تحديات مقتلة حلب

تحديات مقتلة حلب

الأحد - 5 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 04 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13886]
حلب الشرقية تحت النار. أشلاء الضحايا متروكة في كل مكان. رائحة الموت تطغى على الخراب العميم. القيصر يوسع من نطاق حربه، ويرسم حدود اندفاعة ميليشيات الحرس الثوري المذهبية، إلى جانب وحدات الشبيحة للنظام السوري، والهدف المحلي إحكام السيطرة على أنقاض الأحياء، وإعلان النصر ولو لم يبق من حلب الشرقية حجر على حجر. إنها «سوريا المفيدة» تكتمل، فيما الهدف الأبعد لموسكو يكمن في استعادة دور قيادي عالمي مفقود، كندٍ للولايات المتحدة، دور ما كانت روسيا تحلم به، لولا سياسة «القيادة من الخلف» التي اعتمدتها واشنطن، وأدت، بنسبة غير قليلة، إلى خسائر الديمقراطيين في انتخابات الرئاسة الأميركية ومجلسي الكونغرس.
إنه الوقت المستقطع لروسيا قبل تسلم الإدارة الأميركية الجديدة كي لا تُحرج. العالم كله يتفرج على الجرح السوري المفتوح، وكل المشاريع أمام مجلس الأمن، وخطب الإدانة، هي عدة ملء الوقت، لأنها لم ترفق بما يحمي حياة واحدة، مقابل تراجع الاكتراث بالفظائع والأهوال، حتى إن عدّاد الضحايا توقف عند النصف مليون ضحية. كذلك انحسرت حتى الإشارات الخجولة، لدور النظام في استقدام أصناف من الميليشيات المذهبية، لتدمير سوريا وسحق أهلها، بعد رعايته أفظع التغييرات الديموغرافية التي قضت بإفراغ مدن من الغالبية السنية.. حواضِر كبرى يتم تمزيق نسيجها ويُقتلع أهلها حتى باتت أثرا بعد عين.
أن ينكر النظام السوري والمحور الذي تقوده روسيا، مشروعية مطالب السوريين وحقوقهم، هذا ليس بمفاجأة. بل المفاجأة تكمن في أن الجهات السورية المعارضة، التي مُحِضت الثقة لم تُقدم للسوريين ولو خريطة طريق أولية. ست سنوات من التضحيات غير المسبوقة، لم تُقدم المعارضة قيادة جدية، ولم يُعرف لها أي رمز، على أهمية هذه المسألة ومحوريتها، إذ منذ نجح مخطط عسكرة الانتفاضة، بدأت الهجرة وشملت حتى رموز التنسيقيات..
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإنه في الحرب اللبنانية، ورغم الكثير من الملاحظات العميقة والجوهرية على كثيرين، لم تُغادر القيادات البلاد وبعضها كان مهددا، والمثال الذي قدمه كمال جنبلاط ما زال ماثلا في الأذهان ومثله بشير الجميل، ويوم احتل العدو الإسرائيلي بيروت وُجِد جورج حاوي ليعلن إطلاق «جمول» (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية) التي حررت بيروت واستعادت من براثن الاحتلال أكثر المناطق المحتلة.
تُرى ألم يكن ممكنا إنتاج قيادات للمعارضة السورية في الداخل، في الغوطتين أو في أرياف الوسط أو الشمال.. لأنها لو وجدت، لساهمت في تشكيل مظلة قيادية، بوجه السواد الذي راح يضرب المناطق المحررة مع سيطرة قِلة من الإرهابيين، على مناطق حررها الناس والجيش الحر من قبضة الديكتاتورية.. مثل هذه القيادات كانت ستعيق تفتيت الجيش الحر، رغم تآمر قوى كثيرة ساهمت في خلق أكثر من «داعش» و«نصرة» وأضرابهما.. وكانت ستحول دون اختزال شعب بفصائل مسلحين أصحاب أجندات خطرة، فأنتجوا أمراء وأغنياء حرب كان شغلهم الشاغل، الاتجار بالنفط ونهب الإعاشات والمساعدات، والاتجار بالسلاح فيما ملايين السوريين ينامون على الطوى ولا يجدون حبة دواء!!
حلب الشرقية، سقطت عسكريا منذ اتفاق بوتين - إردوغان، إذ إنه مقابل موافقة موسكو على الدخول التركي إلى جرابلس والتوسع شمالا، لمنع ربط الشرق الكردي مع عفرين، وإبعاد الأكراد إلى شرق الفرات.. قطعت تركيا مع «النصرة»، وسحبت من المواجهة فصائل مؤيدة (التركمان) ضمتها لـ«درع الفرات» وأوقفت الدعم عن بقية الفصائل.
لم تُولِ المعارضة هذا التطور الاهتمام الضروري، ربما لم تكن في موقع المعرفة الحقيقية والقدرة والتأثير؛ إذ مع بدء موسكو خطط إعلان الهدنات، فالقصف، و«نوايا» السماح بدخول مساعدات، وكلها كانت جزءًا من سيناريو إحكام السيطرة على الأحياء الشرقية للمدينة.. كانت الفصائل تتناحر: معركة ضروس على واردات معبر باب الهوا بين «الجبهة الشامية» و«أحرار الشام»، وداخل حلب تسلبُ «حركة نور الدين زنكي»، ذخيرة تجمع «فاستقم» ومستودعاته الغذائية، ما فاقم الانهيار، وربما خلق جو الهزيمة قبل الإطباق العسكري.
«نصر» حلب لن ينهي المسألة السورية، والصراع في سوريا وعليها سيوظف في الكثير من الصفقات الإقليمية والدولية. واليوم ووحدة سوريا لم تعد فوق الحساب مع توزع مناطق النفوذ، فإن وقف الانهيار أولوية للمعارضة، عبر السعي الجاد لوقف النار كي تلتقط الناس أنفاسها وتُلجم آلة القتل والتهجير، وتأخذ المعارضة فرصة بعيدا عن تحكم أمراء الحرب، لبلورة مشروع يرد على تحديات مقتلة حلب. مشروع يطمئن المكونات السورية، عبر خلق لغة موحدة وخطاب يجمع، يستند إلى أجندة غير استئثارية، تستبعد مرتكبي الجرائم، وكل منحى انتقامي، ما يفتح الطريق أمام حوار سوري - سوري يجمع أكثر الحيثيات بوجه الديكتاتورية وداعميها.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة