«الفيصل» تشع بـ«التنوير»

«الفيصل» تشع بـ«التنوير»

الأربعاء - 8 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 07 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13889]
ميرزا الخويلدي
كاتب و صحفي سعودي
اختارت مجلة «الفيصل» السعودية، الصادرة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، التابع لمؤسسة الملك فيصل الخيرية، قضية «التنوير» ملفًا فكريًا في عددها الأخير، اشترك فيه عشرة مفكرين عرب، استعرضوا مشروع التنوير؛ تأسيسه، وآفاقه، وأسباب تراجعه، والحاجة إليه.
قضية التنوير مهمة بحد ذاتها، وستكون أكثر أهمية حين تتعرض لها مجلة سعودية رصينة المحتوى، وتجتذب نخبة من المفكرين العرب ليناقشوا هذه القضية الهامة.
في البداية تتساءل المجلة: لماذا التنوير الآن؟، لتجيب: «لم توجد فيما مضى لحظةٌ تستدعي سؤال التنوير، فحصًا ومساءلة ومراجعة، بقدر هذه اللحظة الراهنة التي يتلظَّى العرب بحروبها الوحشية ونزاعاتها الحادة، لحظة عدمية لا ينتج منها سوى ظلام عميم له رائحة الدم ولونه، ظلام لا تعود معه الرؤية ممكنة ويستحيل معه أيضًا التقدم أو حتى التراجع عما يحدث اليوم».
يطرح المفكر مراد وهبة: إشكالية التنوير في العالم العربي.. ناقلاً حوارًا قديمًا عن التنوير دار بين اليسار المصري وتوفيق الحكيم، وفي ذلك الحوار كان رأيه أن أوروبا قد مرت بحركتين للتنوير: «تحرير العقل»، و«التزام العقل بتغيير الوضع القائم»، أما الدول العربية فلم تمر بهاتين الحركتين. وقد وافق توفيق الحكيم على هذا الرأي، ثم استطرد قائلاً: لقد ارتددنا إلى الوراء بعد العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، بسبب الرجعية الدينية الخرافية التي لا تتفق مع جوهر الدين، ولكنها تتستر باسم الدين لتلغي دائمًا دور العقل.
أين كان العرب، وأين أصبحوا..؟، يرسم المؤرخ والمفكر العربي سيّار الجميّل صورة بانورامية لمسيرة التنوير في العالم العربي: «سيقول مؤرخو العرب بعد مئات السنين: إنّ العربَ قد عاشوا في القرن العشرين على الرغم من كلّ تناقضاتهم السياسية والفكرية، أزهى أزمنتهم الحديثة، بعد أن أحيت فيهم مشروعات النهضة مجالات العقل والاستنارة والإبداع، وأنهم قد نفضوا عنهم غبار الماضي، وخرجوا من سكون أكفان القرون التي سبقت اللحظة الزمنية للقرن العشرين ليلبسوا أثوابًا جديدة، وقد أبدعوا بعد أن انفتحت عقولهم، وتعاملوا مع أصالتهم، وخلقوا لهم أشياء جديدة لم يكونوا يعرفونها من قبل، بل إنهم انسجموا مع مشروعهم النهضوي ويقظتهم الفكرية، وناضلوا من أجل أن يكون لهم مكانهم تحت الشمس، لكنهم انتكسوا انتكاسات مريرة عند نهايات القرن العشرين، ودخلوا زمنًا اختلفوا فيه عن أزمنة استنارتهم النهضوية، بافتقادهم الوعي بالتقدّم، فتغيّرت حالاتهم، وتبدّلت أوضاعهم، وازدادت تناقضاتهم وباتوا يكره بعضهم بعضًا، وأخذوا يزيفون تاريخهم، ولم يتعلّموا منه شيئًا، فهم لم يتوقفوا عن مشروعهم واستنارتهم فحسب، بل تراجعت خطاهم تراجعًا مخيفًا». الكاتب السوري هاشم صالح، يطرح قضية «التنوير العربي كمنقذ من الطائفية والمذهبية»، ويهتم بتتبع الصراع التاريخي الجدلي بين العقل الديني والعقل الفلسفي، ويرى نموذجه العربي في صعود حركة «الإخوان المسلمين»، وهو يرى أن «الفهم الإخواني للإسلام يتعارض مع الفهم العقلاني المستنير. والصراع محتوم بين الطرفين»، وينتهي إلى أن «تخبطات الربيع العربي شيء إجباري لا مندوحة عنه (..) وأن المرور بالمرحلة الإخوانية الأصولية على الرغم من صعوبتها وخشونتها شيء لا بد منه لكي نتحرر منها على طريقة (وداوني بالتي كانت هي الداء) (..) لهذا السبب أقول إننا نعيش لحظة تقدمية من التاريخ العربي حتى لو كانت تبدو في ظاهرها تراجعيةً، بل فجائعية». المفكر السعودي إبراهيم البليهي، يتناول دور التعليم في مسيرة التنوير، هو يرى «أن التعليم في أي مجتمع محكومٌ بالثقافة السائدة وليس حاكمًا لها، وأن أفراد كل بيئة يتبرمجون بثقافتها تلقائيًّا فيبقون محكومين بها»، و«أن التعليم في المجتمعات المتخلفة يكرس التخلف، ويعمق أسبابه، ويزكي البيئة الحاضنة له»، ويخلص إلى «أن المجتمعات تتناسل ثقافيًّا بشكل تلقائي، وترفض ما يغاير تصوراتها وقيمها ومألوفاتها، فالأطفال يتبرمجون تلقائيًّا بالثقافة السائدة قبل أن يلتحقوا بالتعليم، فتنغلق قابلياتهم عن قبول ما لا يتفق اتفاقًا كاملاً مع البرمجة التلقائية، لذلك ينبغي أن يدرك رجال التربية والتعليم والمسؤولون عن التنمية هذه الحقيقة الأساسية، وأن يتفهموا التغيرات النوعية التي طرأت على الحضارة البشرية». بقية الملف تتنوع في طرحها وتتعمل في طرحها، تحية لمجلة «الفيصل»، على هذا الملف المهم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة