إخبار الطبيب مريضه عن مخاطر الفحوصات

إخبار الطبيب مريضه عن مخاطر الفحوصات

الجمعة - 28 ذو الحجة 1434 هـ - 01 نوفمبر 2013 مـ رقم العدد [12757]
د. حسن محمد صندقجي
طبيب وباحث سعودي في المجال الصحي

قناعة الطبيب بأنه يفعل الصواب في خدمة المريض، أو وقاية السليم، لا تعفيه من ضرورة إخباره بفوائد وأضرار هذه الخدمة أو الوقاية، وإعطائه حرية تقرير تقبل أو رفض ذلك، خاصة في الجوانب التي لا تتعلق بإنقاذ الحياة من خطر صحي محدق أو في الوقاية من غير الأمراض الميكروبية المعدية القابلة للانتشار في المجتمعات. ويتأكد هذا المبدأ الطبي في حالات إجراء الفحوصات للكشف المبكر عن الأمراض التي يتم فيها استخدام وسائل للفحوصات تعطي نتائج محتملة في دقة تشخيص وجود مرض ما.

وكمثال، فإن وسائل الكشف المبكر عن الأورام السرطانية هي إحدى الطرق المستخدمة طبيا لمعرفة احتمالات وجودها لدى الأصحاء الذين لا يشكون من أي أعراض مرضية تدل على إصابتهم بأحدها في أعضاء الجسم المختلفة. ومعلوم أن تشخيص الإصابة السرطانية في وقت مبكر يسهل معالجتها مقارنة بالاكتشاف المتأخر الذي يحصل مع استفحال المرض وانتشاره خارج نطاق العضو الذي بدأت فيه المشكلة.

وما يعمل الوسط الطبي عليه هو محاولة استخدام وسائل معينة من الفحوصات التي بإمكانها اكتشاف حالات الإصابات السرطانية لدى الأصحاء. ومن أهم مميزات تلك الوسائل التشخيصية أن لا تكون ضارة بهم حال استخدامها، وأن تكون «مجدية» في تكلفة استخدامها لجميع الأصحاء بالمقارنة مع نسبة دقتها في اكتشاف المصابين منهم.

ولذا، وبناء على دراسات طبية ميدانية واسعة، يتم تقرير أن وسيلة ما للكشف المبكر هي «مجدية» و«ممكنة» و«دقيقة» بدرجة كافية لجعلها وسيلة للكشف المبكر، أي بموازنة تكلفتها وسهولة إجرائها وتوفر إمكانية إجرائها مع قدرتها على اكتشاف إصابات خفية لدى بعض الناس.

إلى هنا، الكلام مقبول طبيا، ولكن تبقى طريقة الممارسة لهذا السلوك الطبي الوقائي، أي كيف يتم إجراء هذه الفحوصات الوقائية للكشف المبكر عن الأورام السرطانية لدى الأشخاص الأصحاء؟

بداية، من الضروري ملاحظة أن هناك فرقا بين أمراض قابلة للانتشار من المصابين إلى الأصحاء وأمراض غير قابلة لذلك. وفي حالات الأمراض المعدية، من المهم اكتشاف حالات المصابين من أجل معالجتهم ومن أجل وقاية الأصحاء الذين يخالطونهم أو يعيشون معهم. ولكن في حالات الأمراض غير المعدية، فإن الأمر اختياري للشخص السليم، إن شاء خضع لتلك الفحوصات وإن شاء تركها، لأنه هو من سيجني الفائدة وهو من سيخسر. ولأن الأمر اختياري، فإن من واجب الوسط الطبي أن يشرح الأمر للشخص السليم كي يكون قراره مبنيا على علم ودراية، والسبب أن بعض نتائج هذه الفحوصات قد تدل على «احتمال» وجود شيء ما غير طبيعي، وهو ما يسمى «فرط التشخيص» overdiagnosis، أي العثور على شيء يشبه السرطان ولكنه ليس كذلك، أو سرطان صغير جدا وبطيء النمو من غير المحتمل جدا أن يتسبب بمشكلة مستقبلية. وهو ما يتطلب بالتالي إجراء فحوصات أخرى، كأخذ عينات بالإبرة أو بعمليات جراحية أو عمليات تحت توجيه الأشعة وبتناول أدوية مخدرة، وهي أمور قد تحمل في طياتها مخاطر محتملة على المريض، وهو ما يسمى طبيا «فرط المعالجة» overtreatment.

ولو كان الشخص يشكو من أعراض مرضية، وكانت نتائج الفحوصات المبدئية غير مطمئنة، فإن من المنطقي ضرورة إجراء الفحوصات المتقدمة حتى لو كانت تحمل مخاطر على الشخص طالما كانت تلك المخاطر أقل ضررا من تبعات الإصابة السرطانية المحتملة لديه. أما إذا كان الشخص لا يشكو من شيء، ونتائج الفحوصات المبدئية غير مطمئنة، فإن من أبسط الإجراءات شرح الأمر للشخص وترك القرار له في التقدم بإجراء فحوصات أكبر. والسؤال: هل الأشخاص الأصحاء الذين يتم إجراء الفحوصات المتعلقة بالكشف المبكر عن الأورام السرطانية عليهم هم بالفعل على معرفة ودراية بتبعات تحليل نتائج هذه الفحوصات؟ أم أن الأطباء يقتصرون على شرح الفوائد لأولئك الناس دون توضيح المخاطر؟.

الباحثون الألمان من مؤسسة ماكس بلانك للتنمية البشرية Max Planck Institute for Human Development في برلين نشروا ضمن عدد 21 أكتوبر (تشرين الأول) من مجلة «جاما» للطب الباطني الأميركية JAMA Internal Medicine، نتائج دراساتهم حول مدى معرفة الأصحاء بالولايات المتحدة، الذين تمت لهم فحوصات الكشف المبكر عن الأورام السرطانية، ومدى إخبار الأطباء لهم بالمخاطر المحتملة لتلك الإجراءات التشخيصية.

وقالت أوديت ويغوارث، الباحثة الرئيسة بالدراسة: «عادة حينما يجري الحديث مع الطبيب فإن الكلام يكون عن الفوائد ولا يتطرق للمخاطر المحتملة». وفي دراستهم الإحصائية الميدانية على شريحة من البالغين الأميركيين أعمارهم ما بين 50 و60 سنة، الذين خضعوا لفحوصات الكشف المبكر عن السرطان، أفاد 10% فقط منهم أن الأطباء أثاروا معهم احتمالات «فرط التشخيص» و«فرط المعالجة» وتبعات ذلك. ولكن المشكلة ليست في الأطباء بالكامل كما لاحظوا، ذلك أن 80% منهم ذكروا أنهم لا يفضلون سماع أي شيء يتعلق باحتمالات الخطورة في تلك الفحوصات.


* استشاري باطنية وقلب

مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة