مما حشت حواشيها من أدبيات تعزز التمسك بانتماء محدد ورفض الآخر المناهض المناقض جملة وتفصيلا.
الشيعة يجادلونك بما ورد في كتبهم التي يرون أن الباطل لا يأتيها. يستشهدون بفقهاء المذهب الأوائل الذين خططوا للوصول إلى هذه المرحلة التي نعيشها اليوم من محاولة الهيمنة على العقيدة الدينية. والسنة لديهم مرجعيات ومرويات تدحض مزاعم الشيعة وتبين انحراف مذهبهم. والحقيقة أنه لا ضير من هذا الاختلاف لو ظل في بطون الكتب، ولم ينسحب على رقاب الأبرياء، عملا بالآية الكريمة «لكم دينكم ولي دين»، إنما من غير المقبول أن تغذى الصراعات المعاصرة على خلاف تاريخي، ديني في مظهره، سياسي في حقيقته، متجاهلين أول دستور مدني في التاريخ وضع بنوده الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وهو ما عرف بـ«صحيفة المدينة»، كمنهج للتعايش بين الفرقاء.
القتل على الهوية، الدينية أو المذهبية أو العرقية، سلوك إنساني موغل في القدم، والتاريخ مليء بأخبار هؤلاء الذين جن جنونهم لتعصبهم لانتماءاتهم الشخصية التي أخذت وضع المعتقد المقدس، وجمعوا الناس حوله حتى تشربوه، فأوهموهم بأنه ولا غيره هو ما يحدد مصائرهم.
الحروب المذهبية التي مزقت أوروبا في القرن السابع عشر كانت تبدو دينية في بداياتها بين البروتستانت والكاثوليك، ولأن الدين هو العقيدة الأقوى أثرا في وجدان الإنسان والأجدر في خلق الترابط بين عامة الناس، كان هو جسر عبور الساسة لمزيد من الهيمنة على الأرض وحفظ المكتسبات، وضمانة لتوسع طموحاتهم في أرجاء القارة. مذابح مريعة ودمار وتشريد لملايين الناس، إرضاء للأباطرة والملوك، وتصفيق من رجال الدين المرتزقة الذين يشرعنون القتل على المذهب، ويصفونه بأنه معارك الرب المقدسة.
وبخلاف تركيا التي لا تزال حتى اليوم تنكر حصول مذابح الأرمن، فإن الأوروبيين يخجلون من تاريخهم الدموي، لكنهم لا ينكرونه ولا يبررونه، ينظرون إليه كالنار التي أذهبت خبث الحديد وجعلتهم اليوم ينعمون في دولهم المدنية التي قامت على العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الجميع بلا استثناء، بعد أن هذبهم القانون وشذب أشواك نفوسهم. لديهم موقف أخلاقي واضح: هي حقبة سوداء ستظل بين أعينهم درسا على ما يمكن أن يكون حالهم إن تخلوا عن مبادئ العقد الاجتماعي.
ما الذي تبقى من هذا الصراع بعد مرور 4 قرون؟ تقريبا لا شيء، سوى مناوشات بين شباب كاثوليكي وآخر بروتستانتي في أزقة بلفاست في آيرلندا الشمالية.
البروتستانت الذين عرف مذهبهم بأنه الأكثر تقاربا وتآلفا مع العلوم الطبيعية، كانوا ينظرون إلى العلم بأنه سبيل مقبول للتعرف على عظمة الله، بخلاف الكنيسة الكاثوليكية التي كانت لها مواقف صارمة ضد العلماء، لذلك فما حصل للبروتستانت من مذابح مريعة دفعهم للهجرة من بلدانهم إلى دول أوروبية احتضنتهم وآوتهم كإنجلترا، فكان هؤلاء المهاجرون أحد أهم أسباب الثورة العلمية والصناعية التي ولدت فيها. وهذا يذكرنا بحال قريب بعد سقوط نظام صدام حسين في 2003، حيث شاع القتل على الدين والمذهب، فهاجرت عقول علمية عظيمة من مسيحيين أو مسلمين عراقيين إلى أوروبا وأميركا نجاة بأنفسهم. هؤلاء عاشوا واستقروا في غير أوطانهم، وسيعملون ويخدمون دولا لا ينتمون إليها، وسيقدمون لها نتاجا خصبا من علوم ومعارف فقدها العراق مع سبق الإصرار والترصد. والأكثر إيلاما القول إن العراق سيواجه مصيرا في بيئته العلمية والثقافية أسوأ مما مضى، لأن الطائفية في العراق اليوم هي القانون السائد، هي الدولة وهي القانون.
وفي سوريا نموذج مثير لهذا الاختلاط في المذاهب الدينية والانتهازية السياسية لكل ما يجري. فالصراع بدأ عندما طالب مواطنون بسطاء حاكمهم الظالم بالعدالة، لكنه بعد شهور قليلة وبمخطط مدروس من الحاكم الطاغية تحول الخلاف إلى اختلاف مذهبي بين السنة والعلويين، رغم أنه في بيت الحكم السوري رؤوس لمجرمين ينتمون رسميا للمذهب السني، هم وزراء القتل ونواب التعذيب، ورغم أن طاغية دمشق، الذي يصلي أمام شاشة التلفزة، معروف بعلمانيته.
هذا النوع من الصراعات يسيل له لعاب آخرين بخلاف بشار الأسد - لأن الوحوش البشرية موجودة في كل المنطقة - وجدوا في الوضع السوري ما يغذي شهوتهم للقتل ويوقظ أطماعهم، بل إنه تفرع وتشعب وطال أبناء المذهب الواحد من السنة حتى تقاتلوا في ما بينهم، فكل فريق منهم يحمل في يده فتوى دينية تبرر قتله لأخيه وتمنيه - سرابا - الجنة. أي أن السياسيين يعودون دائما إلى سلاح الدين لترسية حكمهم وتجذير سطوتهم.
الأجواء اليوم مشحونة بالطائفية وأكثر من ذلك. ففي البلدان العربية المستقرة أصبحت نبرة العنصرية المناطقية والقبلية ترتفع بجرأة وبشكل مقزز، ومن المؤسف أن هذه اللغة لا يطلقها الشباب الصغار المتحمسون، بل من شخصيات اجتماعية يفترض أنها تمثل قدوة لجيل الشباب في تعزيز الترابط الاجتماعي واللحمة الوطنية. مثل هذه السلوكيات من الضرورة أن تجرم، ويوضع صاحبها تحت طائلة المحاسبة. القانون الذي يحمي السلم الاجتماعي ليس رفاهية ولا مسألة اختيارية، بل هو حتمي للاستقرار وتجنب الفوضى.
كل هذا التحيز للدين أو المذهب أو المنطقة أو القبيلة، من أهم مهددات الأمن والسلم الاجتماعي، والتصدي له واجب على المشرعين وعلى المثقفين، لأن كل مجتمع مخلخل من الداخل بهذا التناحر هو مجتمع هش من السهل ابتلاعه، ولو تركت النفس البشرية لرغباتها وأطماعها ونزعاتها الشريرة فإنها ستستبد وتطغى.
لا تعولوا على ضمائر الناس ولا على وازعهم الديني أو الأخلاقي، القانون هو المنظم وهو الميزان.
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو