غادة وصِبية الزفة

غادة وصِبية الزفة

الأحد - 12 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 11 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13893]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

ما الذي يزعج بعضهم في أن شاعرًا معروفًا عشق أديبة وكتب لها رسائل حب؟
لست هنا بصدد مجادلة حق غادة السمان في نشر ما تحتفظ به من رسائل كتبها لها محبوها في السنوات الخوالي. هذه مسألة قديمة متجددة سال فيها حبر كثير. لكن المرء يقف مذهولاً أمام هذا السيل من الخفة الذي اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي منذ ذيوع الخبر. مئات التعليقات والتغريدات التي لا تخلو من تجاوز على كاتبة هي علم من أعلام المشهد الثقافي العربي المعاصر. وحتى لو تناسينا الفطرة الطيبة في احترام الكبار وتقدير المبدعين والرفق بالقوارير، فإن من غير الممكن ألا نلاحظ العدوان الحالي في «فيسبوك» وأخواتها. هل جُبلنا على تعكير كل بئر صافية؟
قبل ثلاثين سنة، حين استفاقت دولنا على معجزات الحواسيب، فإنها لم تستورد تلك الأجهزة لاستخدامها في الجامعات والمستشفيات ودوائر الحكومة ومراكز البحث العلمي، فالمنطق يقول إنها وسائل متطورة يمكن أن تساعدنا في اللحاق بالعصر وتسهيل أمور المواطنين. يا للسذاجة! كانت أجهزة المخابرات هي أول من حظي بالاختراع الجديد. وجرى إرسال البعثات إلى أميركا وفرنسا واليابان للتدريب عليه. ذلك أن رجل الأمن يسبق الباحث وعالم الرياضيات في منطقنا وفي منطقتنا. والأولوية الحيوية هي لجدولة قوائم المعارضين وأسماء الممنوعين من السفر. أما الوصول إلى مصادر المعرفة، أو اختصار الروتين والمكاتبات الحكومية، أو فتح سجلات طبية إلكترونية لتلاميذ المدارس، فليست بالأمر الجلل. لقد رأيت أول كومبيوتر في حياتي عندما وقفت أمام ضابط مراقبة الجوازات في مطار بغداد.
اليوم فتحها الله علينا. صارت الأجهزة الحديثة، المعقّدة أو المُيسّرة، تهدى للأطفال في أعياد ميلادهم. لكن حليمة لم تترك عادتها القديمة. وها نحن لا نقنع بالتمتع بثمار العلوم بل يتفنن كثيرون منا، وكثيرات، في استخدام الفضاء الإلكتروني للتلصص والتطاول والنميمة وبث رسائل الكراهية وشحن المتطرفين وتجنيد الإرهابيين. هناك جيش من الشتّامين ترعرع في أحضان «فيسبوك».
غادة السمان كانت تتوقع الضجة التي يثيرها نشر رسائل الحب التي تلقتها من الشاعر اللبناني أنسي الحاج. وريقات جميلة باهرة بعنفوان الشباب، لا تسيء إليه ولا إليها. لقد رأت كيف تقوم القيامة حين نشرت، قبل سنوات، الرسائل التي كتبها لها الأديب الفلسطيني غسان كنفاني. إنها ضجة صحيّة، إذ ما قيمة كتاب لا يثير اهتمامًا وتعليقات؟ لكن أن يندس صِبية وسط الزفة، أو ممن يمرون بمراهقة متأخرة، وينتهزوا الفرصة لاستعراض نماذج رفيعة من قلة الأدب، فهذا هو تلوث البيئة.
أن تعجبك كتابات غادة السمان أو لا، تلك مسألة تخصك. وهي لا تغير من حقيقة أنها قدمت لقرائها عشرات الكتب في القصة والرواية وأدب الرحلات والتحقيقات والترجمات واستكشاف الظواهر الغامضة. كتبت شهادات على تجارب عاشتها ولم تتراجع رغم كل القيل والقال. سيدة عربية انطلقت من دمشق وجالت في العالم ولم تترك حياتها تضيع سدى. ثم يأتي كسالى لم يقرأوا الكتاب لكنهم يسمحون لأنفسهم بأن يتجرأوا على حريتها. هي التي امتلكت في وقت مبكر جرأة رفع سقف الكتابة وفتح النوافذ أمام هواء مختلف. هل ننكر أن غادة السمان أثرت في أجيال من الكاتبات وصارت مدرسة في أسلوبها؟ وهي لو كانت أميركية أو أوروبية لكللوها بالغار بعد مسيرة نصف قرن من العطاء المتواصل. أما عندنا، فإنها ومثيلاتها يُواجهن بالناقص من الكلام. ما الذي يزعجهم إذا نشرت رسائل حب يتمنى أي رجل لو أنه يجيد كتابة ما يماثلها، وتتمنى كل امرأة لو أنها تلقت مثلها؟ هي الغيرة على الأرجح.
جريرة هذه المرأة أنها حرة. حرية تُخيف من يحمل قيوده في عقله.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة