أميركا: ضرورة حفظ تقرير التعذيب

أميركا: ضرورة حفظ تقرير التعذيب

الثلاثاء - 14 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 13 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13895]

في آخر خطابات الأمن القومي، تحدث الرئيس أوباما الثلاثاء الماضي عن أهمية الصدق في مبادئنا بعدم العودة لممارسات التعذيب، والالتزام بالشفافية. والآن، وإلى أن تنتهي ولايته، لا تزال أمام أوباما فرصة كي يتخذ إجراءات لتنفيذ هذه الأهداف وأن يفعل شيئًا مهمًا لكي تفهم جموع الناس تاريخنا. فأوباما لديه القدرة على حماية التقرير الكامل للجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، الذي تألف من 6700 صفحة عن التعذيب، وحفظه من الضياع؛ ربما للأبد.
وفي ضوء التعهد الانتخابي غير المنطقي الصادر عن دونالد ترامب الذي تعهد فيه «بعودة أساليب التعذيب؛ ومنها تكنيك الإيحاء بالغرق» وغيرها من الأساليب الأسوأ والأكثر جهنمية والتي ستكون غير قانونية حال تطبيقها، فإن هذا يعني أن قيادة أوباما وطريقة تعاطيه مع تلك القضية تحديدًا كانت أفضل بكثير مما نحن بصدده.
وبالنظر إلى عقود من العمل في مجلس الشيوخ وقيادتنا للجان الدفاع والاستخبارات، فإننا ندعو الرئيس أوباما للعمل على حماية وحفظ التقرير الكامل؛ صونًا للصالح العام. نحن لا نطالبه بالضرورة بالموافقة على كل نتائج التحقيقات الواردة به، وإن كنا نتمنى ذلك، لكننا نطالبه بالحفاظ على التقرير بوصفه جزءًا مهمًا من تاريخنا.
بمقدور الرئيس أن يفعل ذلك ببساطة، بأن يطالب مختلف الوزارات والوكالات التي تحتفظ بنسخة من التقرير بالدخول إليه بوصفه سجلاً حكوميًا، مما يزيد من صعوبة محوها من قبل أي إدارة أميركية في المستقبل.
مثل هذا الإجراء البسيط والمهم في آن؛ أمر يستطيع الرئيس أوباما أن يفعله الآن وبشكل فردي.
ما أهمية مثل هذا الإجراء؟
لا يدرك كثير من الناس أن الملخص الذي يتألف من نحو 500 صفحة والمستمد من تقرير مجلس الشيوخ السري، والذي بات علنيًا في نهاية عام 2014، ليس سوى جزء بسيط من الحكاية، غير أن التقرير الكامل لا يزال سريًا. ويعد التقرير أحد أطول التقارير في تاريخ مجلس الشيوخ، وبالفعل هو الأدق في توثيق كل ما حدث خلال فترة مظلمة عندما كان أسلوب التعذيب بالإيحاء بالغرق وغيره من الأساليب الوحشية للحصول على المعلومات، متبعًا وبغطاء قانوني بقرار من الرئيس السابق جورج بوش الابن، وهو القرار الذي أبطله الرئيس أوباما بحكمه لاحقًا. ورغم أنه غير مسموح لنا بمناقشة محتويات التقرير الكامل، فإننا نستطيع القول إنه يحوي تلالاً من المعلومات الجديدة التي تقود إلى فهم أشمل لكيفية سير هذا البرنامج وكيفية انحرافه عن قيم الشعب الأميركي. الأهم هو أن التقرير الكامل يحوي معلومات حساسة تساعد على ضمان عدم تكرارها مرة أخرى.
لكن هذا التاريخ المكتوب معرض للخطر؛ ففي عام 2014، أرسل السيناتور عن ولاية كاليفورنيا، ديان فينستاين، الذي كان حينذاك رئيسًا للجنة الاستخبارات بالمجلس، التقرير الكامل لإدارة أوباما يطلب فيه من الوزارات والهيئات المعنية، مثل وكالة الاستخبارات (سي آي إيه)، ووزارات الدفاع والداخلية والعدل، قراءته والاستفادة منه في عمل مطبوعاتهم التدريبية. بيد أنه بعد هيمنة الحزب الجمهوري على مجلس الشيوخ اتخذ رئيسه الجديد السيناتور عن ولاية نورث كارولينا، ريتشارد بر، الخطوة غير المعتادة بأن طالب بالحصول على التقرير الكامل الذي كان السيناتور فينستاين قد وزعه في السابق لكي يمنع قراءته على نطاق واسع وأيضًا ليمنع تصنيفه وثيقةً سرية. وفي هذا المسعى، وجه السيناتور خطابًا للرئيس الأميركي أصر فيه ليس فقط على عودة التقرير، بل أيضًا على «عدم وصوله إلى أي نظام أو هيئة تنفيذية». ومنذ ذلك الوقت، أصبح التقرير الكامل في طي النسيان في ضوء عدم رغبة إدارة أوباما في فتح التقرير ولا حتى إعادته للسيناتور بر.
لكن من المتوقع أن تتبدل هذه الحال من الإهمال في يناير (كانون الثاني) المقبل.
وبالنظر إلى منطق الرئيس المنتخب ترامب، فهناك خطر في أن الإدارة الجديدة سوف تعيد تقرير مجلس الشيوخ للسيناتور، وبعد ذلك تقوم بإخفائه إلى أجل غير مسمى، أو قد تمحوه نهائيًا. لكن اعتبار التقرير سجلاً حكوميًا سيحول دون حدوث ذلك.
قال الرئيس أوباما إن «إحدى نقاط القوة التي تجعل من الولايات المتحدة دولة استثنائية، تطلعنا بشكل صريح لمواجهة ماضينا، ومواجهة عيوبنا وتصويبها، والتطلع للأفضل». لم نستطع الوصول لاتفاق أبعد من ذلك، لكن لكي نفعل ذلك، من الضروري أن نعرف تاريخنا، وأن نعلم في المقام الأول، وبالتفصيل، كيف حدثت تلك الأخطاء. في الحقيقة، التقرير الكامل للجنة الاستخبارات ليس سوى هذا التاريخ.
وفي أيامه الأخيرة بالرئاسة، انتهز الرئيس أوباما الفرصة لكي يضمن أن جهوده لمنع العودة لممارسات التعذيب ستستمر حتى بعد رحيله عن البيت الأبيض. وفي حديثه عن التعذيب، قال: «سأستمر في استخدام صلاحياتي رئيسًا لضمان عدم عودتنا لتلك الممارسات مرة أخرى». ونحن بدورنا ندعوه للعمل على تنفيذ تعهده عن طريق صيانة التقرير الكامل الصادر عن مجلس الشيوخ وحمايته ممن يحاولون إخفاءه أو محوه.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة